6847 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ) اسمه ضمضم
ج 28 ص 493
بن قتادة، رواه عبد الغني بن سعيد في «المبهمات» وابن فتحون من طريقه، وأبي موسى في «الذيل» وعند أبي داود من رواية ابن وهب (( أنَّ أعرابيًّا من فزارة ) )، وكذا عند بقيَّة أصحاب الكتب السِّتَّة.
(فَقَالَ يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي) لم تسمَّ (وَلَدَتْ غُلاَمًا) لم يعرف اسمه أيضًا (أَسْوَدَ) صفة لغلام، لا ينصرفُ للوزن والصِّفة؛ أي وأنا أبيض، فكيف يكون ابني؟ فعَرَّضَ بأنَّ أُمَّهُ أَتَتْ به من الزِّنى (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم له (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ، قالَ) الرَّجل (نَعَمْ، قالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا أَلْوَانُهَا) كلمة ما مبتدأ من أسماء الاستفهام، وألوانها الخبر (قالَ) أي الرَّجل ألوانها (حُمْرٌ) جمع أحمر، وأفعل فعلاء لا يُجْمعُ إلَّا على فعل (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فِيهَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَوْرَقَ) أي جمل أورق لا ينصرف كأسود، وهو ما في لونه بياضٌ إلى سواد كالرَّماد من الورقة، وهي اللَّون الرَّمادي، ومنه بعيرٌ أورق إذا كان لونُه لونَ الرَّماد، ومنه قيل للحمامة ورقاء. وقال ابن التِّين الأورق الأسمر. وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمُّويي بزيادة ؛ لتقدُّم الاستفهام الَّذي بمعنى النَّفي.
(قَالَ) أي الرَّجل (نَعَمْ) فيها أورق (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَأَنَّى) بفتح الهمزة والنون المشددة؛ أي من أين (كَانَ ذَلِكَ) اللَّون الأورق، وأبواها ليسا بهذا اللَّون (قالَ) أي الرَّجل (أُرَاهُ) بضم الهمزة؛ أي أظنُّه (عِرْقٌ) بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف؛ أي أصلٌ من النَّسَبِ، ومنه فلان معرَّقٌ في النَّسَبِ والحَسَبِ، وفي المَثَلِ العرق نزَّاع، والعرق الأصل مأخوذٌ من عرق الشَّجرة.
قال ابن التِّين أي لعلَّه وقع بالنِّسبة إلى أحد أجداده.
(نَزَعَه) بفتح النون والزاي والعين، جَذَبَه إليه، وأخرجَه من لَوْنِ أبويه، والمعنى أنَّ ورقها إنَّما جَاء؛ لأنَّه كان في أصولِها البَعيدةِ ما كان في هذا اللَّونِ فجرَّه إليه، كما قال ابن التِّين (فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ) قال الخطَّابي وإنَّما سأله عن ألوان الإبل؛ لأنَّ الحيواناتِ يجري طباع بعضها على مشاكلة بعضٍ في اللَّون والخلقة،
ج 28 ص 494
وقد يندر منها شيءٌ لعارض، فكذلك الآدميُّ يختلف بحسب نوادر الطِّباع، ونوازع العروق. انتهى.
وفائدةُ الحديث المنع عن نفي الولد بمجرَّد الأمارات الضَّعيفة، بل لا بدَّ من تحقُّقٍ وظهورٍ دليلٍ قويٍّ كأن لا يكون وطئها، أو أتت بولدٍ قبل ستَّة أشهرٍ من مبدأ وطئها، واستدلَّ به الشَّافعيُّ على أنَّ التَّعريضَ بالقَذْفِ لا يُعْطَى حُكْمَ الصَّريح، فتبعه البخاريُّ حيث أوردَ هذا الحديثَ في الموضعين، فليس التَّعريض قذفًا.
وقال الخطابي فيه أنَّ التَّعريضَ بالقذف لا يوجبُ الحدَّ. وقال الزُّهري إنَّما تكون الملاعنةُ إذا قال رأيتُ الفاحشة.
وقد اخْتَلَفَ العلماُء في هذا الباب فقال قومٌ لا حدَّ في التَّعريض، وإنَّما يجبُ الحدُّ بالتَّصريح، روي هذا عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وبه قال القاسم بن محمَّد والشَّعبي وطاوس وحمَّاد وابن المسيَّب في رواية، والحسن البصري والحسن بن حيٍّ، وإليه ذهب الثَّوري وأبو حنيفة والشَّافعي، إلَّا أنَّهما يوجبان عليه الأدب والزَّجر.
واحتجُّوا بحديث الباب، وعليه يدلُّ تبويب البخاري. وقال آخرون التَّعريض كالتَّصريح، رُوِيَ ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما، وعن عروة والزُّهري وربيعة، وبه قال مالكٌ والأوزاعي.
وقال ابن عبد البرِّ روي من وجوهٍ أنَّ عمرَ رضي الله عنه حدَّ في التَّعريض بالفاحشة.
وعن ابنِ جريجٍ الَّذي حدَّه عمر رضي الله عنه في التَّعريض عكرمة بن عامر بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدَّار؛ هجا وهبَ بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد، فعَرَّض له في هجائهِ، ورُوِيَ نحو هذا عن ابن المسيَّب. وقالت المالكيَّة التَّعريض من غير الأب إذا أفهم الرَّمي بالزِّنا، أو اللِّواطة، أو نفي النَّسَبِ، كالتَّصريح في تَرَتُّبِ الحدِّ كقوله لمن يُخَاصِمُه أمَّا أنا فَلَسْتُ بزانٍ، أو لستُ بلائطٍ، أو أبي معروفٌ، وهو ثمانون جَلْدَة.
وقد أجمعوا على تأديب من عَرَّضَ بذلك بدون الحدِّ؛ فقد ثَبَتَ عن إبراهيم النَّخعي أنَّه قال
ج 28 ص 495
في التَّعريض عقوبةٌ. وقال عبد الرَّزَّاق أخبرنا ابنُ جريج قلت لعطاء ما التَّعريض؟ قال ليس فيه حدٌ.
قال عطاء وعمرو بن دينار فيه نكالٌ.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة تُؤخذُ من قوله (( غلامًا أسود ) )فإنَّ معناه وأنا أبيض [1] .
وقد مضى الحديث في الطلاق [خ¦5305] .
[1] في الأصل بيض، والصواب ما أثبته.