ج 17 ص 424
بالاتِّفاق لإحدى عشرة ليلة خلتْ من شوال عند ابن عائذ. وقاله ابنُ إسحاق أيضًا، وعنه للنصف منه. وعند ابنِ سعد لسبع ليالٍ خلون منه على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من مهاجره، وعند البيهقيِّ عن مالك كانت بدر لسنة ونصف من الهجرة وأحد بعدها بسنة. وفي رواية «كانت على أحدٍ وثلاثين شهرًا» ، وفي رواية «على أَحدٍ وثلاثين شهرًا لم يكمل» .
وأُحُد بضم الهمزة والمهملة، جبل معروف من جبال المدينة بينه وبين المدينة أقل من فرسخ، وهو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم «يحبنا ونحبه» ، كما سيأتي في آخر بابٍ من هذه الغزوة [خ¦4083] .
سُمِّي أُحدًا لتوحُّده وانقطاعه عن جبال أُخَر هناك.
وقال السُّهيلي وفيه قبر هارون بن عمران عليه السلام وبه قبض، وكان هو وأخوه موسى عليهما السلام مرا به حاجين أو معتمرين.
وفي الآثار المسندة أنَّه يوم القيامة عند باب الجنة من داخلها، وفي بعضها إنَّه ركنٌ لبابها ذكره ابن سلَّام في «تفسيره» . وفي «المسند» من حديث أبي عيسى بن جبير مرفوعًا «أُحد جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه، وكان على باب الجنة» .
وقال السُّهيلي ويُقال لأُحد ذو عينين، وعينان تثنية عين جبلٌ بأحد، وهو الذي قام عليه إبليس عليه اللعنة يوم أُحد، وقال إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتِل، وبه أقام رسول الله صلى عليه وسلم الرُّماة يوم أُحد.
وقد ذكر هذه القصَّة موسى بن عقبة عن ابنِ شهاب الزُّهري وأبو الأسود عن عروة وابن إسحاق عن شيوخه.
وملخَّص ما ذكره موسى بن عُقبة في سياق القصَّة كلها أنَّه قال لما رَجَعَتْ قريشٌ استحلفوا من أطاعوا من العرب وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قَبْل أُحد، وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهدِ بدرٍ، وتمنَّعوا لقاء العدوِّ ورأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ الجمعة رُؤيا، فلمَّا أصبحَ قال «رأيتُ البارحةَ في مَنامي بقرًا تُذبح واللهُ خيرٌ، ورأيتُ سيفي ذا الفقارِ انقصمَ من عند ظُبَّته» . وفي رواية «وفي ذُباب سيفي ثلمًا، وإني مردفٌ كبشًا، ورأيتُ أني أدخلتُ يدي في درعٍ حصينةٍ، قالوا ما أوَّلتها قال أوَّلت
ج 17 ص 425
البقر بَقْرًا يكون فينا».
وفي رواية «فأمَّا البقر فناس من أصحابي يُقتلون، وأمَّا الثَّلم فرجل من أهل بيتي يُقتل، وأوَّلت الكبش كبشَ الكتيبة، وأوَّلت الدِّرع الحصينة المدينةَ فامكثوا فإن دخلَ القوم الأزقَّة قاتلناهُم ورُمُوا من فوق البيوت، فقال أولئك القوم يا نبيَّ الله كنَّا نتمنَّى هذا اليوم وأبى كثيرٌ من الناس إلَّا الخروج، فلمَّا صلى الجمعة وانصرفَ دعا باللأمَةِ فلبسها» .
ثمَّ أذن في الناس بالخروجِ فقدم ذو الرأي منهم فقالوا يا رسول الله! أمكثْ كما أمرتنا، فقال «ما ينبغِي لنبيٍّ إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجعَ حتى يقاتلَ» ، فخرج بهم وهم ألف رجلٍ، وكان المشركون ثلاثة آلاف حتى نزل بأُحد.
ورجعَ عنه عبدُ الله بن أُبي بن سلول في ثلاثمائة فبقي في سبعمائة، فلمَّا رجعَ عبد الله سُقِط في أيدي طائفتين من المؤمنين، وهما بنو حارثة وبنو سلِمة، وصفَّ المسلمون بالسَّبخة وتعبئوا للقتالِ، وعلى خيل المشركين وهي مئةُ فرسٍ خالد بن الوليد، وليس مع المسلمين فرس.
وصاحب لواءِ المشركين طَلحة بن عثمان، وأمَّرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جُبير على الرُّماة، وهو خمسون رجلًا وعَهِدَ إليهم أن لا يتركوا منازلهم.
وكان صاحب لواء المسلمين مُصعب بن عُمير، فبارزَ طلحة بن عثمان فقُتل وحمل المسلمون على المشركين حتى أجهزوهُم [1] عن أثقالهم، وحملت خيل المشركين فنضحَ الرُّماة بالنَّبل ثلاث مرات.
فدخلَ المسلمون عسكرَ المشركين فانتهبوا فرأى الرُّماة ذلك فتركوا مكانهم ودخلوا العسكرَ، فأبصرَ ذلك خالد ومن معه فحملوا على المسلمين في الخيلِ فمزَّقوهم وصرخَ صارخ قُتِلَ محمَّد أخراكم، فعطف المسلمون يقتل بعضُهم بعضًا وهم لا يشعرون، وانهزمَ طائفة منهم إلى جهة المدينة وتفرَّق سائرهم ووقع فيهم القتل، وثبتَ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم حين انكشفوا عنه وهو يدعوهُم في أُخْرَاهم حتى يرجعَ إليه بعضهم وهو عند المِهْراس في الشِّعب.
وتوجه النَّبي صلى الله عليه وسلم يلتمسُ أصحابه فاستقبلَه المشركون فرموا
ج 17 ص 426
وجهه فأدمَوه وكسروا رَباعيته، فمرَّ مُصعِدًا في الشِّعب ومعه طلحة والزُّبير، وقيل معه طائفة من الأنصار منهم سهلُ بن بيضاء والحارث بن الصَّمة، وشغل المشركون بقتلى المسلمين يمثِّلون بهم يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون، وهم يظنُّون أنهم أصابوا النَّبي صلى الله عليه وسلم وأشراف أصحابهِ.
فقال أبو سفيان يفتخرُ بآلهته أُعْلُ [2] هبل فناداه عمر رضي الله عنه الله أعلى وأجل، ورجع المشركون إلى أثقالهم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه «إن ركبوا وجعلوا الأثقالَ تتبعُ آثارَ الخيلِ فهم يريدون البيوت، وإن ركبُوا الأثقالَ وتجنَّبوا الخيلَ فهم يريدون الرُّجوع» فتبعهم سعدُ بن أبي وقاص رضي الله عنه، ثم رجعَ فقال رأيتُ الخيل مجنوبة فطابت أنفس المسلمين، ورجعوا إلى قتلاهم فدفنوهم في ثيابهم، ولم يغسِّلوهم ولم يُصلُّوا عليهم، وبكى المسلمون على قتلاهم فَسُرَّ المنافقون، وظهر غِشُّ اليهود وفارت المدينة بالنِّفاق، فقالت اليهود لو كان نبيًا ما ظهروا عليه، وقال المنافقون [لو أطاعونا] [3] ما أصابهم هذا.
تنبيه قال العلماء وكان في قصة أُحد وما أصيب بها المسلمون فيها من الفوائد والحكم الرَّبانية أشياء عظيمة
منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النَّهي لما وقع من ترك الرُّماة موقفهم الذي أمرهُم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يبرحوا منها.
ومنها أنَّ عادةَ الرسل عليهم السلام أن يُبتلوا وتكون لهم العاقبة، كما تقدَّم في قصَّة هرقل مع أبي سفيان [خ¦7] .
والحكمةُ في ذلك أن لو انتصروا دائمًا دخل في المؤمنين مَنْ ليس منهم، ولم يتميَّز الصَّادق من غيره، ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضتِ الحكمة الجمع بين الأمرين؛ ليتميَّز الصَّادق من الكاذب.
وذلك أنَّ نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين، فلمَّا جرت هذه القصَّة وأظهر أهل النِّفاق ما أضمروه من الفعل والقول عاد التَّلويح تصريحًا،
ج 17 ص 427
وعرف المسلمون أنَّ لهم عدوًا في دُورهم، فاستعدوا لهم وتحرَّزوا منهم.
ومنها أنَّ الله تعالى هيَّأ لعبادهِ المؤمنين منازلَ في دارِ كرامتهِ لا تبلغها أعمالهم فقيَّض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها.
ومنها أنَّ الشَّهادة من أعلى مراتبِ الأولياء، فساقها إليهم.
ومنها أنَّه أرادَ إهلاكَ أعدائهِ فقيَّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها من كُفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه فمحَّص ذنوب المؤمنين، ومحقَ بذلك الكافرين كما قال تعالى {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران 141] .
ومنها أنَّ في تأخير النَّصر في بعض المواطن هضمًا للنَّفس وكسرًا لشماختها، فلمَّا ابتليَ المؤمنون صبروا وجزعَ المنافقون، والله تعالى أعلم.
ثمَّ إنَّ البخاري رحمه الله ذكر آيات من آل عمران في هذا الباب وما بعده، كلها تتعلَّق بغزوة أُحد.
وقد قال ابنُ إسحاق أنزلَ الله تعالى في شأن أُحد ستين آية من آل عمران. وروى ابنُ أبي حاتم من طريق المسور بن مَخْرمة قال قلتُ لعبد الرَّحمن بن عوف أخبرني عن قصتكم يوم أُحد؟ قال اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} إلى قوله تعالى {أَمَنَةً نُعَاسًا} [آل عمران 121 - 154] .
(وَقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ) بالجر أو بالرفع عطفًا على ما قبله ( {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} إِلَى قَوْلِهِ {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ) قال الله تعالى {وَإِذْ غَدَوْتَ} ؛ أي اذكر يا محمد حين غدوت؛ أي خرجت أول النهار، {مِنْ أَهْلِكَ} أي من حجرة عائشة رضي الله عنها.
واختلف في هذا اليوم الذي عنى الله به، فعند الجمهور المراد به يوم أُحد قاله ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وقتادة والسُّدي وغير واحد، وعن الحسن البصري المراد بذلك يوم الأحزاب، رواه ابن جرير، وهو غريبٌ لا يعوَّل عليه، وقيل يوم بدر وهو أيضًا لا يعوَّل عليه، وكانت وقعة أحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة، وقال قتادة لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال،
ج 17 ص 428
وقال عكرمة يوم السبت النصف من شوال.
وقال ابن إسحاق وكانت إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه من غزوة نجران من الفرع جمادى الآخرة ورجبًا وشعبان ورمضان، وغزته قريش غزوة أحد في شوال سنة ثلاث. وقال البلاذُري لتسع خلون من شوال. وقال مالك كانت الوقعة أوَّل النَّهار، وهي التي أنزلَ الله فيها {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ} الآيات، {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ} أي تُنزلهم {مَقَاعِدَ} أي منازل ومواقف وأماكن ميمنة وميسرة.
قال الزَّمخشري أي مواطن ومواقف، وأصل تبوِّئ من المباءة وهي المرجع، والمقاعد جمع مقعد وهو مكان القعود، وقد يُستعملُ المقعد والمقام بمعنى المكان على الاتِّساع، كقوله {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} [القمر 55] ، وقوله {قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} [النمل 39] ، وقيل في تفسير قوله {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ} تسوِّي وتهيئ لهم على الحذف والإيصال، ويؤيده القراءة باللام.
وروى الطَّبري من طريق سعيد عن قتادة قال غدا نبي الله من أهله يوم أحد يُبوِّئ المؤمنين مقاعد. ومن طريق مجاهد والسُّدِّي وغيرهما نحوه، ومن طريق الحسن أنَّ ذلك كان يوم الأحزاب ووهَّاه.
{لِلْقِتَالِ} أي لأجل القتال مع المشركين من قريش وغيرهم، وكانوا قريبًا من ثلاثة آلاف ونزلوا قريبًا من أُحد تلقاء المدينة، وكان قائدهم أبا سفيان ومعه زوجته هند بنت عُتبة بن ربيعة، وكان خالد بن الوليد على ميمنة خيلهم وعكرمة بن أبي جهل على ميسرتهم.
وقال ابنُ سعد وجعلوا على الخيلِ صفوان بن أميَّة، وقيل عَمرو بن العاص وعلى الرُّماة عبد الله بن أبي ربيعة، وكانوا مئة وفيهم سبعمائة دارع والظّعن خمسة عشر. وقال ابنُ هشام لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يوم أُحد استعمل على المدينة ابنَ أمِّ مكتوم على الصَّلاة بالناس.
وقال موسى بنُ عقبة كانوا ألفَ رجل، فلمَّا نزل صلى الله عليه وسلم بأُحدٍ رجع عنه عبد الله بن أُبي ابن سلول في ثلاثمائة، فبقيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 17 ص 429
في سبعمائة. قال البيهقيُّ هذا هو المشهور عند أهل المغازي.
قال والمشهور عن الزُّهري أنَّهم بقوا في أربعمائة مُقاتل، ولم يكن معهم فرسٌ واحدٌ، وكان مع المشركين مائة فرس. وقال الواقديُّ وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسان فرسٌ له صلى الله عليه وسلم وفرس لأبي بردة.
وأمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرُّماة عبد الله بن جُبير أخا بني عَمرو بن عوف، وهم خمسون رجلًا، وقال لا يقاتلنَّ أحد حتى نأمره بالقتال، ثمَّ جرى ما ذكره أهل «السير» ، وسنورده إن شاء الله تعالى مفصَّلًا في آخر الباب [خ¦4043] .
{وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لأقوالكم {عَلِيمٌ} [آل عمران 121] بضمائركم ونياتكم.
(وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ) بالجر والرفع أيضًا ( {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا} إِلَى قَوْلِهِ {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} ) قال الله تعالى {وَلَا تَهِنُوا} عطف على مقدَّر؛ أي جاهدوا في طاعة ربكم ولا تهنوا؛ أي لا تضعفوا بسبب ما جرى عن الجهاد.
وهذا تسليةٌ من الله لرسوله وللمؤمنين عمَّا أصابهم يوم أُحد، وأصل {لا تهنوا} لا توهنوا، حذفت الواو طردًا للباب؛ لأنه حذفت في يهن أصله يوهن لوقوع الواو بين الياء والكسرة، والوهن الضَّعف، يقال وَهَن يَهِن بالكسر في المضارع، ويستعمل وهن لازمًا ومتعديًا، قال تعالى {وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} [مريم 4] .
وفي الحديث «وهنتهم حمَّى يثرب» [خ¦1602] . وقال الفراء يُقال وَهَنه الله وأَوْهَنه، زاد غيرُه ووَهَنه.
{وَلَا تَحْزَنُوا} أي على ظهورِ أعدائكم وما فاتكُم من الغنيمة، وكان قد قُتِل يومئذٍ خمسة من المهاجرين وهم حمزة، ومصعب بن عُمير صاحب راية النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن جحش ابن عمِّة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعثمان بن شمَّاس، وسعد مولى عتبة، ومن الأنصار سبعون رجلًا.
{وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} وهو جمعُ الأعلى؛ أي بالحجَّة في الدُّنيا والآخرة ولكم الغلبة فيما بعد.
يعني والله تعالى أعلم والحال أنَّكم أعلى منهم شأنًا فإنَّكم على الحقِّ وقتالُكم لله وقتلاكُم في الجنَّة، وإنهم على الباطلِ وقتالهم للشَّيطان
ج 17 ص 430
وقتلاهم في النَّار، أو لأنَّكم أصبتُم يوم بدر أكثر ممَّا أصابوا منكم اليوم، أو أنتم الأعلون في العاقبة فتكون بشارة لهم بالنَّصرة والغلبة.
{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} متعلِّق بالنَّهي؛ أي لا تهنوا إن صحَّ إيمانكم، فإنَّه يقتضِي قوة القلب بالوثوقِ على الله. أو بالأعلون، ويقال قوله {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} محذوف الجواب تقديره فلا تهنوا ولا تحزنوا، كما هو مذهب البصريين، فافهم. وقيل معنى قوله {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} إن دمتُم على الإيمان في المستقبل.
وأخرج الطَّبري من طريق مجاهد في قوله {ولا تهنوا} ؛ أي لا تضعفوا، ومن طريق الزُّهري، قال كثر في أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم القتل والجراح حتى خلصَ إلى كلِّ امرئٍ منهم نصيبٌ، فاشتدَّ حزنهم فعزاهم الله أحسنَ تعزية.
ومن طريق قتادة نحوه قال فعزاهم وحثَّهم على قتالِ عدوِّهم ونهاهُم عن العجز. ومن طريق ابنِ جُريج قال في قوله {وَلَا تَهِنُوا} في أمر أنفسكم فأنتم الأعلون.
قال والسَّبب فيها أنهم لما تفرَّقوا ثمَّ تراجعوا إلى الشِّعب، قالوا ما فعل فلان ما فعل فلان؟ فنعى بعضُهم بعضًا، وتحدَّثوا بينهم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قُتِل، وكانوا في همٍّ وحزنٍ، فبينا هم كذلك، إذ علا خالد بن الوليد بخيل المشركين فوقهم فثابَ نفرٌ من المسلمين رماةٌ، فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله.
وعلا المسلمون الجبل فالتقوا بالنَّبي صلى الله عليه وسلم، ومن طريق العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال أقبل خالدُ بن الوليد يريد أن يعلوَ الجبل عليهم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم «اللَّهمَّ لا يعلون علينا» ، فأنزل الله تعالى {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} .
{إِنْ يَمْسَسْكُمْ} من المسِّ، وهو الإصابة {قَرْحٌ} القَرْح بالفتح الجراح واحدتها قرحة، وبالضم ألمُهَا، كذا قال الفراء. وقيل بفتح الراء مصدر قَرَح يَقْرَح، وقال الكسائيُّ القرح بالفتح والضم واحد؛ أي الجراح، فهما لغتان كالضَّعف والضُّعف، وقد قرئ بهما في السبع. وقال أبو البقاء بضم القاف والراء على الاتِّباع.
فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ
ج 17 ص 431
قَرْحٌ مِثْلُهُ والمعنى إن أصابوا منكم يوم أُحدٍ فقد أصبتُم منهم يوم بدر مثله، ثم إنَّهم لم يضعفوا ولم يجبُنوا، فأنتم أولى بأن لا تضعفوا فإنَّكم ترجون من الله ما لا يرجون. وقيل كلا المسَّين كان يوم أُحد، فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمرَ الرَّسول.
فقد رُوي أنَّه قتل نيف وعشرون رجلًا من المشركين، وقُتِل صاحب لوائهم وجراحات كثرت فيهم، وعُقِرت عامَّة خيلهم بالنَّبل، وقد كانت الهزيمةُ عليهم في أوَّل النهار.
وقَتل عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه طلحةَ بن أبي طلحة، وهو يحملُ لواء قريش، وأخذ اللِّواء من بعده عثمان بن أبي طلحة فقتلَه حمزةُ رضي الله عنه، ثمَّ أخذه أبو سعيد بن أبي طلحةَ فرماهُ سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه بسهمٍ فمات مكانه. وأخذ اللِّواء من بعده مسافع بن طلحة، فقُتل وقُتل منهم رجال أُخر، وفرَّق الله تعالى شملَهم وأنزل نصرهُ على المؤمنين.
قال راشدُ بن سعد انصرفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد كئيبًا، وجعلت المرأة تجيءُ بابنها وأبيها وزوجها مقتولين، فقال صلى الله عليه وسلم «أهكذا تفعل برسولك» فأنزل الله تعالى هذه الآية. ويُقال أقبل علي رضي الله عنه يومئذ وفيه نيف وستون جِراحة من طعنةٍ وضربةٍ ورميةٍ، فجعل صلى الله عليه وسلم يمسحها بيده وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن.
{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ} ؛ أي أيام النصر والغلبة {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} نصرِّفها بينهم نديل لهؤلاء تارةً ولهؤلاء أخرى، كقوله
~فَيَوْمًا عَلَيْنَا وَيَوْمًا لَنَا وَيَوْمًا نُسَاءُ وَيَوْمًا نُسَرُّ
والمداولة كالمعاودة، يقال داولتُ الشَّيء بينهم فتداولوه.
والمعنى _ والله تعالى أعلم _ لا تهنوا فالحربُ سجالٌ وأنا أداولُ الأيَّام بين الناس، فأديلُ الكافر من المؤمن تغليظًا للمحنة والابتلاء، ولو كانت الغلبة للمؤمنين دائمًا لصاروا كالمضطرين، ولو كانت للكافرين دائمًا لفات المراد من البعثة.
ويقال نديلُ عليكم الأعداءَ تارةً،
ج 17 ص 432
وإن كانت العاقبة لكم لما لنا في ذلك من الحِكَم والمصالح. و {تلك} مبتدأ و {الأيَّام} خبرُه، و {نداولها} في موضع الحال، والعامل فيها معنى الإشارة؛ أي أشير إليها حال كونها مداولة، ويجوز أن تكون {الأيام} بدلًا أو عطف بيان أو نعتًا لاسم الإشارة، والخبر هو جملة {نداولها} .
{وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا} عطف على علة محذوفة؛ أي نداولها ليكون كيت وكيت، وليعلم الله، إيذانًا بأنَّ العلَّة فيه غير واحدة، وأنَّ ما يصيبُ المؤمن فيه من المصالح ما لا يعلم، أو الفعل المعلَّل به محذوفٌ تقديره، وليتميَّز الثَّابتون على الإيمان من الذين على حرف فعلنا ذلك.
فإن قيل أمثال [4] هذه الآية ونقائضها تدلُّ بظاهرها على أن يكون علمه تعالى معلَّلًا بما يتوقف علمه عليه، وعلى أنَّ علمه تعالى غير محيطٍ لجميع المعلومات وكلاهما باطل لا محالة.
فالجواب أنَّ القصد في أمثالها ونقائضها ليس إلى إثبات علمه تعالى ونفيه بل إلى إثبات المعلوم ونفيه على طريقة البرهان. وقيل معناه ليعلمهم علمًا يتعلَّق به الجزاء وهو العلم بالشيءِ موجودًا؛ لأنَّ المجازاة تقعُ على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد، ولا يلزم منه تجدد علم الله تعالى وحدوثه، فحاصل معنى الآية ليعلم الله الذين آمنوا موجودين كما علم قبل وجودهم أنَّهم سيوجدون.
قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزةِ الأعداء.
{وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} أي ويكرم ناسًا منكم بالشهادة يريد شهداء أحد، قال ابن جريج كان المسلمون يقولون ربنا أرنا يومًا كيوم بدر نلتمسُ فيه الشَّهادة، فاتَّخذ الله منهم شهداء يوم أُحد، ويحتمل أن يكون المعنى ويتَّخذ منكم شهودًا معدّلين بما صودف منهم من الثَّبات والصَّبر على الشدائد.
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران 140] الذين يضمرون خلاف ما يُظهرون، أو الكافرين وهو اعتراض، وفيه تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافرين على الحقيقة، وإنما يغلبهم أحيانًا استدراجًا لهم وابتلاء للمؤمنين.
{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا} عطف على «ليعلم» ؛ أي وليطهِّرهم ويصفِّيهم من الذُّنوب إن كانت الدولة عليهم. والمعنى ليكفر الله عن المؤمنين ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب،
ج 17 ص 433
وإلا يرفع لهم درجات بحسب ما أصيبوا به، وقيل التمحيص الابتلاء والاختبار.
{وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران 141] ؛ أي ويهلكهم إن كانت عليهم، والمحق نقص الشيء قليلًا قليلًا {أَمْ حَسِبْتُمْ} كلمة «أم» منقطعة؛ أي بل أحسبتم ومعناه الإنكار {أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} ولم تُبتلوا بالقتال والشدائد كما دخل الذين قُتلوا وثبتوا على ألم الجراح، وهذا معنى قوله {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} أي ولما تجاهدوا كلمة «لما» بمعنى لم، إلا أن فيها ضربًا من التوقع، فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل، وقرئ بفتح الميم على أن أصله يعلمن فحذف النون {وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران 142] نصب بإضمار «أن» على أن الواو للجمع، وقال الزجاج الواو هنا بمعنى حتى؛ أي حتى يعلم صبركم. وقرأ الحسن بكسر الميم عطفًا على الأول، وحاصل المعنى لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصَّابرين على مقارنة الأعداء. وقرئ بالرفع على أن الواو للحال على تقدير وهو يعلم، كأنه قال ولمَّا تجاهدوا وأنتم صابرون والمآل واحد.
{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ} ؛ أي الحرب فإنها من أسباب الموت أو الموت بالشهادة، والخطاب للذين لم يشهدوا بدرًا وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدًا لينالوا ما نال شهداء بدر من الكرامة، فألحوا يوم أُحدٍ على الخروج.
قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما لما أخبر الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما فعل بشهداء بدر من الكرامة رغبوا في ذلك فأراهم يوم أُحدٍ، فلم يلبثوا أن انهزموا فنزلت هذه الآية؛ أي ولقد كنتم تمنون القتال.
{مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} أي أسباب الموت من السُّيوف والأسنَّة والرِّماح والسِّهام يوم أُحد {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران 143] ؛ أي معاينين له حين قُتل دونكم من قُتل من أخوانكم، وهو توبيخ لهم على أنهم تمنّوا الحرب وتسببوا لها، ثم جبنوا وانهزموا عنها.
فإن قيل كيف جاز تمني الشَّهادة وفيه غلبة الكفَّار على المسلمين؟ فالجواب
ج 17 ص 434
أنَّ غرض المتمنِّي ليس إلَّا حصول الشَّهادة مع قطع النَّظر عن غلبةِ الكفار. وقيل بل هو توبيخٌ على تمنِّي الشَّهادة فإنَّ في تمنيها تمنِّي غلبة الكفَّار، فليتأمل.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ أو الرفع مثل ما سبق ( {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} ) وقوله (تَسْتَأْصِلُوْنَهُمْ قَتْلًا) تفسير لقوله {تحسونهم} وهو من كلام أبي عُبيدة ( {بِإِذْنِهِ} إِلَى قَوْلِهِ {وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ) قال الله تعالى {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} قال محمد بن كعب لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أُحد إلى المدينة، قال قوم منهم من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النَّصر، فنزلت هذه الآية {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} أي وعده إياهم بالنَّصر بشرط التَّقوى والصَّبر؟ وكان كذلك حتى خالفَ الرُّماة فإن المشركين لما أقبلوا جعل الرُّماة يرشقونَهُم والباقون يَضْربونهم بالسَّيف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم [5] .
وأخرج الطَّبري من طريق السُّدي وغيره أنَّ المراد بالوعد قوله صلى الله عليه وسلم للرُّماة «إنكم ستظهرونَ عليهم فلا تبرحُوا من مَكانكم حتى آمركم» .
وقد ذكر المصنف قصَّة الرُّماة في هذا الباب، وسيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦4043] ، وحاصلها أنَّهم لمَّا لم يثبتوا في المركز وطلبوا الغنيمة هزموا.
{إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} أي تقتلونهم، كذا فسَّره قتادة ومجاهد أخرجه الطَّبري، وهو من حسَّه إذا أبطل حِسَّه وقتله قتلًا ذريعًا. وقال الجوهريُّ والحس أيضًا برد يحرق الكلأَ، والحَس _ بالفتح _ مصدر قولك حَسَّ البردُ الكلأَ يحُسُّه _ بالضم _ وحسسناهم؛ أي استأصلناهم قتلًا، وقال تعالى {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} وحسَّ البردُ الجرادَ قتله، والحسيس القتيل.
{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} أي جبنتُم وضعفَ رأيكم، يقال فشلَ الرجل يفشلُ فهو فشيل أو ملتُم إلى الغنيمة، فإنَّ الحرصَ من ضعفِ العقل {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} أي اختلفتم فيه؛
ج 17 ص 435
يعني اختلاف الرُّماة حين انهزمَ المشركون، فقال بعضُهم ما موقفنا هاهنا وقد انهزمَ المشركون، وقال الآخرون لا نخالفُ أمرَ سول الله صلى الله عليه وسلم فثبتَ مكانه أميرهُم عبد الله بن جُبير في نفر يسيرٍ دون العشرة ونفر الباقون ينتهبون، وهو المعنيُّ بقوله {وَعَصَيْتُمْ} أي بترك المركز {مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} من الظَّفر والغنيمة وانهزامِ العدو، فلمَّا نظرَ خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرُّماة فقتلوا عبد الله بن جُبير وأصحابه، وأقبلوا على المسلمين، فجواب «إذا» محذوف، وهو امتحنكُم وابتلاكُم، ويقال [6] فيه تقديم وتأخير؛ أي حتى إذا تنازعتُم وعصيتُم فشلتُم. وقيل [7] كلمة «حتى» حرف جرٍّ متعلِّقة بمحذوف؛ أي دام لكم ذلك إلى وقت فشلكُم وتنازعكُم.
{مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا} أي الغنيمة، وهم التَّاركون للمركز {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ} وهم الذين ثبتوا في المركز محافظةً على أمر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
{ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} أي ثم كفَّكم وردَّكم عن المشركين بهزيمتكُم، وإدالهم عليكم حتى حالت الحال فغلبوكم {لِيَبْتَلِيَكُمْ} على المصائبِ ويمتحنَ ثباتكم على الإيمان عندها، وفيه إشارة إلى رجوعِ المسلمين عن المشركين بعد أن ظَهروا عليهم لما وقع من الرُّماة من الرغبة في الغنيمة {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} أي ذنبكم بعصيان الرسول الله صلى الله عليه وسلم تفضُّلًا، ولما علم من ندمكم على المخالفة.
وقال ابنُ جريج إن يستأصلكم، وكذا قال محمدُ بن إسحاق رواهما ابن جرير.
{وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران 152] يتفضَّل عليهم بالعفو، وقيل إذ لم يُقتلوا جميعًا. والأولى أن يُقال في الأحوال كلِّها سواء أديل لهم أو عليهم إذ الابتلاء أيضًا فضل ورحمة. قال السدي عن عبد خير قال قال عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه ما كنت أرى أحدًا من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حين نزلت هذه الآية يوم أُحد {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ} [آل عمران 152] .
(وَقَوْلِهِ) بالجرِّ والرفع أيضًا (تَعَالَى {وَلاَ تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} ) نزلت في شهداءِ أُحد، روى مسلم من طريق مسروق قال سألنَا عبدَ الله بن مسعود عن هؤلاء الآيات، قال أما إنَّا قد سألنا عنها فقيل لنا أنَّه لمَّا أصيبَ أخوانكُم بأُحد جعلَ الله أرواحَهم في أجوافِ طيرٍ خُضْر تَرِدُ أنهارَ الجنَّة
ج 17 ص 436
وتأكل من ثمارها ... الحديث.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فيما رواه أحمدُ أنَّه قال «لما أصيبَ إخواننا بأُحد جعلَ الله أرواحَهم في أجوافِ طيرٍ خُضْر تردُ أنهارَ الجنَّة وتأكلُ من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلَّقة في ظلِّ العرش، فلمَّا وجدوا طيب مَأكلهم ومَشربهم ومَقيلهم، قالوا من يبلِّغ إخواننا عنَّا أنا في الجنَّة نُرزَق؛ لئلَّا يزهدوا عن القتال، فقال الله تعالى أنا أبلِّغهم عنكم، فأنزل الله هذه الآية» . وقيل نزلتْ في شهداء بدرٍ، وقيل في شهداء بئر معونة، وقيل غير ذلك. والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكلِّ أحدٍ.
وقرأ هشام بالتاء كالباقين، وبالياء أيضًا على إسناده إلى ضمير الرسول، أو من «يحسب» ، أو إلى «الذين قتلوا» ، والمفعول الأول محذوفٌ لأنَّه في الأصل مبتدأ جائزُ الحذف عند القرينة. وقرأ ابن عامر {قتِّلوا} بالتشديد لكثرة المقتولين {بَلْ أَحْيَاءٌ} أي بل هم أحياء، وقرئ بالنصب على بل أحسبهم أحياء {عِنْدَ رَبِّهِمْ} ذووا زلفى منه تعالى {يُرْزَقُونَ} من الجنة، وهو تأكيدٌ لكونهم أحياء {فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وهو شرف الشَّهادة والفوز بالحياة الأبدية، والقرب من الله والتَّمتع بنعيم الجنَّة {وَيَسْتَبْشِرُونَ} يُسرُّون بالبشارةِ {بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ} أي بإخوانهم المؤمنين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم.
{مِنْ خَلْفِهِمْ} أي الذين من خلفهم زمانًا أو رتبة {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران 170] بدل من «الذين» ، والمعنى أنَّهم يستبشرون بما تبيَّن لهم من أمر الآخرة، وحال من تَرَكوا خَلْفهم من المؤمنين، وهو أنَّهم إذا ماتوا أو قتلوا كانوا أحياء حياة لا يكدِّرها خوفُ وقوعِ محذورٍ، وحزنُ فوات محبوبٍ.
وفي الآية حثٌّ على الجهاد، وترغيب في الشَّهادة، وبعث على ازدياد الطَّاعة وإحْماد لمن يتمنى لإخوانهِ مثل ما أنعمَ عليه، وبُشرى للمؤمنين بالفلاحِ.
وروى
ج 17 ص 437
أحمدُ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الشُّهداء على بارقٍ، نهرٌ بباب الجنَّة في قبَّة خضراء، يخرجُ عليهم رزقُهم من الجنَّة بكرةً وعشيًا» .
وقال ابنُ كثير في «تفسيره» الشُّهداء أقسام منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النَّهر بباب الجنَّة، وقد يحتمل أن ينتهيَ سيرهم إلى هذا النَّهر فيجتمعون هناك، ويُغدى عليهم رزقهم هناك ويراح، والله تعالى أعلم.
واعلم أنَّه قد وقع هنا في رواية أبي الوقت والأَصيليِّ حديث ابن عباس رضي الله عنهما هكذا
[1] في هامش الأصل في نسخة أجهضوهم.
[2] في الأصل أعبل، وقال في نسخة صحيحة أُعل. وأثبتها في الأصل
[3] ما بين معقوفين من الفتح.
[4] في هامش الأصل من أمثال هذه الآية قوله تعالى {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت 3] ومن نقائضها قوله تعالى {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} [آل عمران 142] . منه.
[5] في هامش الأصل وقد أخرج الطبري من طريق السدي قال قال النبي صلى الله عليه وسلم للرماة (( إنا لن نزال عالين ما ثبتم مكانكم ) )وكان أول من برز طلحة بن عثمان فقُتل ثم حمل المسلمون على المشركين فهزموهم وحمل خالد بن الوليد وكان في خيل المشركين على الرماة فرموه بالنبل فانقمع، ثم ترك الرماة مقامهم ودخلوا العسكر في طلب الغنيمة فصاح خالد بن الوليد في خيله فقتل من بقي من الرماة منهم أميرهم عبد الله بن جُبير، ولما رأى المشركون خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وأثخنوا فيهم القتل. منه.
[6] في هامش الأصل عسقلاني.
[7] في هامش الأصل عيني.