1 - (باب قَوْلِهِ) عزَّ وجلَّ ( {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ) أي هذه الآية، أو هذه السُّورة براءة مبتدأ صدورها من الله تعالى وغاية انتهائها ( {إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) فـ {بَرَاءَةٌ} خبر مبتدأ محذوف، وقيل مبتدأ خبرُه {إِلَى الَّذِينَ} وجاز الابتداء بالنِّكرة؛ لأنها تخصَّصت بالجارِ بعدها. والمعنى إنَّ ما الله ورسوله برئًا من العهدِ الذي عاهدتُم به
ج 19 ص 502
المشركين، وذلك أنهم عاهدوا مشركي العرب، فنكثوا ولم يف به إلَّا بنو ضمرة، وبنو كنانة، فأمرهُم بنبذ العهدِ إلى من نقضه، وأمروا أن يبيحوا الأربعة الأشهر الحرم صيانةً لها من القتال.
قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما البراءةُ نقضُ العهد إلى الذين عاهدتُم من المشركين؛ لأنَّهم نقضوا عهودهُم قبلَ الأجل، فأمرَ الله تعالى نبيَّهصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن من كان عهده إلى أربعة أشهر أن يقره إلى أن ينقضيَ أربعة أشهرٍ. وقال الثَّعلبي ابتداء هذا الأجلِ يوم الحجِّ الأكبر، وانقضاؤه إلى عشرِ من ربيع الآخر. وقال الزُّهريِّ هي شوال وذو القعدة وذو الحجَّة والمحرم؛ لأنَّ هذه الآية نزلت في شوال.
وقال مقاتلُ نزلتْ في ثلاثة أحياء من العربِ، خزاعة وبني مُدلج وبني خُزيمة كان سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عاهدهم بالحديبية لسنتين فجعلَ الله أجلهم أربعة أشهر، ولم يعاهد النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد هذه الآية أحدًا من النَّاس. وقال النَّحاس قول من قال لم يعاهد النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد هذه الآية [غير صحيح، والصحيح أنه قد عاهد بعد هذه الآية] [1] جماعة منهم أهل نجران. قال الواقديُّ عاهدهُم وكتب لهم ستَّة عشر قبل وفاته بيسير.
( {أَذَانٌ} إِعْلامٌ) أشارَ به إلى قوله تعالى {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة 3] وفسَّر أذان بقوله «إعلام» ، وهذا ظاهر. قال أبو عبيدة {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال إعلام من الله ورسوله، وهو مصدرٌ من قولك آذنتهم؛ أي أعلمتهم، وقد سقط هذا في رواية غير أبي ذر.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {أُذُنٌ} يُصَدِّقُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} [التوبة 61] أي ومن المنافقين قوم يُؤذون النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالكلامِ فيه، ويقولون هو أُذُن؛ يعني من قال له شيئًا صدقه، وإذا جئنا وحلفنَا له صدقنا، روي معناه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة، وسُمِّي بالجارحة للمبالغة، كأنَّه من فرطِ سماعه صارَ جملته آلة السَّماع، كما سُمِّي الجاسوس عينًا لذلك.
وروى ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 19 ص 503
في قوله {وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} يعني أنَّه يسمعُ من كلِّ أحدٍ، قال الله تعالى {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} يعني يُصدِّق بالله، فظهرَ أن يُصَدِّق تفسير {يُؤْمِنُ} لا تفسير {أُذُنٌ} كما يُوهمه صنيعُ المصنِّف حيث اختصرَه، قاله الحافظُ العسقلاني.
( {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ والزَّكاةُ الطَّاعَةُ والإخْلاصُ) أشار به إلى قوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة 103] قال المفسرون لما تابَ الله على أبي لبابة وأصحابه قالوا يا رسول الله، هذه أموالنا تصدَّق بها وطهِّرنا واستغفر لنا، فقال ما أُمرتُ أن آخذَ من أموالكم شيئًا، فنزلت هذه الآية، وفي الصَّدقة قولان أحدهما التَّطوع، والآخرُ الزكاة.
وقال الزَّمخشري (( تطهرهُم ) )صفة لصدقة، وقُرئ من أطهرهُم بمعنى طهَّرهم، و بالجزم جوابًا للأمرِ، والتاء في {تُطَهِّرُهُمْ} للخطابِ، أو لغيبة المؤنث، والظَّاهر هو الأول، والتَّزكية مبالغةٌ في التَّطهير وزيادة فيه أو بمعنى الإنماء والبركة، وقوله «ونحوها كثير» ، وفي بعضِ النُّسخ و، وهذه أحسن كأنَّه أشار بهذا إلى أنَّ اللَّفظين المختلفين في المادةِ المتفقين في المعنى كثيرٌ في لغات العرب، أو في القرآن، وذلك لأنَّ الزكاة والتَّزكية في اللغة الطَّهارة.
ولهذا قال الزَّمخشري والتزكية مبالغة في التَّطهير، وهذا يشيرُ إلى أنَّ معنى التزكية التَّطهير، ولكن فيه زيادة، وتجيءُ التَّزكية أيضًا بمعنى النَّماء والبركة والمدح، وكلُّ ذلك مستعملٌ في القرآن.
وقوله «والزكاة الطَّاعة والإخلاص» ؛ يعني أنها تأتي بمعنى الطَّاعة، وبمعنى الإخلاص، رواه ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} قال الزَّكاة طاعة الله والإخلاص.
( {لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} لاَ يَشْهَدُونَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت 6 - 7] وقد وصله ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} قال هم الذين لا يشهدون
ج 19 ص 504
أن لا إله إلا الله، وهذه الآية في سورة فصلت ذكرها هنا استطرادًا. وفي تفسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما الزّكاة بالطَّاعة والتَّوحيد دفع لاحتجاج من احتجَّ بالآية على أنَّ الكفَّار مخاطبون بفروعِ الشَّريعة.
(((يُضَاهُونَ ) )يُشَبِّهُونَ) أشار به إلى قوله تعالى {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [التوبة 30] وفسَّر (( يضاهون ) )بقوله «يُشبِّهون» ، وكذا فسَّره ابن عبَّاس رضي الله عنهما فيما رواه عنه عليُّ بن أبي طلحة. وقد وصله ابنُ أبي حاتم، وقال أبو عبيدة المضاهاة التَّشبيه.
وقال القاضي أي يُضاهي قولُهم قولَهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والمضاهاة المشابهة، وهذا إخبارٌ من الله تعالى عن قول اليهودِ عزيرٌ ابن الله، والنَّصارى المسيحُ ابن الله، فأكذبهُم الله تعالى بقوله {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة 30] يعني لا مستندَ لهم فيما ادَّعوه سوى افترائهم واختلافهم يضاهون؛ أي يشابهون قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم ضلوا كما ضلَّ هؤلاء. (( قاتلهم الله ) ). قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما لعنهُم الله. فقوله (( بأفواهِهِم ) )مع أنَّ القول لا يكون إلَّا بالفمِ إشعارًا بأنَّه لا دَليل عليه فهو كالمهملات لم يقصد بها الدَّلالة على المعاني، وقول اليهود قد قاله بعضٌ من متقدميهم، أو من كان بالمدينة، وإنما قالوا ذلك لأنَّه لم يبق فيهم بعد وقعة بخت نصر من يحفظ التوراة، فلمَّا أحياه الله تعالى بعد مائة عام وأملى عليهم التَّوراة حفظًا تعجبوا من ذلك، وقالوا ما هذا إلا لأنَّه ابن الله، والدَّليل على أنَّ هذا القول كان فيهم أن الآية قُرئت عليهم، فلم يكذبوا بها مع تهالكِهم على التَّكذيب.
[1] ما بين معقوفين زيادة من العمدة.