فهرس الكتاب

الصفحة 4089 من 11127

28 - (باب) جواز (قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وكأنَّه أشار إلى ضعف الحديث الوارد في ردِّ هدية المشرك، وهو ما أخرجه موسى بن عقبة في «المغازي» عن ابن شهاب، عن عبد الرَّحمن بن كعب، ورجالٌ من أهل العلم أنَّ عامر بن مالك الذي يدعى مُلاعب الأسنَّة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 12 ص 98

وهو مشركٌ، فأهدى له، فقال (( إنِّي لا أقبل هديَّة مُشرك ) )الحديث، ورجاله ثقاتٌ؛ إلَّا أنهَّ مرسل، وقد وصله بعضُهم عن الزُّهري، ولا يصح.

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه قال (هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِسَارَةَ، فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ) شكٌّ من الرَّاوي (فَقَالَ أَعْطُوهَا آجَرَ) سارة _ بتخفيف الراء _ زوجة إبراهيم أم إسحاق عليهما السَّلام، وآجر بوزن فاعل، وفي رواية فقلبت الهمزة هاء أمُّ إسماعيل عليه السَّلام.

ذكر هذا التَّعليق مختصرًا، وقد أخرجه موصولًا في كتاب «البيوع» ، في باب شراء المملوك من الحربي [خ¦2217] ، وتقدَّم الكلام فيه هناك، وأخرجه موصولًا أيضًا في «أحاديث الأنبياء عليهم السلام» [خ¦3357] ، ووجه دلالته على التَّرجمة ظاهرٌ، وهو مبنيٌّ على أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، ولا سيَّما إذا لم يرد في شرعنا إنكاره.

وقصَّته على ما قال علماء السِّير أنَّ إبراهيم عليه السَّلام أقام بالشَّام مدَّة فقحط الشَّام، فسار إلى مصر ومعه سارة ولوط عليهم السَّلام، وكان بها فرعون وهو أوَّل الفراعنة عاشَ دهرًا طويلًا، واختلفوا فيه فقال قومٌ هو سنان بن علوان بن عبيد بن عوج بن عملان بن لاوي بن سام بن نوح عليه السَّلام، وقيل سنان بن الأهبوب أخو الضَّحاك وهو الذي بعثه إلى مصر وأقام بها، وقيل عمرو بن امرئ القيس بن نابليون بن سبأ، وقيل طوليس.

وكانت سارة من أجمل النِّساء، وكانت لا تعصي لإبراهيم عليه السَّلام شيئًا، فلذلك أكرمها الله تعالى، فأتى الجبَّار رجل وقال إنَّه قدم رجل ومعه امرأةٌ من أحسن النِّساء ووصف له حسنها وجمالها، فأرسل الجبار إلى إبراهيم عليه السلام فقال ما هذه المرأة معك؟ قال هي أختي، وخاف إن قال امرأتي أن يقتله، فقال له زيِّنها وأرسلها إليَّ ولا تمتنع حتَّى أنظر إليها، فرجع إبراهيم عليه السلام إلى سارة، وقال لها إنَّ هذا الجبار قد سألني عنكِ وأخبرته أنَّك أختي فلا تكذِّبيني عنده، فإنَّك أختي في كتاب الله،

ج 12 ص 99

وإنَّه ليس في هذه مسلمٌ غيري وغيرك ولوط، ثمَّ أقبلت سارة إلى الجبَّار، وقام إبراهيم عليه السَّلام يصلِّي فلمَّا دخلت عليه ورآها، فتناولها بيده، فيبستْ إلى صدره، فلمَّا رأى ذلك فرعون أعظم أمرها، وقال لها سلِي إلهكِ أن يُطلق عنِّي فوالله لا أؤذيك، فقالت سارة اللَّهمَّ إن كان صادقًا فأطلقْ له يده، فأطلق الله له يده.

وقيل فعل ذلك ثلاث مراتٍ فلمَّا رأى ذلك ردَّها إلى إبراهيم، ووهب لها هاجر، وهي التي ذكرت في حديث الباب آجر، وهي لغة في هاجر كما تقدَّم، فأقبلت سارة إلى إبراهيم عليه السلام، فلمَّا أحسَّ بها انفتلَ من صلاته، فقال مهيم؟ فقالت كفى الله كيدَ الفاجرِ وأَخْذَ مَني هاجر.

واختلفوا في هاجر فقال مقاتل كانت من ولد هود عليه السَّلام، وقال الضَّحَّاك كانت بنت ملك مصر، وكان الملك ساكنًا بمنف، وغلبه ملك آخر.

وقيل إنَّما غلبه فرعون فقتله وسبى ابنته فاسترقها، ووهبها لسارة، ووهبتها سارة لإبراهيم عليه السلام، فواقعها إبراهيم عليه السَّلام فولدت إسماعيل عليه السلام، وسارة بنت هاران أخ إبراهيم عليه السَّلام.

قال ابن كثير والمشهور أنَّ سارة بنت عمِّه هاران أخت لوط عليه السَّلام كما حكاه السُّهيلي، ومن ادَّعى أنَّ تزويج بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعًا فليس له على ذلك دليلٌ، ولو فرض أنَّه كان مشروعًا وهو منقولٌ عن الربانيين من اليهود كان الأنبياء عليهم السَّلام لا يتعاطونه.

وقال السُّدي وكانت سارة بنت ملك حرَّان، وكان قد بلغها خبر الخليل عليه السَّلام فآمنت به، وعابت على قومها عبادة الأوثان، فلمَّا قدم الخليل حرَّان تزوَّجته، وذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة سارة، وأم موسى، ومريم، والذي عليه الجمهور أنهنَّ صدِّيقات.

(وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ) يأتي حديث هذه الهدية في هذا الباب موصولًا، ويأتي الكلام فيه هناك إن شاء الله تعالى.

(وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) بضم المهملة، السَّاعدي الأنصاري رضي الله عنه،

ج 12 ص 100

قيل اسمه عبد الرَّحمن، وقيل غير ذلك (أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، بلدةٌ معروفة بساحل البحر في طريق المصريين إلى مكَّة آخر الحجاز وأول الشَّام، وهي الآن خراب (لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ) النَّبي صلى الله عليه وسلم (بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ) أي ببلدهم وحكومة أرضهم وديارهم، وهذا هو الظَّاهر، وحمله الدَّاودي على ظاهره وهو وهمٌ.

وهذا التَّعليق مضى مطوَّلًا في كتاب «الزكاة» ، في باب خرص التَّمر [خ¦1481] .

قال المهلَّب وفيه مكافأة المشرك على هديته؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أهدى له بردًا، وجواز تأمير المشرك الذِّمِّي على قومه؛ لما في ذلك من طوعهم له وانقيادهم.

وفيه تولية البحر، وجواز نسبة الفعل إلى الآمر لقوله وكتب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت