7081 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضمّ العين مصغَّرًا، هو ابنُ محمَّد بن يزيد مولى عثمان بن عفَّان الأمويّ، أبو ثابت القرشيّ المدنيّ الفقيه، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ) عمِّه (أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوفٍ رضي الله عنه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) أي ابن سعد.
(وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) سقط في رواية ابن عساكر لفظ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَتَكُونُ فِتَنٌ) بكسر الفاء وفتح الفوقيّة بصيغة الجمع، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي بالإفراد، والمراد هو الاختلاف الَّذي يكون بين أهل الإسلام بسبب افتراقهم على الإمام، ولا يكون المحقُّ فيه معلومًا؛ بخلاف زمان عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما.
(الْقَاعِدُ فِيهَا) أي في الفتن أو الفتنة عنها (خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي) يعني أنَّ شرَّها يكون بحسب التعلُّق بها. وزاد الإسماعيليّ والنَّائم فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظان فيها خيرٌ من القاعد، ولمسلمٍ (( اليقظان فيها خيرٌ من النَّائم ) )، وللبزَّار (( ستكون فتنٌ ثمَّ تكون فتن ) )بزيادة (( والمضطجع خيرٌ من القاعد فيها ) )، ولأبي داود (( المضطجع فيها خيرٌ من الجالس، والجالس خيرٌ من القائم ) ).
قال بعض الشُّراح ومعنى (( القاعد خيرٌ من القائم الَّذي لا يستشرفها ) )، والمراد بالماشي من يمشي في أسبابه لأمرٍ سواها، فربَّما يقع بسبب مشيه في أمرٍ يكرهه.
وقال الدَّاوديّ الظَّاهر أنَّه إنَّما أراد أن يكون فيها قاعدًا، وحكى ابن التِّين عنه أنَّ الظَّاهر أنَّ المراد من يكون مباشرًا لها في الأحوال كلِّها؛ يعني أنَّ بعضهم في ذلك أشدُّ من بعضٍ، فأعلاهم في ذلك السَّاعي فيها بحيث يكون سببًا لإثارتها، ثمَّ من يكون قائمًا بأسبابها وهو الماشي، ثمَّ من يكون مباشرًا لها وهو القائم، ثمَّ من يكون مع النَّظارة ولا يقاتل وهو القاعد، ثمَّ من يكون محسنًا لها ولا يُباشر ولا ينظر
ج 29 ص 407
وهو المضطجعُ اليقظان، ثمَّ من لا يقع منه شيءٌ من ذلك ولكنَّه راضٍ وهو النَّائم، والمراد بالأفضليَّة في هذه الخيريَّة من يكون أقلَّ شرًّا ممَّن فوقه على التَّفصيل المذكور.
وفي حديث أبي بكرة عند مسلمٍ زيادة (( ألا فإذا نزلَتْ فمن كانت له إبلٌ فليلحقْ بإبله ) ).
(مَنْ تَشَرَّفَ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة والمعجمة والرَّاء المشدَّدة، على وزن تفعَّل؛ أي تطلَّع (لَهَا) بأن يتصدَّى ويتعرَّض لها، ولا يُعرِض عنها، وضبط أيضًا من الإشراف (تَسْتَشْرِفْهُ) بالجزم؛ أي تهلكه، بأن يشرف منها على الهلاك، يقال أشرف المريض إذا أشفى على الموت، ويقال استشرفت الشَّيء علوته، وأشرفت عليه، يريد من انتصب لها انتصبته وصرعته، ومن أعرض عنها أعرضت عنه.
وحاصله أنَّ من اطَّلع فيها بشخصه قابلته بشرِّها، وقيل هو من المخاطرة والإشفاء على الهلاك؛ أي من خاطرَ فيها بنفسه أهلكته، ونحوه قول (( الفائق ) )من غالبها غلبته، قال الطِّيبيّ ولعلَّ هذا الوجه أولى لما يظهرُ من معنى اللَّام، وعليه كلام (( الفائق ) ).
وقال التُّوربشتيّ أي من تطلَّع لها دعته إلى الوقوعِ فيها، والتَّشرف التَّطلع، واستعيرَ هنا للإصابة بشرِّها، أو أريد به أنَّها تدعوه إلى زيادة النَّظر إليها.
(فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (مَلْجَأً) بفتح الميم والجيم بينهما لام ساكنة آخره همزة؛ أي موضعًا يلتجأ إليه من شرِّها (أَوْ مَعَاذًا) بفتح الميم وبالذَّال المعجمة، وهو موضع العَوْذ، وهو بمعنى الالتجاء أيضًا، وقال ابن التِّين رُويناه بضمّ الميم.
(فَلْيَعُذْ بِهِ) أي ليعتزل فيه؛ ليسلم من شرِّ الفتنة، وفي رواية سعد بن إبراهيم (( فليستعذ به ) )، ووقع تفسيره عند مسلمٍ في حديث أبي بكرةَ، ولفظه (( فإذا نزلت فمن كان له إبلٌ فليلحقْ بإبله ) )، وذكر الغنم والأرض، قال رجلٌ يا رسول الله، أرأيت من لم يكن له؟ قال (( يعمد إلى سيفهِ فيدق على حدِّه بحجر ثمَّ لينجُ إن استطاع ) ).
وفيه التَّحذير عن الفتنة والحثِّ على اجتناب الدُّخول فيها وأنَّ شرَّها يكون بحسب التَّعلق بها، والمراد بالفتنة ما ينشأُ عن الاختلاف في طلب المُلك حيث لا يعلم المحقُّ من المبطل.
قال الطَّبريّ اختلف السَّلف، فحمل بعضُهم ذلك على العموم ومنهم من قعد عن الدُّخول في القتال بين المسلمين كسعد وابن عمر ومحمَّد بن مسلمة وأبي بكرة في آخرين، وتمسَّكوا بالظَّواهر المذكورة وغيرها.
ثمَّ اختلف هؤلاء فقالت طائفةٌ بلزوم البيوت، وقالت طائفةٌ بل بالتَّحول عن بلد الفتن أصلًا، ثمَّ اختلفوا فمنهم من قال إذا هجم عليه شيءٌ من ذلك يكفُّ يده ولو قتل، ومنهم من قال يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله وهو معذورٌ إن قتل أو قتل، وقال آخرون إذا بغت طائفةٌ على الإمام فامتنعت من الواجب عليها ونصبت الحرب وجب قتالها، وكذلك لو حاربت طائفتان وجب على كلِّ قادرٍ الأخذ على يد المخطئ ونصر المصيب، وهذا قول الجمهور، وفصّل آخرون فقالوا كلُّ قتالٍ وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة، فالقتال حينئذٍ ممنوعٌ، وينزل الأحاديث الَّتي في هذا الباب وغيره على ذلك، وهو قول الأوزاعيّ.
وقال الطَّبريّ والصَّواب أن يقال إنَّ الفتنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجبٌ على من قدر عليه، فمن أعان المحقَّ أصاب، ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة الَّتي ورد النَّهي عن القتال فيها، وذهب آخرون إلى أنَّ الأحاديث وردت في حقِّ ناسٍ مخصوصين، وأنَّ النَّهي مخصوصٌ بمن خوطب بذلك، وقيل إنَّ أحاديث النَّهي مخصوصةٌ بآخر الزَّمان حيث يحصل التَّحقق أنَّ المقاتلة إنَّما هي في طلبِ المُلك، وقد وقعَ في حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه (( قلت يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال أيَّام الهرج، قلت ومتى؟ قال حين لا يأمن الرَّجل جليسه ) )ثمَّ إنَّ هذا الحديث أوردَهُ البخاريّ هنا من رواية سعد بن إبراهيم عن أبيه أبي سلمة، ولم يذكر لفظ رواية سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة.
وذكرها مسلمٌ من طريق أبي داود الطَّيالسيّ عن إبراهيم بن سعدٍ وفي أوَّله (( تكون فتنة النَّائم فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظان خيرٌ من القاعد ) ).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ،
ج 29 ص 408
وقد أخرجه مسلمٌ في (( الفتن ) )أيضًا.