وقال الحافظ العسقلانيُّ هذه التَّرجمة وما بعدها إلى آخر «كتاب اللباس» لها تعلُّقٌ باللِّباس من جهة الاشتراك في الزينة، فذكر أوَّلًا التَّراجم المتعلِّقة بالشُّعور وما شاكلها، وثانيًا المتعلِّقة بالتَّطيُّب، وثالثًا المتعلِّقة بتحسين الصُّورة، ورابعًا المتعلِّقة بالتصاوير؛ لأنَّها قد تكون في الثِّياب، وختم بما يتعلَّق بالارتداف، وتعلُّقه به خفي، وتعلُّقه بكتاب الأدب الَّذي يليه ظاهر.
وتعقَّبه العينيُّ بأن مُطلق اللِّباس ليس للزِّينة على ما لا يخفى، ومع هذا فيه أبوابٌ بمعزل عن الزِّينة مثل باب «خاتم الحديد» ، وباب «الجلوس على الحصير» ، وباب «اشتمال الصماء» ، وباب «من لبس جبة ضيق الكمين» . نعم يمكن أن يُقال إنَّ في قصِّ الشَّارب زينةٌ، فناسب الأبواب الَّتي فيها وجود الزِّينة.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما هكذا في رواية أبي ذرٍّ والنَّسفيِّ وهو المعتمدُ، ووقع في رواية الباقين ؛ يعني ابن الخطَّاب. قال الحافظ العسقلانيُّ وهو خطأٌ فإنَّ المعروف عن عمر رضي الله عنه أنَّه كان يوفِّر شاربه.
(يُحْفِي شاربه) من الإحفاء _ بالحاء المهملة والفاء _، يقال أحفى شعره إذا استأصله؛ أي أزاله
ج 25 ص 194
بالحلق، ولكون إحفاء الشَّارب أفضل من قَصَّهِ عبَّر الطَّحاويُّ بقوله باب حلق الشَّارب (حَتَّى يُنْظَرَ) مضارع مبنيٌّ للمفعول من النَّظر (إِلَى بَيَاضِ الجِلْدِ) لمبالغته في استئصال الشَّعر وصله أبو بكر بن الأثرم من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال رأيت ابن عمر رضي الله عنهما يُحفِي شاربه حتَّى لا يتركَ منه شيئًا. وأخرج الطَّبريُّ من طريق عبد الله بن أبي عثمان رأيتُ ابن عمر رضي الله عنهما يأخذُ من شاربه أعلاه وأسفله، وهذا يردُّ تأويل من تأوَّل في أثر ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ المراد به إزالة ما على طرف الشَّفة فقط.
(وَيَأْخُذُ هَذَيْنِ؛ يَعْنِي بَيْنَ الشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ) كذا وقع التَّفسير في الأصل، وقد ذكره رَزين في «جامعه» من طريق نافع عن ابن عمر جازمًا بالتَّفسير المذكور، وأخرج البيهقيُّ نحوه. وقال الكرمانيُّ هذين يعني طرفي الشَّفتين اللَّذين هما الشَّارب واللِّحية وملتقاهما، كما هو العادة عند قصِّ الشَّارب في أن ينظِّفَ الزاويتان أيضًا من الشَّعر، ويحتمل أن يرادَ بهما طرفا العنفقة وهو قوله «بين» كذا هو لجميع الرُّواة، إلَّا أنَّ القاضي عياض ذكر أنَّ محمد بن أبي صفرة رواه بلفظ الَّتي للتَّبعيض، والأوَّل هو المتعمدُ.
ثمَّ إنَّ الطَّحاوي وصل هذا التَّعليق من خمس طرق، الأوَّل [1] عن ابن أبي داود حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال حدَّثنا عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يُحفي شاربه حتَّى يُرى بياض الجلد، وفي لفظ يُحفي شاربه كأنَّه ينتفه. وفي لفظٍ من حديث عقبة بن مسلم قال ما رأيتُ أحدًا أشدَّ إحفاءً لشاربه من ابن عمر كان يُحفيه حتَّى إنَّ الجلد ليُرى.
[1] كذا فعل العيني في العمدة والشارح نقل عنه، ولم يكمل العيني رحمه الله تعالى بقية الطرق.