450 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجُعْفي، وقد مرَّ في باب كتابة العلم [خ¦114] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله المارِّ ذكره في باب (( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) ) [خ¦71] .
(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو) بن الحارث، الملقَّب بدرَّة الغواص، وقد مرَّ في باب المسح على الخفين [خ¦202] (أَنَّ بُكَيْرًا) بصيغة التَّصغير، هو ابن عبد الله بن الأشج المدني، وسكن بصرة.
(حَدَّثَهُ) وفي رواية (أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ) بضم العين (ابْنِ قَتَادَةَ) الأوسي الأنصاري، المتوفى بالمدينة سنة عشرين ومئة (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ) بالتَّصغير، ابن الأسود (الْخَوْلاَنِيَّ) بفتح المعجمة وسكون الواو وبالنون، ربيب ميمونة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها.
(أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) رضي الله عنه
ج 3 ص 287
حال كونه، (يَقُولُ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) أي في عثمان رضي الله عنه، وذلك أنَّ بعضهم أنكروا عليه عند تغييره بناء المسجد، وجَعْلِه بالحجارة المنقوشة والقصَّة، ووقع بيان ذلك عند مسلم، حيث أخرجه من طريق محمود بن لبيد الأنصاري، وهو من صغار الصَّحابة، قال لمَّا أراد عثمان رضي الله عنه بناء المسجد، كَرِه الناس ذلك، وأحبوا أن يدَعوه على هيئته؛ أي في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وظهر بهذا أنَ قوله (حِينَ بَنَى) معناه حين أراد أن يبني، أن يجدِّد ويوسِّع ويشيِّد، إذ لم يَبْنِه إنشاءً [خ¦446] ، وقد ذُكِرَ في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه غيَّره، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بحجارة منقوشة والقصَّة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسَقَفه بالسَّاج.
وهذا يدلُّ على أنه غيَّر الكل، وزاد فيه، يعني في الطُّول والعرض، وبهذا يظهر ضعف ما قاله الحافظ العسقلاني من أنَّ المراد بالمسجد هنا بعض المسجد، من إطلاق الكلِّ على البعض.
(مَسْجِدَ الرَّسُولِ) كذا في رواية الأكثر، وفي رواية الكُشميهني والحموي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكان بناء عثمان المسجد النبوي سنة ثلاثين على المشهور، وقيل في آخر سنة من خلافته. ويمكن الجمع بين القولين بأنَّ الأول كان تاريخ ابتدائه، والثاني تاريخ انتهائه.
(إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ) أي الكلام في الإنكارِ على ما فعلته، فحذف في المفعول للعلم به (وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا) التنوين فيه للتَّنكير والشيوع، فيتناول الصَّغير والكبير، وقد وقع في رواية أنس عند التَّرمذي (( صغيرًا أو كبيرًا ) )، وزاد ابن أبي شيبة في حديث الباب من وجه آخر عن عثمان رضي الله عنه (( ولو كمفحصِ قَطَاة ) )، وعند ابن خُزيمة من حديث جابر رضي الله عنه (( كمفحصِ قَطَاة أو أصغر ) )، والمَفْحَص _ بفتح الميم والحاء _ كمقعد، هو المكان الذي تفحص القطاة عنه التراب؛ أي تكشفه، لتضع فيه بيضها، وترقد عليه، من الفحص بمعنى البحث والكشف، ولا ريبَ أنَّه لا يكفي للصَّلاة فيه، فقال أكثرُ العلماء أنَّه محمول على المبالغة؛ لأنَّ الشَّارع يضرب المثل في الشَّيء بما لا يكاد يقع، كقوله (( واسمعوا وأطيعوا، ولو عبدًا حبشيًّا ) ). وقد ثبت أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( الأئمة من قريش ) )، ويؤيِّده رواية جابر (( أو أصغر ) ).
وقال آخرون هو على ظاهره، بأن يزيد في المسجد قدرًا يحتاج إليه، تكون تلك الزِّيارة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصَّة كلِّ واحدٍ منهم ذلك القدر.
وهذا كله بناء
ج 3 ص 288
على أنَّ المراد بالمسجد ما يتبادر إليه الذِّهن، وهو المكان الَّذي يتَّخذ للصَّلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد موضع السُّجود، وهو ما يسع الجبهة، فلا يحتاج إلى شيءٍ ممَّا ذكر، لكن قوله (( بنى ) )يشعر بوجود بناء على الحقيقة، يشتمل على المسجد المعهود بين الناس.
ويؤيِّد ذلك حديث أم حبيبة رضي الله عنها (( من بنى لله بيتًا ) )، أخرجه سمويه في (( فوائده ) )بإسناد حسن. وكذا حديث عمر رضي الله عنه (( من بنى مسجدًا يذكر فيه اسم الله ) )، أخرجه ابن ماجه وابن حبَّان.
وأخرج النسائي نحوه من حديث عَمرو بن عَبسة، وكلُّ ذلك مشعر بأن المراد بالمسجد هو المكان المتَّخذ، لا موضع السُّجود فقط، لكن لا يمتنعُ إرادة موضع السجود مجازًا، إذ بناء كل شيء بحسبه، فيدخل فيه المواضع المحوطة إلى جهة القبلة وفيها هيئة المحراب في طرقات المسافرين، والحال أنَّها ليست كالمساجد المبنيَّة بالجدران والسُّقوف، وربما يجعل منها موضع في غاية الصِّغر، وبعضها لا يكون أكبر من قدر موضع السُّجود.
ويدلُّ عليه حديث أبي قِرْصَافَة، واسمه جَنْدَرة بن خَيْشَنة، عند الطَّبراني في (( الكبير ) ) (( أنَّه سمع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( ابنوا المساجد، وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى ... ) )الحديثَ، وزاد فيه (( قال رجلٌ يا رسول الله، وهذه المساجد التي تبنى في الطَّريق؟ قال نعم، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين ) ).
(قَالَ بُكَيْرٌ) المذكور في الإسناد (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي شيخه عاصم بن عمر بن قتادة (قَالَ) في روايته (يَبْتَغِي بِهِ) أي ببناء المسجد (وَجْهَ اللَّهِ) أي ذاته عزَّ وجلَّ، طلبًا لمرضاتهِ، لا رياء ولا سمعة، حتى قال ابن الجوزي من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص. انتهى.
ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص لعدم الإخلاص، ولكنه يؤجر في الجملة، يدلُّ عليه ما رواه أصحاب السنن وابن خزيمة والحاكم، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ الله تعالى يُدخل بالسَّهم الواحد ثلاثةً الجنَّة صانعَه المحتسب في صنعتهِ، والرَّامي به، والمُمِدّ به ) )، فقوله (( المحتسب في صنعته ) )هو من يقصد بذلك إعانة المجاهد، وهو أعم من أن يكون متطوِّعًا بذلك أو بأجرة، لكن الإخلاص لا يكون إلَّا من المتطوِّع، وهل يحصل الثواب الموعود لمن جعل بقعةً من الأرض مسجدًا، بأن يكتفي بتحويطها من غير بناء؟ وكذا من عمد إلى بناء كان يملكه، فوقفه مسجدًا؟.
إن وقفنا مع ظاهر
ج 3 ص 289
اللفظ فلا، وإن نظرنا إلى المعنى فنعم، ثم إن قوله (( بنى ) )حقيقة في المباشرة بنفسه، لكن المعنى يقتضي دخول الآمر بذلك أيضًا، وهو المنطبق على استدلال عثمان رضي الله عنه؛ لأنَّه استدلَّ بهذا الحديث على ما وقع منه، ومن المعلوم أنَّه لم يباشر ذلك بنفسه.
فإن قيل يلزم من ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو وإن كان جائزًا عند الشَّافعي، لكنه لا يجوز عندنا.
فالجواب أنَّه محمول على عموم المجاز، وهو أن يحمل الكلام على معنى مجازي، يتناول الحقيقة، ولا نزاع في جواز استعمال اللَّفظ في معنى مجازي، يكون المعنى الحقيقي من أفراده، كمن أوصى لأبناء زيد مثلًا، وله أبناء وأبناء أبناء، يستحقُّ الجميع عند أبي يوسف ومحمد، عملًا بعموم المجاز، حيث أطلق الأبناء على الفريقين.
ثم إن هذه الجملة أعني قوله (( يبتغي به وجه الله ) )لم يجزم بها بُكير، بل ذكرها بالحسبان، وليست هذه الجملة في رواية جميع من روى هذا الحديث، فإنَّ لفظهم فيه (( من بنى لله مسجدًا ) )، فكأن بكيرًا نسي لفظة (( لله ) )، فذكرها بالمعنى، فإن معنى قوله (( لله ) )يبتغي به وجه الله، لاشتراكهما في المعنى المقصود، وهو الإخلاص.
(بَنَى اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (لَهُ) إسناد البناء إلى الله مجاز، وإبراز الفاعل فيه للتَّعظيم له، وللتَّلذذ للذاكر والسَّامع، على مقتضى قول الشاعر
~أعِدْ ذكرَ نُعمانَ لنَا إنَّ ذكرَهُ هوَ المسْكُ مَا كرَّرْتَه يتضَوَّع
وقال الحافظ العسقلاني أو لئلا تتنافر الضَّمائر، أو يتوهم عوده إلى باني المسجد.
وتعقَّبه محمود العيني بأنَّ التنافر إنما يكون إذا كانت الضَّمائر كثيرة، وأمَّا التَّوهم المذكور فمدفوعٌ بالقرينة الحاليَّة والمقاليَّة.
(مِثْلَهُ) أي بناء مثله، والمثل في اللَّغة الشبه، يقال هذا الشَّيء مثل هذا؛ أي شبهه. وقال الجوهري مثل كلمة تسوية، يقال هذا مِثله ومَثَله، كما يقال شِبْهه وشَبَهه، وعند أهل المعقول المماثلة بين الشيئين هو الاتحاد في النوع، كاتِّحاد زيد وعَمرو في الإنسانية، وإذا كان في الجنس يسمى مجانسة، كاتِّحاد الإنسان والفرس في الحيوانيَّة.
(فِي الْجَنَّةِ) وقد اختلفوا في المراد بالمثليَّة هاهنا، فقال قوم منهم ابن العربي يعني مثله في القدر والمساحة، ويَرُد هذا حديثَ عبدِ الله بن عَمرو (( بيتًا أوسع منه ) )، وكذلك في حديث أسماء وأبي أمامة على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وقال قوم مثله في الجودة والحصانة
ج 3 ص 290
وطول البقاء، وهذا ليس بشيءٍ على ما لا يخفى، مع أنَّه قد ورد في حديث واثلة عند أحمد (( بنى الله له بيتًا في الجنَّة أفضل منه ) ).
وقال صاحب (( المُفْهِم ) )هذه المثليَّة ليست على ظاهرها، وإنما يعني أنه يُبنى له بثوابه بيتًا أشرف وأعظم وأرفع، وقال ابن بطال المساجد بيوت الله، وقد أضافها الله تعالى إلى نفسه بقوله {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} [التوبة 18] ، وحسبُك بهذا شرفًا لها، وقد تفضَّل الله تعالى على بانيها بأن بنى له قصرًا في الجنة.
وقال النَّووي يحتمل قوله (( مثله ) )أمرين
أحدهما أن يكون معناه بنى الله له مثله في مسمَّى البيت، وأمَّا صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها، فإنها ممَّا لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ.
والثاني أنَّ معناه أنَّ فضله على بيوت الجنَّة كفضل المسجد على بيوت الدُّنيا.
وقال بعض شرَّاح الترمذي يحتمل أنه أراد أن ينبِّه بقوله (( مثله ) )على كثرة الانتفاع به، كما يكثر الانتفاع بالمسجد في الدنيا، من كونه ينفع المصلين، ويُكنُّهم من الحرِّ والبرد، ويكون في مكان يُحتاج إليه فيه، وغير ذلك.
وقال صاحب (( المفهم ) )وهذا البيت والله أعلم مثل بيت خديجة رضي الله عنها الذي بشِّرت به، وهو بيت في الجنَّة من قصب [خ¦3816] ، يريد من قصبِ الزمرُّد والياقوت.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الطَّبراني في (( الأوسط ) )والبيهقي في (( شعب الإيمان ) ) (( بنى الله له بيتًا في الجنَّة من درٍّ وياقوتٍ ) ).
فإن قيل قال الله تعالى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام 160] ، فما معنى التَّقييد بمثله؟
فالجواب عنه من وجوه
الأول ما قاله بعضهم أنَّه قاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل نزول هذه الآية، وهو بعيد، ولا يُعلم ذلك إلا بالتاريخ.
والثَّاني أنَّ المثليَّة بحسب الكمِّية، والزِّيادة بحسب الكيفيَّة، فكم من بيت خير من عشرة، بل من مئة.
والثالث أنَّ التقييد به لا ينفي الزيادة.
والرابع أنَّ المقصود من المثلية أنَّ جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره، مع أنَّ موضع شبرٍ في الجنة خير من الدُّنيا وما فيها، كما ثبت في (( الصحيح ) ).
ولمحمود العيني جوابٌ آخر تبجَّح به بأنه فتح له من الأنوار الإلهية، وهو أنَّ المجازاة بالمثل عدل منه تعالى، والزِّيادة عليه بحسب الكيفيَّة والكمِّية فضل منه عزَّ وجلَّ.
ثمَّ في الباب أحاديث أُخَر، رويت عن الصَّحابة رضي الله عنهم
منها ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من بنى لله مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا، بنى الله له بيتًا في الجنة ) )، وأخرجه أيضًا أبو نُعيم، ولفظه (( من بنى لله مسجدًا في الدنيا، يريد به وجه الله ) )الحديث، (( قالوا إذًا نكثر
ج 3 ص 291
يا رسول الله، قال الله أكثر )) ، وفي لفظٍ (( كلُّ بناء وَبَالٌ على صاحبه يوم القيامة، إلَّا مسجدًا، فإنَّ له به قصرًا في الجنة من لؤلؤ ) ).
ومنها ما أخرجه مسدد في (( مسنده الكبير ) )عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من بنى لله مسجدًا، بنى الله له بيتًا في الجنَّة، قلت يا رسول الله، وهذه المساجد التي في طريق مكَّة؟ قال وتلك ) ).
ومنها ما أخرجه الطبراني في (( الأوسط ) )، والبيهقي في (( شعب الإيمان ) )، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( من بنى بيتًا يُعْبَد الله فيه حلالًا، بنى الله له بيتًا في الجنة من الدرِّ والياقوت ) ).
ومنها ما أخرجه ابن خزيمة من حديث جابر رضي الله عنه (( من حفر ماء، لم يشرب منه كَبِد حي، من جنٍّ ولا إنس ولا طائر، إلا آجره الله يوم القيامة، ومن بنى مسجدًا كمفحصِ قَطَاة أو أصغر، بنى الله له بيتًا في الجنَّة ) ).
ومنها ما أخرجه أبو الفرج في كتاب (( العلل ) )، من حديث معاذ رضي الله عنه (( من بنى لله مسجدًا، بنى الله له بيتًا في الجنة، ومن علَّق فيه قنديلًا صلى عليه سبعون ألف ملك حتَّى يُطفأ هذا القنديل، ومن بسط فيه حصيرًا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى ينقطع ذلك الحصير، ومن أخرج منه قذاةً، كان له كِفْلان من الأجر ) ).
وفيه كلامٌ كثير، لكنه من أحاديث الفضائل، والله أعلم.