فهرس الكتاب

الصفحة 3816 من 11127

2440 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو المعروف بابن راهويه، قال (أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) البصريُّ، سكن ناحية اليمن، يكنى أبا عبد الله، وأبوه هشام بن عبد الله الدَّستوائي، ودستواء من ناحية الأهواز، كان يبيع الثِّياب التي تُجلب منها، فنُسِب إليها مات سنة ثلاث وخمسين ومائة.

قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد

ج 11 ص 325

(أَبِي) هو هشام الدَّستوائي المذكور آنفًا (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) هو علي بن دُؤاد بضم المهملة الأولى (النَّاجِيِّ) بالنون وبالجيم وياء النسبة، وقد مرَّ في «الإجارة» [خ¦2276] .

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِذَا خَلَصَ) بفتح اللام (الْمُؤْمِنُونَ) أي إذا أسلموا ونجوا (مِنَ النَّارِ) والمراد بعض المؤمنين (حُبِسُوا) على صيغة المجهول؛ أي عوقوا (بِقَنْطَرَةٍ) قال ابن التِّين القنطرة كلُّ شيءٍ يُنصَب على عين أو وادٍ.

وقال الهرويُّ سُمِّي البناء قنطرةً لتكاثف بعض البناء على بعضٍ، وسمَّاها القرطبيُّ الصِّراط الثَّاني والأوَّل لأهل المحشر كلِّهم إلَّا من دخل الجنَّة بغير حسابٍ، أو يلتقطه عنقٌ من النَّار فإذا خلص من خلص من الأكبر ولا يخلص منه إلَّا المؤمنون حُبِسوا على صراطٍ خاصٍّ بهم، ولا يرجع إلى النَّار من هذا أحد، وهو معنى قوله «إذا خلص المؤمنون من النَّار» ؛ أي من الصِّراط المضروب على النَّار.

وقال مقاتل إذا قطعوا جسر جهنَّم حُبِسوا على قنطرةٍ بين الجنَّة والنَّار، فإذا هُذِّبوا قال لهم رضوان سلامٌ عليكم طبتُم فادخلوها خالدين (بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) أي بقنطرةٍ كائنةٍ بين الجنَّة والصِّراط الذي على متن النَّار، ولهذا سُمِّي بالصِّراط.

وقال الحافظ العسقلانيُّ والذي يظهر أنَّها طرف الصِّراط ممَّا يلي الجنَّة، ويحتمل أن يكون من غيره بين الصِّراط والجنَّة، انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الحديث يصرِّح بأنَّ تلك القنطرة بين الجنَّة والنَّار، وهو يقول إنَّها طرف الصِّراط، وطرف الصِّراط من الصِّراط، وقوله «بين» ، يدلُّ على أنَّها قنطرةٌ مستقلةٌ غير متَّصلة بالصِّراط، وهذا هو المعنى قطعًا، وجعل هذا القائل هذا المعنى محتملًا.

وما غرَّه إلَّا حكاية ابن التِّين عن الدَّاودي أنَّ القنطرة هنا يحتمل أن تكون طرف الصِّراط، ثمَّ إنَّ الكرمانيَّ أيضًا تصرَّف هنا تصرفًا قريبًا من كلام الدَّاودي، حيث قال قوله قنطرة. فإن قلت هذا يشعر بأنَّ في القيامة جسرين هذا والآخر على متن جهنَّم المشهور بالصِّراط، قلت لا محذور فيه، ولئن ثبت بالدَّليل أنَّه واحدٌ فلا بدَّ من تأويله بأنَّ هذه القنطرة من تتمَّة الصِّراط وذنابته ونحو ذلك، انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ أيضًا بأنَّه لا حاجة إلى هذا السُّؤال

ج 11 ص 326

بقوله يشعر ... إلى آخره، فإنَّ الحديث ينادي بأعلى صوته أنَّ القنطرة المذكورة غير الصِّراط المشهور، وليست من تتمَّته.

وقوله ولئن ثبت بالدَّليل أنَّه واحدٌ، فيه أنَّه لم يثبت، فلا يحتاج إلى التَّأويل الذي ذكره، والله أعلم.

(فَيَتَقَاصُّونَ) بتشديد الصاد المهملة، من القصاص (مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا) يعني يتتبَّع بعضهم بعضًا فيما وقع بينهم من المظالم التي كانت بينهم في الدُّنيا من كلِّ نوعٍ من المظالم المتعلِّقة بالأبدان والأموال.

وقال ابن بطَّال المقاصَّة في هذا الحديث هي لقومٍ دون قوم، وهم قومٌ لا تستغرق مظالمهم جميع حسناتهم؛ لأنَّها لو استغرقت جميعها لكانوا من أهل النَّار، ولما جاز أن يُقال فيهم خلصوا من النَّار.

فمعنى الحديث _والله أعلم _ محمولٌ على من يكون لهم تبعاتٌ يسيرةٌ، على أنَّ التَّقاص تفاعل، والتَّفاعل [لا يكون أبدًا] إلَّا بين اثنين كالمفاعلة، فكأنَّ كلَّ واحدٍ منهم له على أخيه مظلمةٌ، ولم يكن في شيءٍ منها ما يستحقُّ عليه النَّار، فيتقاصُّون بالحسنات لا بالسَّيئات، فمن كانت عليه مظلمة أكثر من مظلمة أخيه أخذ من حسناته، فيدخلون الجنَّة ويقتطعون المنازل فيها على قدر ما بقي لكلِّ واحدٍ منهم من الحسنات، فلهذا يتقاصُّون بعد خلاصهم من النَّار؛ لأنَّ أحدًا لا يدخل الجنَّة وعليه لأحدٍ تبعة.

وقال المهلَّب هذه المقاصة إنَّما تكون في المظالم في الأبدان من اللَّطمة وشبهها ممَّا يمكن فيه أداء القصاص بحضور بدنه، فيُقال للمظلومِ إن شئت أن تنتصفَ، وإن شئت أن تعفو، وقال غيره لا قصاص في الآخرة في العرضِ والمال وغيره إلَّا بالحسنات والسَّيئات، فيزاد في حسنات المظلوم، وسيِّئات الظَّالم.

قيل وفيه نظرٌ؛ لأنَّ أبا الفضل ذكر في كتاب «الترغيب والترهيب» بسندٍ صالحٍ عن سعيد بن المسيَّب أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إذا فرغ الله من القضاء أقبل على البهائم حتَّى إنَّه يجعل للجمَّاء التي نطحتها القرناء قرنين فتنطحُ بهما الأخرى ) ).

ويُقال معنى يتقاصُّون يتتاركون؛ لأنَّه ليس موضع مقاصة ولا محاسبةٍ بل يُلقِي الله عزَّ وجلَّ في قلوبهم العفو لبعضهم عن بعضٍ، أو يعوِّض الله تعالى بعضهم من بعضٍ، والله تعالى أعلم.

(حَتَّى إِذَا نُقُّوا) بضم النون وتشديد القاف،

ج 11 ص 327

من التَّنقية، وهو إفراد الجيِّد من الرَّديء، ووقع للمستملي هنا بفتح المثناة الفوقية وتشديد الصاد المهملة؛ أي أكملوا القصاص.

(وَهُذِّبُوا) على صيغة المجهول، من التَّهذيب، وهو التَّخليص من الآثام بمقاصَّة بعضِهم ببعض (أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ) ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابرٍ رضي الله عنه الآتي ذكره في «التَّوحيد» (( لا يحلُّ لأحدٍ من أهل الجنَّة أن يدخلَ الجنَّة ولأحدٍ قبله مظلمة ) ) [خ¦6534] [1] .

(فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ) اللام المفتوحة فيه للتَّأكيد، و «أحدهم» مرفوعٌ على أنَّه مبتدأ وخبره، قوله (بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا) قال المهلَّب إنَّما كان أدلُّ لأنَّهم عرفوا مساكنهم بتعريضها عليهم بالغدوة والعشيِّ.

فإن قيل رُوِي عن عبد الله بن سَلاَمٍ أنَّ الملائكة تدلُّهم على طريق الجنَّة، فإذا كانوا أعرف فما معنى الدَّلالة؟

فالجواب أنَّ هذا فيمن لم يحبسْ على القنطرة، ويحتمل أن يكون في الجميع، فإذا وصلت بهم الملائكة كان كلُّ واحدٍ منهم أعرف بمنزله، وهذا معنى قوله تعالى {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد 6] .

قال أكثرُ أهل التَّفسير إذا دخل أهل الجنَّةِ الجنّةَ يقال لهم تفرَّقوا إلى منازلكم، فهم أعرف بها من أهل الجمعة إذا انصرفوا.

وقال البيضاويُّ أي بيَّنها لهم بحيث يعلم كلُّ أحدٍ منزله، ويهتدي إليه كأنَّه كان ساكنه مذ خُلِق، وقيل إنَّ هذا التَّعريف بدَلالة الملك الموكَّل بعمل العبد يمشي بين يديه، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، والحديث أخرجه المؤلِّف في «الرِّقاق» أيضًا [خ¦6535] .

(وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو أبو محمَّد المؤدِّب البغداديُّ (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) هو ابن عبد الرَّحمن النَّحوي يكنى أبا معاوية، سكن الكوفة، وأصله بصريٌّ وكان مؤدِّبًا لبني داود بن عليٍّ، مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة (عَنْ قَتَادَةَ) أنَّه قال (حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ) النَّاجي، وقد مرَّ عن قريبٍ، وهذا التَّعليق وصله ابنُ منده في كتاب «الإيمان» ، وأراد به المؤلِّف بيان سماع قتادة لهذا الحديث من أبي المتوكِّل بطريق التَّحديث.

[1] هذا معنى ما ورد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت