1961 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد، قال (حَدَّثَنِي) بالتوحيد (يَحْيَى) هو ابن سعيد القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجَّاج (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ) لأصحابه (لاَ تُوَاصِلُوا) نهي، وأدناه يقتضي الكراهة، ولكن اختلفوا هل هي كراهة تنزيه أو تحريم، والأصح عند الشَّافعية التَّحريم.
قال الرَّافعي وهو ظاهر نص الشَّافعي، وحكى صاحب «المفهم» عن قوم أنَّه يحرم قال وهو مذهب أهل الظَّاهر، قال وذهب الجمهور مالك والشَّافعي وأبو حنيفة والثَّوري وجماعة من أهل الفقه إلى كراهته. وقال الأُبِّي وكرهه مالك ولو إلى السَّحر، واختار اللخمي جوازه إلى السَّحر لحديث (( من واصل فليواصل إلى السَّحر ) ).
وقول أشهب من واصل أساء؛ ظاهرُه التَّحريم، وقال ابن قدامة في «المغني» يكره للتنزيه لا للتَّحريم، ويدلُّ على التحريم رواية ابن خزيمة من طريق شعبة بهذا الإسناد (( إيَّاكم والوصال ) ).
وذهب آخرون إلى جواز الوصال لمن قوي عليه، وممَّن كان يواصل عبد الله بن الزُّبير وابن عامر وابن وضَّاح من المالكيَّة كان يواصل أربعة أيَّام، حكاه ابن حزم.
وقد حكى القاضي عياض عن ابن وهب وإسحاق وابن حنبل أنَّهم أجازوا الوصال، والجمهور ذهبوا إلى أنَّ الوصال من خواصِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنِّي لست كأحد منكم ) ) [خ¦1961] فهذا دالٌّ على التَّخصيص، وأمَّا غيره من الأمَّة فحرام عليه.
وفي «سنن أبي داود» من حديث عائشة رضي الله عنها كان يصلِّي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال.
وممَّن قال به من الصَّحابة رضي الله عنهم علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو سعيد وعائشة رضي الله عنهم.
واحتجَّ من أباح الوصال بقول عائشة رضي الله عنها نهاهم عن الوصال رحمة لهم [خ¦1914] ؛ أي نهاهم رفقًا لا إلزامًا عليهم. واحتجُّوا أيضًا بكون النَّبي صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه يومين حين أبوا أن ينتهوا.
قال صاحب «المفهم» وهو يدلُّ على أنَّ الوصال ليس بحرام ولا مكروه من حيث هو وصال، لكن من حيث يذهب بالقوَّة.
وأجاب المحرمون عن الحديث بأنَّه لا يمنع قوله رحمة لهم، أن يكون منهيًّا عنه نهي تحريم، وسبب تحريمه الشَّفقة عليهم؛ لئلا يتكلَّفوا ما يشق عليهم.
وأمَّا وصاله
ج 9 ص 441
فلتأكيد الزَّجر، وبيان الحكمة في نهيهم والمفسدة المترتبة على الوصال، وهي الملل في العبادة، وخوف التَّقصير في غيره من العبادات ممَّا هو أرجح من الوصال كالصَّلاة والقراءة، فإنَّ الجوع الشَّديد يمنع ذلك، فإنَّهم إذا باشروه شاهدوا ذلك وظهرت لهم حكمة النَّهي فكان ذلك أدعى إلى قبولهم، والله أعلم.
وقال ابن العربي وتمكينهم منه تنكيل لهم، وما كان على طريق العقوبة لا يكون من الشَّريعة.
(قَالُوا) لم يسمَّ القائلون، وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه الآتية إن شاء الله تعالى في أوَّل الباب الذي يليه [خ¦1965] (( فقال رجل من المسلمين ) )وكأنَّ القائل واحد، ونسب إلى الجميع لرضاهم به. قال الحافظ العسقلاني ولم أقف على تسمية السَّائل في شيء من الطُّرق.
(إِنَّكَ تُوَاصِلُ) ولم يكن قولهم ذلك على سبيل الاعتراض، فإنَّهم أكثر النَّاس أدبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن على سبيل استخراج الحكم أو الحكمة، أو بيان التَّخصيص، فإنَّ المكلَّفين سواسية في الأحكام، وإن كل حكم ثبت في حقِّه صلى الله عليه وسلم ثبت في حقِّ أمَّته إلا ما استثني، فطلبوا الجمع بين قوله من النَّهي، وفعله الدَّال على الإباحة، فأجابهم باختصاصه به حيث (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَسْتُ) وفي رواية ابن عساكر (كَأَحَدٍ مِنْكُمْ) وفي رواية الكشميهني ، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( لست مثلكم ) ) [خ¦1962] ، وفي حديث أبي سعيد مولى بني هاشم، عن أبي سعيد رضي الله عنه (( لست كهيئتكم ) ) [خ¦1963] . وفي حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم (( لستم في ذلك مثلي ) )ونحوه في مرسل الحسن عند سعيد بن منصور. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الباب بعده (( وأيُّكم مثلي؟ ) ) [خ¦1965] أي على صفتي أو منزلتي من ربي، وهذا الاستفهام يفيد التَّوبيخ المشعر بالاستبعاد.
(إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى) بضم الهمزة على البناء للمفعول فيهما (أَوْ) قال (إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى) وهذا الشَّك من شعبة، وفي رواية أحمد عن بهز عنه بلفظ (( إنِّي أظل _ أو قال _ إنِّي أبيت ) ). وقد رواه سعيد بن عَروبة عن قتادة بلفظ (( إنَّ ربي يُطعمني ويسقيني ) )أخرجه التِّرمذي.
واختلف في تأويله فقيل إنَّه على ظاهره وحقيقته، وإنَّه يؤتى بطعام وشراب من عند الله يتناولهما في ليالي صومه، فيكون ذلك تخصيص كرامة لا شركة لأحد فيها من أصحابه.
وردَّه صاحب «المفهم» بأنَّه لو كان كذلك لما صدق عليه قولهم (( إنَّك تواصل ) )ولا ارتفع اسم الوصال
ج 9 ص 442
عنه؛ لأنه حينئذٍ يكون مفطرًا، وكان يخرج كلامه عن أن يكون جوابًا عمَّا سئل عنه، ولأنَّ في بعض ألفاظه (( إنِّي أظل عند ربي يطعمني ويسقيني ) )و (( ظلَّ ) )إنَّما يقال فيمن فعل الشَّيء نهارًا، و (( بات ) )فيمن يفعله ليلًا، وحينئذٍ كان يلزم عليه فساد صومه، وذلك باطل بالإجماع.
هذا؛ وقال الأكثرون إنَّه مجاز عن لازم الطَّعام والشَّراب، فعبَّر بهما عن فائدتهما، وعليه اقتصر ابن العربي.
وحكى الرَّافعي عن المسعودي قال أصحُّ ما قيل في معناه إنِّي أعطى قوَّة الطَّاعم والشَّارب؛ يعني مع الجوع والظَّمأ. وقيل معناه أنَّ الله تعالى يخلق فيه من الشِّبع والرِّي ما يغنيه عن الطَّعام والشَّراب، فلا يحس بجوعٍ ولا ظمأ.
واعترض عليه صاحب «المفهم» أيضًا بأنَّه يبعده النَّظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم، فإنَّه كان يجوع أكثر ممَّا يشبع، ويربط على بطنه الشَّريف الحجارة من الجوع، وأيضًا لو خلق الله فيه الشِّبع والرِّي لما وجد لعبادة الصَّوم روحها الذي هو الجوع والمشقَّة، وحينئذٍ يكون ترك الوصال أولى لفوت المقصود من الصَّوم. وسيأتي تتمة لهذا المبحث إن شاء الله تعالى [خ¦1962] [خ¦1966] ، والله أعلم.
والحديث أخرجه مسلم أيضًا من رواية سليمان، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه بطوله وفيه فأخذ يواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في آخر الشَّهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما بال رجالٍ يواصلون، إنَّكم لستم مثلي، أما والله لو تماد لي الشَّهر لواصلت وصالًا يدع المتعمِّقون تعمُّقهم ) ).