فهرس الكتاب

الصفحة 2200 من 11127

24 - (بسم الله الرحمن الرحيم [1] ) هكذا البسملة ثابتةٌ في الأصل، كما قاله الحافظ العسقلاني (كِتَابُ الزَّكَاةِ) وفي بعض الرِّواية . وسقط في بعضها لفظ واكتفى بقوله

(بابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ) أي فرضيَّتها فقد يُذكر الوجوب، ويُراد به الفرضية أو أراد بالوجوب الثُّبوت والتَّحقق، أو ذَكَرَ الوجوب باعتبار المقادير، فإنَّها ثبتت بأخبار الآحاد، وإن كان أصل الزَّكاة ثابتًا بدليلٍ قطعيٍّ أو إنَّما قال وجوب الزَّكاة، ولم يقل فرض الزكاة؛ لئلَّا يتبادر الذِّهن إلى معنى التَّقدير لكون التَّقدير غالبًا في باب الزَّكاة؛ لأنَّها جزءٌ مقدَّر من جميع أصناف الأموال النَّامية.

وفي رواية أبي ذرٍّ لم يقع لا باب ولا كتاب، وإنَّما ذكر كتاب الزكاة عُقيب كتاب الصَّلاة؛ لأنها ثالثة الإيمان وثانية الصَّلاة في الكتاب والسُّنة.

أمَّا الكتاب فقوله تعالى {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة 3] .

وأمَّا السُّنة فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( بُني الإسلام على خمسٍ .. ) )الحديث.

وهي في اللُّغة عبارةٌ عن النَّماء يقال زكى الزرع، إذا نمى، وقيل عن الطَّهارة قال الله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى 14] ؛ أي تطهَّر.

وشرعًا إيتاء جزء من النِّصاب الحولي إلى فقيرٍ غير هاشمي، وسمِّي بذلك؛ لأنَّ المال ينمو بها من حيث لا يدري وهي مطهرةٌ لمؤدِّيها من الذُّنوب، وقيل ينمو أجرها عند الله ويضاعف كما ورد (( ما نقص مال من صدقة ) )، وقد ورد (( إنَّ الله يربي الصَّدقة حتَّى تكون كالجبل ) ).

ثمَّ لها ركن وسبب وشرطٌ وحكم وحكمة؛ فركنها جعلها لله تعالى بالإخلاص، وسببها المال، وشرطها نوعان شرط السَّبب وشرط من يجب عليه، فالأوَّل ملك النِّصاب الحولي، والثَّاني العقل والبلوغ والحريَّة، وحُكمها سقوط الواجب في الدُّنيا وحصول الثَّواب في الآخرة، وحكمتها أكثر من أن تحصَى؛ منها التطهُّر من أدناس الذُّنوب ورذيلةِ البُخل، ومنها ارتفاع الدَّرجة والقربة، ومنها الإحسان إلى المحتاجين. ومنها استرقاق الأحرارِ، فإنَّ الإنسان عبيد الإحسان، ومنها أنَّها يتولَّد منها فضيلة الكرم، ويُستجلب بها البركة في المال، ويمدح المؤدِّي عند الله وعند الخلق.

والحاصل أنَّ هذا الحقَّ أثبته الشَّارع

ج 7 ص 1

لمصلحة الدَّافع والآخذ، أمَّا الدَّافع فلتطهيره وتضعيف أجره، وأمَّا الآخذ فلسدِّ خلَّته.

وقال ابن العربي قد تُطلق الزَّكاة على الصَّدقة الواجبة والمندوبة والنَّفقة والعفو والحق، وسمِّيت صدقة؛ لأنَّها دليلٌ لصدق صاحبها، وصحة إيمانه ظاهرًا وباطنًا، والله أعلم.

(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بالجر عطفًا على سابقه، وبالرَّفع مبتدأ حُذف خبره؛ أي دليلٌ على ما قلنا من الوجوب. وتعقَّبه العيني بأنَّ هذا ليس بشيء ولم يبيِّن وجهه.

( {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ) أي أقيموا الصَّلوات الخمس بمواقيتها وحدودها، وأدُّوا زكاة أموالكم المفروضة بحقِّها.

وأشار به إلى أنَّ فرضيَّة الزَّكاة بالقرآن؛ لأنَّ الله تعالى أمر بها بقوله وأتوا الزَّكاة، والأمر للوجوب.

قال ابنُ المنذر انعقد الإجماع على فرضيَّة الزَّكاة، وهي الركن الثَّالث، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( بُني الإسلام على خمسٍ ) )وفيه قال (( وإيتاء الزَّكاة ) ).

قال ابن بطَّال فمن أنكرَ واحدةً من هذه الخمس لا يتمُّ إسلامه، ألا ترى أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قال (( لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصَّلاة والزَّكاة ) ).

وقال ابنُ الأثير من منعها منكرًا وجوبها فقد كفر إلَّا أن يكون حديثَ عهدٍ بالإسلام ولم يَعْلمْ وجوبها.

وقال القشيريُّ من جحدَها كفر، وأجمع العلماءُ على أنَّ مانعها تُؤْخَذُ منه قهرًا، وإن نَصَب الحرب دونها قوتل كما فعل أبو بكر رضي الله عنه بأهل الرِّدَّة، ووافقه على ذلك جميع الصَّحابة رضي الله عنهم.

والمقصود من إيجاب الزَّكاة مواساة الفقراء، والمواساة لا تكون إلَّا في مال له بال وهو النِّصاب، ثمَّ جعلها الشَّارع في الأموال النَّامية من المعدنيَّات والنبات والحيوان.

أمَّا المعدني ففي جوهري الثَّمينة؛ أي الذَّهب والفضَّة، وأمَّا النباتي ففي القوت، وأمَّا الحيواني ففي النَّعم، ورتِّب مقدار الواجب بحسب المُؤْنَة والتَّعب، فأقلَّها تعبًا وهو الرِّكاز أكثرها واجبًا، وفيه الخمس ويليه النَّبات، فإن سقي بالسَّماء ونحوه ففيه العشر وإلَّا فنصفه، ويليه النَّقد وفيه ربع العشر ثمَّ الماشية.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حرب رضي الله عنه (فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في قصَّة أبي سفيان مع هرقل في حديثٍ طويل عنه قد مرَّ في أوَّل الكتاب [خ¦7] وفيه قال؛ أي هرقل لأبي سفيان ماذا يأمركم قال؛ أي أبو سفيان في جوابه يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم. الحديث.

ج 7 ص 2

(فَقَالَ يَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ) الَّتي هي أمُّ العبادات البدنيَّة (وَالزَّكَاةِ) الَّتي هي أمُّ العبادات الماليَّة (وَالصِّلَةِ) للأرحام، وكل ما أمر الله به أن يُوصل بالبرِّ والإكرام والمراعاة ولو بالسَّلام (وَالْعَفَافِ) أي الكفِّ عن المحارم وخوارم المروءة.

[1] قد بُدئ بعون الله تعالى في هذه القطعة السَّابعة يوم الأربعاء التَّاسع عشر من أيَّام جمادى الآخرة من شهور شنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف، يسَّر الله إتمامها وما يتلوها بمزيد لطفه وكرمه وتوفيقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت