فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 11127

139 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين وسكون المهملة، القَعْنَبيُّ شيخ أصحاب الأصول الخمسة، وقد مر في باب «من الدِّين الفِرَار من الفتن» ، [خ¦19] ، (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة، (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضم المهملة وسكون القاف وبالموحدة، ابن أبي عياش أبي محمد الأسدي المدني التابعي مولى الزبير بن العوام،

ج 2 ص 19

ويقال مولى أم خالد زوجة الزبير، روى عن كُريب وأم خالد الصحابية وغيرهما، وعنه مالك والسفيانان وغيرهم، وكان من المفتين الثقات، ومغازيه أصح المغازي كما قاله مالك وغيره، مات سنة إحدى وأربعين ومئة، وليس في الكتب الستة من اسمه موسى بن عقبة غيره.

(عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وقد مرَّ عن قريب [خ¦138] (عَنْ أُسَامَةَ) بضم الهمزة (بْنِ زَيْدٍ) ابن حارثة القضاعي الكلبي المدني، الحِبُّ بن الحِبّ، وكان نَقْشُ خَاتمه حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وابن حاضنته ومولاته أم أيمن واسمها بركة، وقيل كانت مولاة لأبيه عبد الله بن عبد المطلب.

واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقُبِضَ النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين، رُويَ له مئة حديث وثمانية وعشرون حديثًا، اتفقا منها على خمسة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين، نزل بوادي القُرَى ومات به بعد قتل عثمان سنة أربع وخمسين على الأصح وهو ابن خمس وخمسين سنة، وذَكَرَ اللهُ أباه زيدًا في القرآن باسمه، وليس في الصحابة من اسمه أسامة بن زيد غيره، وإن كان فيهم من اسمه أسامة، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي موسى عن كريب، وكلهم من رجال الكتب الستة إلا عبد الله بن مَسلمة؛ فإن ابن ماجه لم يُخرج له، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الحج [خ¦1667] ، وفي الطهارة من طرق أخرى أيضًا مسافة [خ¦181] ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي في الحج أيضًا.

(أَنَّهُ) ؛ أي ابن عباس رضي الله عنهما (سَمِعَهُ) ؛ أي أسامة بن زيد (يَقُولُ دَفَعَ) ؛ أي أفاض ورجع، يقال دفع السيل من الجبل إذا انصبَّ منه (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ) هي بفتح المهملة والراء على وزن فَعَلَة اسم الزمان، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، يقال هذا يوم عرفة غير مُنوَّن، ولا تدخلها الألف واللام.

فعلى هذا، معنى الحديث رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقوف عرفة بعرفات بتقدير المضاف، وقيل إن عرفة كعرفات اسم للمكان الذي يقف به الحاج يوم عرفة، فعلى هذا، معناه أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات كما قال الله تعالى {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة 198] وهي مفرد بلفظ

ج 2 ص 20

الجمع فلا يجمع. قال الفرَّاء لا واحد لها، وقول الناس نزلنا عرفة شَبيهٌ بِمُولَّد وليس بعربي محض، سُمِّيت به؛ لأن آدم عرف حواء بها، فإن الله تعالى أهبط آدم عليه السلام بالهند وحواء بجدة فتعارفا في الموقف، أو لأن جبريل عليه السلام عرَّف إبراهيم عليه السلام المناسك هناك، أو لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها، وقيل لأنها مكان مقدس معظم كأنه قد عُرِّفَ؛ أي طُيِّبَ.

(حَتَّى) ابتدائية؛ أي حرف يبتدأ بعدها الجملة سواء كانت اسمية أو فعلية (إِذَا كَانَ) صلى الله عليه وسلم (بِالشِّعْبِ) بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة، هو الطريق في الجبل والمراد به الشعب، والطريق المعهود للحجاج فاللام للعهد (نَزَلَ) صلى الله عليه وسلم من ناقته (فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ) بماء زمزم كما في رواية المسند بإسناد صحيح فيستفاد منه الرد على من منع استعمال ماء زمزم لغير الشرب.

(وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ) ؛ أي خففه، ويؤيده ما جاء في رواية مسلم «فتوضأ وضوءًا خفيفًا» وقيل معناه لم يكمله؛ يعني توضأ مرة مرة لكن بالإسباغ، وقيل معناه خَفَّفَ استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عاداته، وقيل المراد به الوضوء اللغوي؛ أي اقتصر على بعض الأعضاء، وهو بعيد، وأبعد منه ما قيل إنَّ المراد الاستنجاء كما قاله عيسى بن دينار وجماعة. ومما يُوهِنه رواية البخاري الآتية [خ¦181] في باب الرَّجُل يُوضِّئُ صاحبَه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا أفاض من عرفة عَدَلَ إلى الشَّعب فقضى حاجته، فقال أسامة فجعلت أصب عليه ويتوضأ» الحديث.

ولا يجوز أن يصب أسامة عليه إلا وضوء الصلاة؛ لأنه كان لا يَقرُبُ منه أحد وهو على حاجته، وأيضًا فقد قال أسامة عقيب ذلك «الصلاة يا رسول الله» ومحال أن يقول له الصلاة ولم يتوضأ وضوء الصلاة.

(فَقلتُ الصَّلاَةَ) بالنصب إما على الإغراء كما قال القاضي، أو على تقدير أتريد الصلاة، ويؤيده قوله في الرواية الآتية «فقلت أتصلي يا رسول الله؟» يعني أتريد الصلاة؟ ويجوز الرفع على تقدير حانت الصلاة أو حضرت.

(يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ) وفي رواية بدون الفاء؛ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصَّلاَةُ) بالرفع على أنه مبتدأٌ خَبَرُهُ قوله (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة؛ أي قُدَّامك، قال الخطَّابي يريد أن موضع هذه

ج 2 ص 21

الصلاة المزدلفة وهي أمامك، وقيل معناه وقت الصلاة أمامك، فعلى كُلٍّ تقديرٌ في الكلام حَذْفُ مضافٍ، أو ذكرُ الحال وإرادة المَحل.

(فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ) هي موضع مخصوص بين عرفات ومنى، وقيل سُمِّيت بها؛ لأن الحاجَّ يَزدلفون فيها إلى الله تعالى؛ أي يتقربون بالوقوف فيها إليه، وسُمي أيضًا جَمعًا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء عليهما السلام وازدلف إليها؛ أي دَنَا فلذلك سميت مزدلفة أيضًا، وعن قتادة لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، وقد جاء الازدلاف بمعنى التقرب، ومنه قوله تعالى {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الشعراء 90] ؛ أي قُرِّبَت وبمعنى الاجتماع، ومنه قوله تعالى {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ} [الشعراء 64] ؛ أي جمعناهم.

(نَزَلَ وَتَوَضَّأَ) بماء زمزم أيضًا (فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) فإن قيل لِمَ أسبَغ هذا الوضوء وخفَّفَ الأوَّل؟.

أجيب بأنه إنما لَمْ يُسبِغ الأول؛ لأنه لم يُرِد أن يصلي به، بل فعله ليكون مستصحبًا للطهارة في مسيره، قال أبو الزناد إنما لم يَسبِغْه ليذكر الله؛ لأنهم يكثرون منه عشية الدفع في عرفة، وقال غيره إنما فعله لإعجاله الدفع إلى المزدلفة فأراد أن يتوضأ وُضوءًا يرفع به الحدث؛ لأنه كان في عامة أحواله على طُهْر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقدِّم الطهارة إذا أوى إلى فِرَاشه ليكون مَبِيتُه على طهارة.

(ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ) في وقت العشاء قبل حَطِّ الرِّحال، وقد جاء مُصرَّحًا به في رواية أخرى في الصحيح، وعن مالك يبدأ بالصلاة قبل حط الرحال، وقال أشهب له أن يحط رحله قبل أن يصلي وبعد المغرب أحب إلي.

(ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ) منا (بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ) قيل كأنهم فعلوا ذلك خشية ما يحصل من التشويش بقيامها (ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ) بكسر العين وبالمد، والمراد به صلاة العشاء وهي التي وقتها من غروب الشفق إلى طلوع الفجر الصادق وهو في اللغة من صلاة المغرب إلى العَتَمَة [1] ، وقيل من الزوال إلى الطلوع.

(فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا) وفي الحديث تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس ببيان فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه دليل على أنه لا يجوز أن يصليها الحاج إذا أفاض من عرفة حتى يبلغها، وأن عليه أن يجمع بينها وبين العشاء في وقت العشاء على ما سَنَّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعله وبَيَّنَه بقوله، ولو أجزأته في غير المكان لما أخَّرها عن وقتها المُؤقَت لها في سائر الأيام، كذا قال الخطابي. فهو دليل لإمامنا الأعظم أبي حنيفة ومحمد بن الحسن فيما ذهبا إليه من وجوب تأخير صلاة المغرب إلى وقت العشاء، حتى لو صلى

ج 2 ص 22

المغرب في الطريق لم يَجْزُ، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر، وبه قال زُفَر وجماعة من الكوفيين.

وقال مالك لا يجوز أن يصليها قبلها إلا مَنْ به أو بدابته عُذرٌ فَلَهُ أنْ يُصلِّيها قبلها بشرط كونه بعد مَغيب الشفق، وقالت الشافعية لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات، أو في الطريق، أو في موضع آخر أو صلى كل صلاة في وقتها جاز جميع ذلك وإن خالف الأفضل، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال أيضًا الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث.

وفي الحديث أيضًا عدم وجوب الموالاة في الجمع بين الصلاتين فإنه وقع الفصل بينهما بإناخة كل إنسان بعيره في منزله، وفيه أيضًا الإقامة لكلٍّ من الصلاتين اللتين يُجَمع بينهما، وهو مذهب عبد الرحمن بن يزيد، والأسود، ومالك، والشافعي رحمهم الله.

وقال القاضي عياض وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما، وقال سعيد بن جبير والثوري وإمامنا الأعظم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله بأَذَانٍ واحد وإقامة واحدة لهما، وهو المروي عن جابر وعبد الله بن عمر وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهم.

وقال محمود العيني لم يذكر في الحديث الأذان، والصحيح عند الشافعية أنه يُؤذِّن للأُولى، وبه قال أحمد، وأبو ثور، وعبد الملك بن المَاجِشُون المالكي، وهو مذهب الطحاوي.

وعن الشافعي وأحمد أنه يصلي كُلَّ واحدةٍ بإقامة بِلا أذان، وهو محكيٌ عن القاسم بن محمد، وسالم، وعن كُلِّ واحد من مالك، والشافعي، وأحمد أنه يصلي بأذانين، وفيه المنع من التطوع بين صلاتي الجمع؛ لأنه يُخلُّ بالجمع ولو تطوع أو تشاغل بشيء أعاد الإقامة لوقوع الفصل كما نص عليه في (( الهداية ) )، ومذهب الشافعي أنه جائز في جمع التأخير ممتنع في جمع التقديم.

وفيه أيضًا تنبيه المفضول الفاضل إذا خاف عليه النسيان لما كان فيه من الشغل لقول أسامة «الصلاة يا رسول الله» ، وفيه أيضًا بيان اشتراك وقت المغرب والعشاء في الجمع خاصة، وكذا وقت الظهر والعصر في عرفة خاصة، وليس ذلك في غيرهما والأول هو جمع التأخير، والثاني جمع التقديم، والسبب في جمع التأخير بمزدلفة السفر عند الشافعية، ولهذا لا يَجمع المُزْدَلِفي عندهم، والنُّسُكُ عند الحنفية فيجمع المزدلفي أيضًا عندهم، وفيه أيضًا الدفع من عرفة إلى مزدلفة راكبًا وفيه غير ذلك.

[1] (( إلى العتمة ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت