فهرس الكتاب

الصفحة 8247 من 11127

1 - (بابُ سُنَّةِ الأُضْحِيَّةِ) من إضافة الصِّفة إلى الموصوف مثل جرد قطيفة؛ أي القطيفة الَّتي انجرد حملها أو حُلِقت، وكذا وقع في رواية أبي ذرٍّ والنَّسفي، وفي رواية غيرهما ، وفي رواية ابن عَساكر في نسخة (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (هِيَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ) أي قال عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما الأضحيَّة سُنَّة.

قوله (( ومعروف ) )هو اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما عُرِف من طاعة الله عزَّ وجلَّ، والتَّقرب إليه، والإحسان إلى النَّاس، وكل ما ندب إليه الشَّرع، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصِّفات الغالبة؛ أي أمر معروف بين النَّاس إذا رأوه لا ينكرونه.

واختلفوا فيها فقال سعيد بن المسيِّب وعطاء بن أبي رَباح وعَلقمة والأسود والشَّافعي وأبو ثور لا تجب فرضًا، لكنَّه مندوب إليه، مَنْ فَعَلَهُ كان مثابًا، ومن تخلَّف عنه لا يكون آثمًا، وروي ذلك عن أبي بكر وعُمر وأبي مسعود البدريِّ وبلال رضي الله عنهم، وفي وجه للشَّافعيَّة أنَّها من فروض الكفاية، وقال اللَّيث وربيعة لا نرى أن يتركَ

ج 24 ص 1

الموسر المالك لأمر الضَّحيَّة، وقال مالك لا يتركها، فإن تركها بئس ما صنع، إلَّا أن يكون له عذر، وحكي عن النَّخعي أنَّه قال الأضحى واجبٌ على أهل الأمصار ما خلا الحجاج، وقال ابنُ المنذر وقال محمد بن الحسن الأضحى واجبٌ على كلِّ مقيم في الأمصار إذا كان موسرًا، وقال أبو حنيفة وأبو يُوسف يجب على الحرِّ المقيم المسلم الموسر، وتخصيص ابن المُنذر بقول محمد وحده لا وجه له.

وتحريرُ مذهبنا ما قال صاحب «الهداية» الأضحيَّة واجبةٌ على كل حرٍّ مسلم مقيم مُوسر في يوم الأضحى عن نفسه، وعن ولده الصِّغار، أمَّا الوجوب فقول أبي حنيفة ومحمد وزُفر والحسن، وإحدى الرِّوايتين عن أبي يوسف، وعن أبي يوسف أنَّها سُنَّة، وذكر الطَّحاوي أنَّ على قول أبي حنيفة واجبة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد سنة مؤكَّدة.

وجه السُّنِّيَّة ما رواه الجماعة غير البُخاري عن سعيد بن المسيِّب عن أمِّ سلمة رضي الله عنها، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( من رأى هلال ذي الحجَّة منكُم، وأراد أن يُضحِّي، فليمسك عن شعره وأظفارهِ ) )والتَّعليق بالإرادة يُنافي الوجوب، وبهذا استدلَّ ابن الجوزي في التَّحقيق لمذهب أحمد.

ووجه الوجوب ما رواه ابنُ ماجه عن عبد الرَّحمن الأعرج عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَن كان له سعةٌ ولم يضحِّ فلا يقربنَّ مصلَّانا ) )وأخرجه الحاكم، وقال صحيحُ الإسناد، ومثل هذا الوعيد لا يلحقُ بترك غير الواجب.

وقيل [1] لكنَّه اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصَّواب، وكذا قال الطَّحاوي وغيره، ومع ذلك فليس صريحًا في الإيجاب، فافهم. وقد ذكر ابنُ حزم عن أبي حنيفة، أنَّه قال هي فرضٌ، وفي حديث مرفوع رواه مِخْنَف بن سُليم (( على أهل كلِّ بيتٍ أضحيَّة ) )أخرجه الأربعة بسندٍ قويٍّ. قيل ولا حجَّة فيه؛ لأنَّ الصِّيغة ليست صريحةً في الوجوب مُطلقًا.

وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( كُتِب عليَّ النَّحر، ولم يكتب عليكم ) )المروي عند أحمد وأبي يَعلى والطَّبراني والدَّارقطني، الدَّال على أنَّ الوجوب من الخصائص النَّبوية ضعيفٌ، وتساهل الحاكم فصحَّحه، نعم أخذ به بعض الحنابلة، فقال وتسنُّ التَّضحية لمسلم ولو مكاتبًا بإذن سيِّده، إلَّا النَّبي صلى الله عليه وسلم فكانت واجبة عليه.

وأثرُ ابن عمر رضي الله عنهما وصله حمَّاد بن سلمة في «مصنَّفه» بسندٍ جيِّدٍ إلى ابن عُمر رضي الله عنهما.

ج 24 ص 2

والتِّرمذي محسِّنًا من طريق جَبَلة بن سُحيم أنَّ رجلًا سأل ابن عُمر رضي الله عنهما عن الأضحيَّة أهي واجبةٌ؟ فقال ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده. قال التِّرمذي العملُ على هذا عند أهل العلم أنَّ الأضحيَّة ليست بواجبةٍ، وكأنَّه لهم من كون ابن عُمر رضي الله عنهما لم يقل في الجواب نعم، فإنَّ الفعل المجرَّد لا يدلُّ على الوجوب، وكأنَّه أشار بقوله (( والمسلمون ) )إلى أنَّها ليست من الخصائص، وكان ابن عُمر رضي الله عنهما حريصًا على اتِّباع أفعال النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك لم يصرَّح بعدم الوجوب.

[1] في هامش الأصل عسقلاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت