فهرس الكتاب

الصفحة 8056 من 11127

5425 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابن سعيد، قال (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدني، بفتح

ج 23 ص 467

العين فيهما (مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ) بفتح المهملتين وسكون النون بينهما وبالموحدة (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل زوج أمِّ أنس رضي الله عنهم (الْتَمِسْ) لي (غُلاَمًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي) بضم الدال (فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ) حال كونه (يُرْدِفُنِي) على الدَّابة (وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ) بفتح الحاء المهملة والزاي الهم، كذا في «القاموس» وغيره. لكن فرَّق البيضاوي بينهما بأنَّ الهم إنَّما يكون في الأمر المتوقَّع؛ أي فيما تصوره العقل من المكروه الحالي، والحزن فيما قد وقع، أو الهم هو الحزنُ الذي يذيب بدن الإنسان، يقال همَّني المرضُ بمعنى أَذَابِنَي، وسمِّي به ما يعتري الإنسان من شدائد الغم؛ لأنَّه يُذيبه فهو أبلغُ وأشد من الحزن.

(وَالْعَجْزِ) وهو ذهابُ القدرة، وأصله التَّأخر عن الشَّيء مأخوذ من العجز، وهو مؤخر الشَّيء وللزومه الضَّعف والقصور عن الإتيان بالشَّيء استعمل في ذلك.

(وَالْكَسَلِ) وهو التَّثاقل عن الأمر والفتور فيه مع وجود القدرة والدَّاعية ضدُّ الخفَّة والجلادة (وَالْبُخْلِ) ضدُّ الكرم (وَالْجُبْنِ) بضم الجيم وسكون الموحدة؛ أي الخوف من تَعاطي الحرب ونحوها خوفًا على المهجة ضدُّ الشَّجاعة (وَضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح الضاد المعجمة واللام، وهو ثقلُه وشدَّته حتَّى يميلُ بصاحبه عن الاستواء والاعتدال (وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) بفتح الغين المعجمة واللام. وفي الرِّواية الأخرى (( وقهر الرِّجال ) )والإضافة إمَّا أن تكون إلى الفاعل؛ أي قهر الدَّائن إيَّاه وغلبته عليه بالتَّقاضي، وليس له ما يقتضي دينه أو إلى المفعول بأن لا يكون له أحد يعاونه على قضاءِ ديونه من رجالهِ وأصحابه.

قال الكرمانيُّ واعلم أنَّ أنواع الفضائل ثلاثة نفسيَّة

ج 23 ص 468

وبدنيَّة وخارجيَّة، والنَّفسانيَّة ثلاثة بحسب القوى الثَّلاث التي للإنسان العقليَّة والغضبيَّة والشَّهويَّة، فالهمُّ والحزن ممَّا يتعلَّق بالعقليَّة، والجبن بالغضبيَّة، والبخل بالشهويَّة، والعجزُ والكسل بالبدنيَّة. والثَّاني عند سلامة الأعضاء وتمام الآلات، والأوَّل عند نقصان عضو، كما في الأعمى والأشل. والضَّلع والغلبة بالخارجيَّة، فالأوَّل مالي، والثَّاني جاهي، فهذا الدُّعاء من جوامع الكلم له صلى الله عليه وسلم.

(فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ) صلى الله عليه وسلم (حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ) قافلين (وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ) بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد التحتية، بنت حيي بن أخطب النَّضيرية أمِّ المؤمنين، من بنات هارون بن عمران أخي موسى بن عمران عليهما السَّلام، وأمُّها برَّة بنت شمول سباها النَّبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة، ثمَّ أعتقها وتزوَّجها وجعل عتقها صَداقها.

قال الواقديُّ ماتت في خلافة معاوية رضي الله عنه سنة خمسين، وقال غيرُه ماتت في خلافة علي رضي الله عنه سنة ست وثلاثين.

(قَدْ حَازَهَا) بالحاء المهملة والزاي؛ أي احتازها من غنيمة خيبر، وكل ما ضم إلى نفسه شيئًا فقد حازه (وَكُنْتُ أَرَاهُ) صلى الله عليه وسلم (يُحَوِّي) بضم التحتية وفتح المهملة وكسر الواو مشددة؛ أي يجعل (لَهَا) حوية، وهو كساءُ محشو يُدار حول سنام الرَّاحلة يَحفظُ راكبها من السُّقوط ويستريح بالاستناد إليه (وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، أَوْ بِكِسَاءٍ) والشَّك من الرَّاوي، وثبت قوله (( لها ) )في رواية أبي ذرٍّ، وسقط في رواية غيره (ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ) على الرَّاحلة (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ) بفتح المهملة وسكون الهاء، اسم منزل بين خيبر والمدينة (صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ) فيه أربع لغات فتح النون وسكون الطاء، وفتحهما، وكسر النون وسكون الطاء، وكسر النون وفتح الطاء، كِعنَب ويجمعُ على نُطوع وأنطاع.

(ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا) أي من ذلك الحيس (وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا) أي دخوله بصفية (ثُمَّ أَقْبَلَ) قافلًا إلى المدينة (حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ) ظهر له من بعيدٍ (أُحُدٌ) أي الجبل المكرم المعروف (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا) حقيقة بخلق الله تعالى فيه الإدراك، كحنين الجذع أو مجازًا أو بتقدير مضاف؛ أي أهله نحو قوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف 82] (وَنُحِبُّهُ) لأنَّه في أرض من نحب وهم الأنصار.

(فَلَمَّا أَشْرَفَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا، مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل صلى الله عليه وسلم (مَكَّةَ) وجبلا المدينة هما ثبير

ج 23 ص 469

وأحد، وأمَّا رواية ثور فاستُشْكِلَتْ، من حيثُ إنَّه بمكَّة وفيه الغار الذي بات فيه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لمَّا هاجر، والقول بأنَّ بالمدينة جبلًا اسمه ثور أيضًا أولى؛ لما فيه من عدم توهيم الثِّقات، ثمَّ المراد تحريم التَّعظيم دون ما عداه من الأحكام المتعلِّقة بحرم مكَّة، نعم مشهور مذهب المالكيَّة والشَّافعية حرمة صيدِ المدينة وقطع شجرها، لكن من غير ضمان.

وقال الكِرمانيُّ فإن قلتَ لفظ به زائد، قلتُ لا بل مثل منصوب بنزعِ الخافض؛ أي أحرم بمثل ما حرم به، فإن قلتَ ما ذاك؟

قلتُ دعاؤه بالتَّحريم أو حُكْمُه بالتَّحريم، ويحتمل أن يكون معناه أُحَرِّمُ ما بين جبليها بهذا اللَّفظ، وهو أحرم مثل ما حَرَّم به إبراهيم عليه السَّلام، ومباحث ذلك سبقت في أواخر «الحج» [خ¦2129] .

(اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ) أي لأهل المدينة (فِي مُدِّهِمْ) بضم الميم وتشديد الدال المهملة، وهو ما يسع رطلًا وثلث رطلٍ أو رطلين (وَصَاعِهِمْ) وهو ما يسع أربعة أمداد، والمقصود بارِكْ لهم فيما يُقَدَّر بالمدِّ والصَّاع، وهو الطَّعام؛ إذ البركةُ في الموزون به يستلزمُ البركة في الموزون. وفي حديث آخر (( وبارك لنا في مدينتنا ) ).

ولقد استجابَ الله دعاء حبيبه صلى الله عليه وسلم وجلبَ إليها في زمن الخلفاء الرَّاشدين من مشارقِ الأرض ومغاربها من كُنوز كسرى وقيصر وخاقان ما لا يُحصى ولا يُحصرُ، وبارك الله تعالى في مكيالها بحيث يكفي المدُّ فيها لمن لا يكفيه في غيرها.

فأرجو الله تعالى بوجهه الكريم ونبيِّه العظيم عليه أفضل الصَّلاة والتَّسليم أن يمنَّ عليَّ وأحبابي بالوصول إليها على أحسن الحال مع الإقبال والقبول وبلوغ المأمول، ثمَّ بالوصول إلى الوطن المألوف، والملاقاة مع الأهل والولد والأحباب، ثمَّ بالوفاة على الإسلام، والقرب منه عليه الصَّلاة والسَّلام بمنَّه وكرمه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( صنع حيسًا ) )وقد مرَّ الحديث في البيوع، في باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها [خ¦2235] . وأخرجه أيضًا في الجهاد [خ¦2889] ، والمغازي [خ¦4083] ، والدَّعوات [خ¦6363] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت