138 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن المديني (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار المكي لا البصري، أنه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (كُرَيْبٌ) بضم الكاف وفتح الراء وفي آخره باء مُوحدة، هو ابن أبي مسلم القرشي الهاشمي، مولى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، يكنى أبا رِشْدِين _ بكسر الراء وسكون الشين المعجمة وكسر الدال المهملة وفي آخره نون _، روى عن مولاه ابن عباس وغيره، وروى عنه ابناه محمد ورشدين وموسى بن عقبة وخَلْقٌ، مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين، وهو من أفراد الكتب الستة.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد كلهم من فرسان الكتب الستة إلا علي بن المديني، فإن مسلمًا وابن ماجه لم يُخرِّجا له وكلهم مَكِّيُّون ما خلا علي بن المديني، وفيه رواية التابعي عن التابعي عمرو وكريب، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الصلاة أيضًا [خ¦859] ، وأخرجه مسلم، والترمذي فيه أيضًا، وقال الترمذي حسن صحيح والنسائي، وابن ماجه في الطهارة.
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 2 ص 14
نَامَ) أي مضطجعًا (حَتَّى) أي إلى أن (نَفَخَ) بالخاء المعجمة؛ أي من خَيْشُومه وهو المُعبَّر عنه بالغَطِيط (ثُمَّ صَلَّى) فيه إيجاز؛ أي ثمَّ قام فصلى، وفي رواية سقط قوله (وَرُبَّمَا) أصله للتقليل، وقد يُستَعمل للتكثير وهاهنا يحتمل الأمرين (قَالَ) أي سفيان بن عيينة بدل قوله نام (اضْطَجَعَ) صلى الله عليه وسلم، والاضطجاع في اللغة وَضعُ الجَنْب على الأرض، لكن المراد به هنا النوم، فحينئذ بين قوله نام وبين قوله اضطجع مساواة.
(حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى) وزاد قوله وهو مراد في الرواية الأولى أيضًا على ما أشرنا إليه (ثُمَّ) أي قال علي بن المديني ثمَّ (حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ) بن عيينة (مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ) إشارة إلى أنه كان يُحدِّثهم به تارةً مختصرًا وأخرى مطولًا.
(عَنْ عَمْرٍو) أي ابن دينار (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عباس رضي الله عنهما (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنه (قَالَ بِتُّ) بكسر المُوحَّدة، من بات يَبيت بَياتًا وبَيْتُوتة (عِنْدَ خَالَتِي) أم المؤمنين (مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلالية، وأختها لُبابة _ بضم اللام وبالموحدتين _ زوجة العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، أم عبد الله والفضل وغيرهما رضي الله عنهم.
(لَيْلَةً) بالنصب على الظرفية (فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مبتدِئًَا (مِنَ اللَّيْلِ) أو في الليل، فعلى هذا يكون كلمة مِنَ بمعنى في هذا، على رواية الأكثرين، وأما على رواية ابن السكن بالنون من النوم وكلمة من للابتداء أو بمعنى في أيضًا، وفي رواية أخرى ، وقال القاضي عياض وآخرون إنَّ الصواب هو رواية ابن السَّكن لقوله بعده (فَلَمَّا كَانَ) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي حصل (فِي) وفي رواية بدل (بَعْضِ اللَّيْلِ) وقيل كلمة «في» زائدة كما في قوله تعالى {ارْكَبُوا فِيهَا} [هود 41] أي اركبوها (قَامَ النَّبِيُّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .
وقال الحافظ العسقلاني ولا ينبغي الجزم بخطئها؛ أي خطأ الرواية الأولى؛ لأن توجيهها ظاهر، وهو أن الفاء في قوله «فلما» تفصيلية فالجملة الثانية وإن كان مضمونها مضمون الأولى، لكن المغايرة بينهما بالإجمال والتفصيل،
ج 2 ص 15
واعترض عليه محمود العيني بأنه ليس في مضمون الجملة الأولى إجمال يُفَصِّله الجملة الثانية، فافهم.
(فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ) بفتح المعجمة وتشديد النون؛ أي من قِرْبَة خَلِقَة (مُعَلَّقٍ) بالجر صفة لقوله شن، على تأويل الشن بالجلد، وفي رواية بالتأنيث على تأويل الشن بالقربة (وُضُوءًا) نصب على المصدر (خَفِيفًا) صفته (يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو) أي ابن دينار (وَيُقَلِّلُهُ) وهذا إدراج من سفيان بن عُيينة بين ألفاظ ابن عباس رضي الله عنهما، والمعنى أن عمرو بن دينار كان يَصِفُ ذلك الوضوء بالتخفيف والتقليل، والفرق بينهما أن التخفيف يقابله التثقيل، وهو من باب الكيف، والتقليل يقابله التكثير، وهو من باب الكم؛ فيُريد بالتخفيف تمام غسل الأعضاء من غير إمرار اليد عليها والدلك، وبالتقليل الاقتصار على المرة الواحدة، وذلك أدنى ما تجوز به الصلاة، وليس المراد منه ترك الإسباغ كما توهم، وقد جاء في رواية أخرى في الوِتْر .
(وَقَامَ) أي قال ابن عباس رضي الله عنهما وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم (يُصَلِّي) وفي رواية (فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ) صلى الله عليه وسلم، ونحوًا منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي توضأ نحوًا وكلمة ما موصولة أو مصدرية، وقد ثبت في هذا الحديث كما سيأتي بعد أبواب «فقمت فصنعت مثل ما صنع» [خ¦183] [خ¦1198] [خ¦4570] [خ¦4571] [خ¦4572] ، فلا وجه لما قاله الكِرماني من أنه قال نحوًا، ولم يقل مثلًا؛ لأن حقيقة مماثلته صلى الله عليه وسلم لا يقدر عليها أحد، هذا ولا يلزم من إطلاق المماثلة المساواة من كل وجه (ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ) أي في جانب يساره فكلمة (عن) ظرفية كما في قول الشاعر
~وآسِ سراة الحَيِّ حَيْثُ لقيتَهُم وَلَا تَكُ عَن حَملِ الرِّباعةِ وانِيَا
والرِّباعة نجوم الحِمَالَة.
(وَرُبَّمَا) أي قال ابن عيينة (عَنْ شِمَالِهِ) بدل عن يساره، والشمال _ بكسر الشين _ هي الجارحة وهي خلاف اليمين، و_ بفتح الشين _ الريح التي تهب من ناحية القطب وهي خلاف الجنوب، وهو إدراج من ابن المديني (فَحَوَّلَنِي) صلى الله عليه وسلم.
(فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى) صلى الله عليه وسلم (مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِي فَآذَنَهُ) بالمد؛ أي أعلمه من الإيذان وهو الإعلام، وفي بعض النسخ بلفظ المضارع بدون الفاء، وفي بعضها .
ج 2 ص 16
(بِالصَّلاَةِ، فَقَامَ) أي المنادي (مَعَهُ) أي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يقال فقام النبي صلى الله عليه وسلم مع المُنَادي (إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) قال سفيان بن عيينة (قُلْنَا لِعَمْرٍو) أي ابن دينار (إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ) وهو حديث صحيح كما سيأتي من وجه آخر.
(قَالَ عَمْرٌو) المذكور (سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْر) بالتصغير فيهما، ابن قتادة الليثي المكي، وعُبيد هذا من كبار التابعين، وقيل إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاصُّ أهل مكة، مات قبل ابن عمر رضي الله عنهما، روى له الجماعة، وأبوه عُمير بن قتادة من الصحابة رضي الله عنهم.
(يَقُولُ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ) والرؤيا مصدرٌ كالرُجْعى يختص برؤيا المنام كما اختص الرأي بالقلب، والرؤية بالعين، وهذا حديث رواه مسلم مرفوعًا (ثُمَّ قَرَأَ {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي} ) بفتح الهمزة ( {أَذْبَحُكَ} [الصافات 102] ) ووجه الاستدلال بهذه الآية من جهة أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم صلى الله عليه وسلم الإقدام على ذبح ولده؛ لأنه حرام فلولا أنه أُبيح له في الرؤيا بالوحي لما ارتكب ذلك.
وقال الداودي قول عبيد بن عمير لا تَعلُّقَ له بهذا الباب، وهذا إلزام منه للبخاري بأن لا يذكر من الحديث إلا ما يتعلق بالترجمة فقط، ولم يشترط ذلك أحد، وإن أراد أنه لا يتعلق بحديث الباب أصلًا فمَنْعُه ظاهر، والله أعلم.
ومن فوائد هذا الحديث أن نومه صلى الله عليه وسلم مضطجعًا لا ينقض، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام فيقظة قَلبِهم تمنعهم من الحدث، فلو خرج حدث لأحسوا به بخلاف غيرهم من الناس، ولهذا قال عبيد بن عمير رؤيا الأنبياء وحي.
وقال الخطابي إنما منع النومُ قلبَ النبي صلى الله عليه وسلم ليَعِيَ الوحي إذا أوحي إليه في المنام، وهذا من خصائص الأنبياء عليهم السلام، فإن قُلْتَ قد رُوي أنه توضأ بعد النوم؟.
فالجواب أن يقال إن ذاك على اختلاف حاله في النوم فربما كان يعلم أنه استثقل نومًا احتاج منه إلى الوضوء، والله أعلم.
ومنها جواز مبيت من لم يحتلم عند مَحْرمه، ومنها جواز مبيته عند الرجل مع أهله، وقد روي أنها كانت حائضًا.
ومنها تواضعه صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من مكارم الأخلاق، ومنها صلة القرابة، ومنها فضل ابن عباس رضي الله عنهما.
ومنها الاقتداء بأفعاله صلى الله عليه وسلم،
ج 2 ص 17
ومنها جواز الإمامة في النافلة وصحة الجماعة فيها، ومنها جواز ائتمام واحد بواحد، ومنها جواز ائتمام صبي ببالغ، وعليه ترجم البيهقي في (( سننه ) )، ومنها أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وعن سعيد بن المسيَّب أن موقف الواحد مع الإمام عن يساره، وعن أحمد إنْ وقف عن يساره بطُلَت صلاته.
وقال ابن بطال وهو رد على أبي حنيفة رحمه الله في قوله إن الإمام إذا صلى مع رجل واحد أنه يقوم خلفه لا عن يمينه، وهو مخالف لفعل الشارع.
أقول قد جازف ابن بطال في كلامه، ليس هذا مذهب إمامنا الأعظم أبي حنيفة رحمه الله، قال صاحب (( الهداية ) )ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما فإنه صلى الله عليه وسلم صلَّى به وأقامَهُ عن يمينه، ولا يتأخر عن الإمام، وإن صلى خلفه أو في يساره جاز وهو مسيء؛ لأنه خِلافُ السُنَّة، هذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، فكيف يُشنِّع عليه ابن بطال مع إساءة الأدب، ومنها أن أقل الوضوء يجزئ إذا أُسْبِغَ وهو مرة مرة، ومنها تعليم الإمام للمأموم، ومنها جواز التعليم في الصلاة إذا كان من أَمرِها، ومنها إيذان الإمام بالصلاة، ومنها قيام الإمام مع المؤذن إذا آذنه، ومنها جواز الجمع بين النوافل والفرض بوضوء واحد ولا شك في جوازه، ومنها الاضطجاع على الجَنْبِ بعد التهجد.
ومنها قيام الليل وكان واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم ثمَّ نُسِخَ على الأصح، ومنها جواز المبيت عند العالِمِ ليُراقب أفعاله فيقتدي بها، ومنها طلب العلو في السند فإنه لم يكتف بإخبار خالته أم المؤمنين رضي الله عنها، ومنها أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتكلم، ومنها أن من الأدب أن يمشي الصغير والمفضول عن يمين الكبير والفاضل، ذَكَره الخَطَّابي.
ومنها أن النوم بعينه ليس بحَدَثٍ وإنما هو مَظِنَّة له، فإذا كان النائم على حال يأمن معه الحدث غالبًا كالنوم قاعدًا وهو متماسك لم يَنْتَقض وضوءه به، ومنها جواز فتل أُذُن الصغير للتنبيه على التعليم والإرشاد، ولم يذكر في الحديث المذكور في هذه الرواية كيفية التحويل.
وقد اختلفت فيه
ج 2 ص 18
روايات الصحيح، ففي بعضها ، وفي بعضها ، وفي بعضها ، وفي بعضها .
ومنها ما قال الداودي من أن النوم الخفيف لا يجب فيه الوضوء، وفيه نَظَرٌ فإنه صلى الله عليه وسلم اضطجع فنام حتى نفخ، وهذا لا يكون في الغالب خفيفًا، ومنها ما قيل إنَّ تَقدُّم المأموم على إمامه مبطل؛ لأن المنقول أن الإدارة كانت من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من قُدَّامه، كما حكاه القاضي عياض عن تفسير محمد بن أبي حاتم، وفيه نظرٌ؛ لأنه يجوز أن يكون أداره من خلفه لئلا يَمُرَ بين يديه فإنه مكروه.