فهرس الكتاب

الصفحة 3072 من 11127

وقال الأسنوي في «المهمَّات» وهو ظاهر من جهة المعنى؛ لأن النهي عن الوصال إنما هو لأجل الضَّعف، والجماعُ ونحوه يزيده أو لا يمنع حصوله، لكن قال الرَّوياني في «البحر» هو أن يستديم جميع أوصاف الصَّائمين.

وقال الجرجاني في «الشَّافي» أن يترك ما أبيح له من غير إفطار. وقال الأسنوي أيضًا وتعبيرهم بصوم يومين يقتضي أنَّ المأمور بالإمساك؛ كتارك النيَّة لا يكون امتناعه باللَّيل من تعاطي المفطرات وصالًا؛ لأنَّه ليس بين الصَّومين إلَّا أن الظَّاهر أنَّ ذلك جرى على الغالب.

وقال الحافظ العسقلاني هو التَّرك في ليالي الصَّوم لما يفطر بالنَّهار بالقصد فيخرج

ج 9 ص 438

من أمسك اتفاقًا، ويدخل من أمسك جميع اللَّيل أو بعضه، ولم يجزم المؤلِّف بحكمه؛ لشهرة الاختلاف فيه.

(وَ) باب (مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيل صِيَامٌ) أي ليس اللَّيل محلاًّ للصِّيام (لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} ) [البقرة 187] يعني أنَّ الله تعالى جعل حدَّ الصَّوم إلى اللَّيل فهو آخر وقته فلا يدخل في حكم ما قبله، وقد ورد فيه حديث مرفوع رواه أبو سعيد الخير ذكره التِّرمذي في «الجامع» ، ووصله في «العلل المفرد» . وأخرجه ابن السَّكن وغيره من الصَّحابة، والدُّولابي وغيره في «الكُنى» كلُّهم من طريق أبي فروة الرَّهاوي، عن معقل الكندي، عن عبادة بن نسي عنه، ولفظ المتن مرفوعًا (( أنَّ الله تعالى لم يكتب الصِّيام باللَّيل، فمن صام فقد تعنَّى ولا أجر له ) ). قال ابن منده غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال التِّرمذي سألت البخاري عنه فقال ما أرى عبادة سمع عن أبي سعيد الخير. وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي حديث أبي سعيد الخير لم أقف عليه، وقد اختلف فيه فقال أبو داود أبو سعيد الخير صحابي روى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه قيس بن الحارث الكندي، وفراس الشَّعباني.

وقال الشَّيخ زين الدِّين وروى عنه أيضًا يونس بن حلبس ومهاجر بن دينار وابن لأبي سعيد الخير غير مسمَّىً، وذكره الطَّبراني في «الصَّحابة» ، وروى له خمسة أحاديث.

وقال الحافظ الذَّهبي في «تجريد الصَّحابة» أبو سعْد الخير الأنماري _ يعني بسكون العين _، وقيل أبو سعيد الخير بالياء، اسمه عامر بن سعد، شامي له في الشَّفاعة وفي الوضوء، روى عنه قيس بن حارث وعبادة بن نسي.

وقال أبو أحمد الحاكم بعد أن روى له حديثًا أبو سعيد الأنماري، ويقال أبو سعيد الخير له صحبة قال ولست أحفظ له اسمًا ولا نسبًا إلى أقصى الآباء.

وقال الشَّيخ زين الدِّين وقيل إنَّ أبا سعيد الخير هو أبو سعيد الحبراني الحمصي الذي روى عن أبي هريرة رضي الله عنه، وروى عنه حصين الحبراني، وعلى هذا فهو تابعي، وهكذا ذكره العجلي في «ثقات التَّابعين» . واختلف في اسمه فقيل اسمه زياد، ويقال عامر بن سعد. قال الحافظ المزِّي وأراهما اثنين، والله أعلم.

ج 9 ص 439

وأخرج الإمام أحمد والطَّبراني وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في «تفسيرهما» بإسنادٍ صحيح إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصيَّة قالت أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير وقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال يفعل ذلك النَّصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى {أتموا الصِّيام إلى اللَّيل} [البقرة 187] ، فإذا كان اللَّيل فأفطروا. لفظ ابن أبي حاتم.

وروى هو وابن أبي شيبة من طريق أبي العالية التَّابعي أنه سئل عن الوصال في الصِّيام فقال قال الله تعالى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة 187] فإذا جاء اللَّيل فهو مفطر.

وروى الطَّبراني في «الأوسط» من طريق علي بن أبي طلحة، عن عبد الملك، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه رفعه قال (( لا صيام بعد اللَّيل ) )أي بعد دخول اللَّيل، ذكره في أثناء حديث.

قال الحافظ العسقلاني وعبد الملك ما عرفته، فلا يصح، وإن كان بقيَّة رجاله ثقات، ويعارضه أصحُّ منه كما سيأتي [خ¦1961] إن شاء الله تعالى.

ولو صحَّت هذه الأحاديث لم يكن للوصال معنىً أصلًا، ولا كان في فعله قربة، وهذا خلاف ما تقتضيه الأحاديث الصَّحيحة من فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان الرَّاجح أنه من خصائصه.

(وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي أصحابه (عَنْهُ) أي عن الوصال (رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ) أي على الأمة؛ يعني حفظًا لهم في بقاء أبدانهم على قوَّتها.

وهذا التَّعليق وصله المؤلِّف في آخر الباب من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم [خ¦1964] ، وأمَّا قوله وإبقاء عليهم، فكأنَّه أشار إلى ما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن رجلٍ من الصَّحابة قال نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرِّمها إبقاء على أصحابه. وإسناده صحيح.

(وَ) باب (مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ) وهو المبالغة في تكلَّف ما لم يكلف به، وعُمْقُ الوادي قعرُه، وكأنَّه يشير إلى ما أخرجه في كتاب التمنِّي [خ¦7241] من طريق ثابت عن أنس رضي الله عنه في قصة الوصال فقال صلى الله عليه وسلم (( لو مدَّ بي الشَّهر لواصلت وصالًا يدع المتعمِّقون تعمُّقهم ) ).

وسيأتي في الباب الذي بعد في آخر حديث أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦1966] (( اكلفوا من العمل ما تطيقون ) ).

وقال الكرماني (( وما يكره ) )عطفٌ إمَّا على الضَّمير المجرور، وإمَّا على (( رحمة ) )؛ أي ولكراهة التعمُّق،

ج 9 ص 440

فافهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت