فهرس الكتاب

الصفحة 3008 من 11127

1921 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو الدَّستوائي، قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) أي ابن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) سبق في المواقيت من طريق سعيد عن قتادة [خ¦576] (( قال قلت لأنس ) )يعني أنَّ قتادة سأل أنسًا رضي الله عنه عن ذلك، ورواه أحمدُ أيضًا عن يزيد بن هارون عن همَّام، وفيه أنَّ أنسًا قال قلنا لزيد.

(عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ) قال أنس رضي الله عنه (قُلْتُ) لزيد بنِ ثابت رضي الله عنه (كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ) أي زيد بن ثابت رضي الله عنه (قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً) أي قدر قراءة خمسين آية. قال الحافظُ العسقلاني أي متوسِّطة لا طويلة ولا قصيرة ولا سريعة ولا بطيئة.

وقال العينيُّ هذا بطريق الحدس والتَّخمين، وهو أعمُّ من تقييدهِ بهذه القيود، وأيضًا السُّرعة والبُطء من صفات القارئ لا من صفات الآية.

هذا؛ وأنت خبير بأنَّه تعقُّب بما لا حاصل له، والظَّاهر ما قاله ذلك الحافظ؛ إذ الأصل في كلِّ شيءٍ هو الاعتدال كما لا يخفى.

ويجوز في قوله (( قدر ) )الرفع على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف تقديره هو قدر خمسين آية؛ يعني

ج 9 ص 257

أنَّ الزَّمان الذي بينهما هو ذلك القدر. ويجوز فيه النصب أيضًا على أنَّه خبر كان المقدَّر؛ أي كان الزَّمان بينهما ذلك القدر.

وهذا الحديث قد سبق في باب وقت الفجر [خ¦575] .

قال المهلَّب وغيره وفي الحديث تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدِّر الأوقات بالأعمال كقولهم قدر حلبِ شاةٍ، وقدر نحر جزور، فعدلَ زيدُ بن ثابت رضي الله عنه عن ذلك إلى التَّقدير بالقراءة إشارة إلى أنَّ ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتِّلاوة.

وقال ابنُ أبي جمرة فيه إشارة إلى أنَّ أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة. وفيه أيضًا تأخير السَّحور؛ لكونه أبلغ في المقصود.

وقال ابن أبي جمرة كان النَّبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما هو أرفق بأمَّته فيفعله؛ لأنَّه لو لم يتسحَّر لاتبعوه فشقَّ على بعضهم، ولو تسحَّر في جوف اللَّيل لشق أيضًا على بعضهم ممَّن يغلب عليه النَّوم فقد يفضي إلى ترك الصُّبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسَّهر.

وقال فيه أيضًا تقوية على الصِّيام لعموم الاحتياج إلى الطَّعام، فلو ترك لشقَّ على بعضهم، ولاسيَّما من كان صفراويًا فقد يغشى عليه فيفضي إلى الإفطار في رمضان. قال وفي الحديث تأنيس الفاضل أصحابه بالمواكلة. وفيه أيضًا الاجتماع على السَّحور.

وقال الحافظ العسقلاني وفيه جواز المشي باللَّيل للحاجة؛ لأنَّ زيد بن ثابت رضي الله عنه ما كان يبيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وتعقَّبه العيني بأنَّا لا نسلِّم نفي بيتوتته مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في تلك اللَّيلة التي تسحَّر فيها مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم من ذلك أن يبيتَ معه كلَّ ليلة.

وقال الحافظُ العسقلاني أيضًا وفيه حُسن الأدب في العبارة؛ لقوله تسحَّرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يقل نحن ورسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما يشعر لفظ المعيَّة بالتبعيَّة.

وتعقَّبه العيني أيضًا بأنَّ كلمة (( مع ) )موضوعة للمصاحبة، وإشعارها بالتبعيَّة ليس من موضوع الكلمة، ومعنى قوله تسحَّرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي في صحبته.

وفي قوله تسحَّرنا، دَلالة على أنَّه لم يكن وحده مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في تلك اللَّيلة.

هذا؛ وأنت خبير بأنَّ الحافظ العسقلاني لم يدِّع أنَّ ذلك الإشعار ممَّا وضع له اللَّفظ، بل مراده أنَّ مدخول مع الظَّاهر أنَّه متبوعٌ، والاستعمال شاهد له، فافهم.

ج 9 ص 258

قال القرطبيُّ الحديث يدلُّ على أنَّ الفراغ من السَّحور كان قبل الفجر بمقدار قراءةِ خمسين آية فهو معارض لحديث حذيفة رضي الله عنه هو النَّهار إلَّا أنَّ الشَّمس لم تطلع.

وأجاب عنه الحافظ العسقلاني بأنَّه لا معارضة، بل يحمل على اختلاف الحال، فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة.

وقال العينيُّ هذا الجواب لا يشفي العليل، ولا يروي الغليل، بل الجواب القاطع للشُّبهة ما ذكره الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي بقوله بعد أن روى حديث حذيفة رضي الله عنه وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما روي عن حذيفة رضي الله عنه، فذكر الأحاديث التي اتَّفق عليها الشَّيخان وغيرهما، منها قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يمنعنَّ أحدكم أذان بلال ) )الحديث. وقال أيضًا وقد يحتمل أن يكون حديث حذيفة رضي الله عنه والله أعلم قبل نزول قوله تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة 187] الآية. انتهى.

وأنت خبير بأنَّ هذا بعيد غاية البعد، بل لا وجه له أصلًا، فإنَّه كان الحال قبل نزول الآية غير هذا كما عرفت فيما قبل.

وقال أبو بكر الرَّازي ما ملخَّصه لا يثبت ذلك من حذيفة رضي الله عنه، ومع ذلك هو من أخبار الآحاد فلا يقاوم ذلك ما قال الله تعالى {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187] فأوجب الصِّيام بظهور الخيط الأبيض الذي هو بياضُ الفجر، فكيف يجوز التَّسحُّر الذي هو الأكلُ بعد هذا مع تحريم الله إيَّاه في القرآن؟! والله المستعان.

وقد تقدَّم الكلام على حديث الباب في المواقيت [خ¦575] ، وكونه من مسند زيد بنِ ثابت، أو من مسندِ أنس رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت