فهرس الكتاب

الصفحة 894 من 11127

552 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، وفي روايةٍ ورجالُ هذا الإسناد قد مرَّت غير مرَّة [خ¦193] [خ¦406] [خ¦420] [خ¦505] وغيرها، وقد أخرجَ متنه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائي أيضًا من طريق مالك.

وفي «الأوسط» للطَّبراني عن نَوْفَل بن معاويةَ عن أبيه

ج 3 ص 496

بلفظ (( لأن يُوتَر أحدُكم أهله وماله خيرٌ له من أن تفوتَه صلاة العصر ) ).

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاَةُ الْعَصْرِ) وفي رواية واختلفوا في المراد بفوات العصر، فقال ابنُ وهبٍ وغيره هو إنْ أخرجها عن وقتها المختار.

وقال الأَصيليُّ وسُحْنون هو أن تفوتَه بغروبِ الشَّمس، وقِيْل أن يُفوِّتَها إلى أن تصفرَّ الشَّمس، وقد وَرَد مفسَّرًا من رواية الأوزاعي في هذا الحديث قال وفواتها أن تدخل الشَّمس صفرةٌ.

قال في «شرح التَّقريب» كذا ذكر عياض وتبعهُ النَّوويُّ، وظاهر إيراد أبي داود في «سننه» أنَّه من كلام الأوزاعيِّ لا أنَّه من الحديث؛ لأنَّه رُوِيَ بإسنادٍ منفردٍ عن الحديث عن الأوزاعيِّ أنَّه قال وذلك أن ترى ما على الأرض من الشَّمس صفراء.

وفي «العلل» لابن أبي حاتم سألتُ أبي عن حديثٍ رواه الأوزاعيُّ، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا (( من فاتته صلاة العصر ) )وفواتها أنَّه يدخل الشَّمسَ اصفرارٌ فكأنَّما وُتِرَ أهله ومالهُ قال أبي التَّفسير مِن قول نافع. انتهى.

وروى سالمٌ عن أبيه أنَّه قال هذا فيمَنْ فاتته ناسيًا، وقال الدَّاوديُّ هو في العامد، وكأنَّه أظهرَ؛ لما في البخاريِّ «من ترك صلاة العصر حَبِطَ عمله» [خ¦553] ، وهذا ظاهر في العمد.

وقال المُهلَّب هو فواتها في الجماعة لِمَا يفوته من شهودِ الملائكة اللَّيلية والنَّهارية، ولو كان فواتها بغيبوبة أو اصفرار لبطلَ الاختصاصَ؛ لأنَّ ذهاب الوقت موجودٌ في كلِّ صلاة، واعَتِرضَ عليه بعينِ ما ادَّعاه؛ لأنَّ فواتَ الجماعة موجودٌ في كل صلاةٍ، واعترضَ عليه ابن المنيِّر أيضًا بأنَّ الفجر أيضًا شهود الملائكة اللَّيلية والنَّهارية فلا يُخْتَص العصر بذلك.

وقال ابن عبد البرَ يُحْتَمل أن يكونَ هذا الحديث خرجَ جوابًا لسائلٍ سألَ عن صلاة العصر فأُجيب بذلك، فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من الصَّلوات بها، فعلى هذا يكون حكم من فاته الصُّبح بطلوع الشَّمس، والعشاء بطلوع الفجر كذلك.

وتعقَّبه النَّووي بأنَّه إنَّما يُلْحق غير المَنْصوصِ بالمَنْصوصِ إذا عُرِفَت العلَّة واشتركا فيها قال والعلَّة في هذا الحكم لم تتحقَّق فلا يُلْحق غيرُ العَصر بها. انتهى.

وهذا لا يَدفعُ الاحتمال، وقد احتجَّ ابن عبد البَرِّ بما رواه ابنُ أبي شَيْبَة وغيره من طريق أبي قِلابَة عن أبي الدَّرداء مرفوعًا (( مَنْ تركَ صلاةً مكتوبةً

ج 3 ص 497

حتَّى تفوته )) الحديثَ.

ورُدَّ بأنَّ في إسناده انقطاعًا؛ لأنَّ أبا قِلابة لم يسمعْ من أبي الدَّرداء، وقد رواه أحمد من حديث أبي الدَّرداء بلفظه مَنْ تركَ العصر، فرجع حديث أبي الدَّرداء إلى تعيين العصر.

وروى ابن حِبَّان وغيره من حديث نَوْفل بن معاوية مرفوعًا (( من فاتته الصَّلاة فكأنَّما وُتِرَ أهله وماله ) ).

وأخرجه عبد الرَّزَّاق من وجه آخر عن نوفل بلفظ (( لأن يوترَ أحدُكم أهله وماله خيرٌ له مِنْ أن تفوته وقت صلاة ) )وهذا يشمل جميعَ الصَّلواتِ المكتوبة، لكنَّ المحفوظ من حديث نَوْفَل بلفظ (( من الصَّلوات صلاةٌ مْنَ فاتته فكأنَّما وُتِرَ أهله وماله ) ).

وأخرجه المؤلِّف في علامات النُّبوَّة [خ¦3602] ، ومسلم أيضًا والطَّبراني وغيرهم، وروى الطَّبراني من وجه آخر وزاد فيه عن الزُّهريِّ قلتُ لأبي بكر؛ يعني ابن عبد الرَّحمن وهو الذي حدَّثه به ما هذه الصَّلاة؟ قال العصر.

ورواه ابن أبي خيثمة من وجهٍ آخر فصرَّح بكونها العصر في نفس الخبر، والمحفوظ أنَّ كونها العصر من تفسير أبي بكر بن عبد الرَّحمن.

ورواه الطَّحاويُّ والبَيْهقيُّ من وجه آخر وفيه أن التَّفسير من قول ابن عمر رضي الله عنه، فالظَّاهر اختصاص العصر بذلك، وقِيْلَ خُصَّت بذلك تأكيدًا وحضًا على المُثَابرة عليها؛ لأنَّها تأتي في وقت اشتغالِ النَّاس، وقِيْل يُحْتَمل أنَّها خُصَّت بذلك؛ لأنها على الصَّحيح هي الصَّلاة الوسطى.

وقال ابن المُنيِّر والحقُّ أنَّ الله تعالى يَخصُّ ما شاء من الصَّلوات بما شاء من الفضيلة. انتهى.

وبوَّبَ التِّرمذيَّ على حديث الباب ما جاء في السَّهو عن وقت العصر، فحملَهُ على السَّاهي، وعلى هذا فالمراد بالحديث أنَّه يلحقه من الأسف عند مُعَاينة الثَّواب لمن صلَّى ما يلحق من ذهب منه أهله وماله.

وقد رُوِيَ معنى ذلك عن سالم؛ بن عبد الله بن عمر، ويُؤْخَذ منه التَّنبيه على أنَّ أسف العامد أشدُّ؛ لاجتماع فقد الثَّواب وحصول الإثم، قاله الحافظ العَسْقلانيُّ وقد طوى على غرة.

وقال محمود العَيْنيُّ لا تطابقَ بين ترجمته وبين الحديث، فإنَّ لفظ الحديث «الذي يفوته» وهو أعمُّ من أنْ يكون ساهيًا أو عامدًا، وتخصيصه بالسَّاهي لا وجهَ له، بل القرينة دالَّة على أنَّ المراد بهذا هو الوعيد في العامد دون السَّاهي.

(كَأَنَّمَا) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشميهنيِّ بالفاء، وإذا تضمَّن المبتدأ معنى الشَّرط جازَ في خبره الفاء وتركها (وُتِرَ) على البناء للمفعول؛ أي نقص أو سلب الذي تفوته العصر (أَهْلَهُ وَمَالَهُ) بالنَّصب على أنه مفعولٌ ثانٍ لقوله وُتِرَ. وقيل على نزع الخافض؛ أي وُتِرَ في أهله وماله، والمعنى ترك فردًا منهما ليس له أهل ولا مال،

ج 3 ص 498

ويُرْوَى برفع اللَّامين وهي رواية المستمليِّ، ووجهه أنَّه لا يضمر شيء في وتر، بل يقوم الأهل مقام الفاعل نيابة؛ أي انتزع منه أهل وماله، وقِيْل إنَّه بدل اشتمال أو بدل بعض.

وقالَ ابنُ الأثيرِ مَنْ ردَّ النَّقص إلى الرَّجلِ نصبهما، ومَنْ ردَّه إلى الأهل والمال رفعهما.

وقال القرطبيُّ يُروى بالنصب على أنَّ وُتِرَ بمعنى «سُلِبَ» ، وهو يتعدَّى إلى مفعولين، وبالرَّفع على أنه بمعنى «أُخِذَ» ، هذا والنَّصب هو الصَّحيح المشهور الذي عليه الجمهور، كما قاله النَّووي.

وقال القاضي عياض هو الَّذي ضبطه عن جماعة شيوخنا.

وقد تكلَّمَ العلماء في معنى هذا الحديث فقال الخطَّابيَّ معناه نُقِص هو أهله وماله وسُلِبَهُم فبقي بلا أهل ولا مال فليحذر من تفويتها كحذرهِ من ذهابِ أهله وماله.

وقال ابن عبد البَرِّ إنَّه كالذي يُصابُ بالأهل والمال إصابةً يطلب بها وَترًا _ بفتح الواو _؛ أي جناية يطلب ثأرها، فيجتمع عليه غمَّان غمُّ المصيبة، وغمُّ طَلبِ الثَّأر؛ إذ يجتمع عليه غمُّ الإثم وغمُّ فقد الثَّواب.

وقال الدَّاوديُّ يتوجَّه عليه من الاسترجاع ما يتوجَّه على مَنْ فقدَ أهله وماله فيتوجَّه عليه النَّدم والأسف لتفويته، وقد تقدَّم له معنىً آخر وهو أن يلحقَه من الأسف على ما فاته من الأسف مثل ما يلحق من ذهب أهله وماله، وظاهرُ الحديث التَّغليظ على من يفوته العصر، وأنَّ ذلك مُختصٌّ بها، وقد تقدَّم تحقيقه، ووقعَ في رواية المستمليِّ هنا زيادةٌ وهي يريدُ المؤلِّف نفسه ممَّا يدل على النَّصب المشهور في أهله وماله قوله تعالى < {يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد 35] > بنصبِ أعمالكم على أنه مفعول ثان، والأول كاف الخطاب فافهم، ثمَّ أشار إلى أنَّه قد يتعدَّى إلى مفعول واحد بقوله في روايته أيضًا وفي رواية وهو يؤيِّد رواية الرَّفع، وحقيقة الوَتْر كما قال الخليل هو الظُّلم في الدَّم، فعلى هذا فاستعماله في المال مجاز.

لكن قال الجَوْهَريُّ الموتور هو الذي قُتِلَ له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه وُتِرَ، وتقول أيضًا وَتَره حقَّه؛ أي نقصه، وقيل الموتور من أُخِذَ أهله وماله وهو ينظر وذلك أشد لغمِّه، وقِيْل معنى وُتِرَ أخذ أهله وماله فصار وترًا؛ أي فردًا.

ويؤيِّد الذي قبله رواية مسلم الكجِّي من طريق حمَّاد بن سَلَمة، عن أيُّوب، عن نافع فذكرَ نحو هذا الحديث، وزاد في آخره (( وهو قاعد ) ).

تنبيهٌ قال ابن عبد البَرِّ في هذا الحديث إشارةٌ إلى تحقير الدُّنيا، وأنَّ قليل العمل خير من كثيرٍ منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت