57 - (بابُ مَا يُنْهَى من التَّحَاسُدِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني، وفي رواية غيره (وَالتَّدَابُرِ) والحسد أن يرى الرَّجل لأخيه نعمةً، فيتمنَّى أن تزولَ عنه، وتكون له دونه، والتَّدابر هو أن يعطى كلُّ واحدٍ من النَّاس أخاه دبره وقفاهُ، فيعرض عنه ويهجرهُ، قاله
ج 25 ص 515
ابن الأثير، وقال الهروي التَّدابر التَّقاطع، يقال تدابرَ القوم؛ أي أدبر كلُّ واحدٍ عن صاحبه.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطف على قوله «ما ينهى» ( {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} ) أي إذا أظهر حسده، وعمل بمقتضاه لأنَّه إذا لم يظهر فلا ضررَ يعودُ منه على من حسده، بل هو الضَّارُّ لنفسه؛ لاغتمامه بسرورِ غيره، وهو الأسفُ على الخير عند الغير، والاستعاذة من هذهِ مع سابقها بعد الاستعاذة من شرِّ ما خلق إشعارٌ بأنَّ شر هؤلاء أشدُّ، وختم بالحسد ليعلم أنَّه شرها، وهو أوَّل ذنبٍ عصى الله به في السَّماء من إبليس، وفي الأرض من قابيل.
وأقوى أسباب الحسد العداوة.
ومنها خوفه من تكبُّر غيره عليه بنعمةٍ، فيتمنَّى زوالها عنه ليقع التَّساوي بينه وبينه. ومنها حبُّ الرِّئاسة فمتى تفرَّد بفنٍّ، وأحب الرِّئاسة صارت حاله إذا سمع في أقصى العالم بنظيرهِ أحبَّ موته، أو زوال تلك النِّعمة عنه وآفاته كثيرةٌ، وربَّما حسد عالمًا فأحبَّ خطأه في دين الله وانكشافه، أو بطلان علمه بخرسٍ أو مرضٍ، فليتأمَّل ما فيه من مشاركة أعداءِ الله بسخطِ قضائهِ وكراهيةِ ما قسمه لعباده ومحبَّة زوالها عن أخيه المؤمن، ونزول البلاء به، فالعجبُ من عاقلٍ يُسِخط ربَّه بحسد يضرُّه في دينه ودنياه بلا فائدة، بل ربَّما يريد الحاسد زوال نعمةِ المحسود، فتزولُ عن الحاسد فيزداد المحسودُ نعمةً إلى نعمته، والحاسد شقاوةً على شقاوتهِ نسأل الله العفو والعافية، وقيل الحاسد جاحدٌ؛ لأنَّه لا يرضى بقضاء الواحد.
وقال الحافظ العسقلانيُّ أشار بذكر هذه الآية إلى أنَّ النَّهي عن التَّحاسد ليس مقصورًا على وقوعه بين اثنين فصاعدًا بل الحسد مذمومٌ ومنهيٌّ عنه، ولو وقع من جانبٍ واحدٍ؛ لأنَّه إذا ذُمَّ مع وقوعه مع المكافأة فهو مذمومٌ مع الأفراد بطريق الأولى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ التفاعل بين القوم لا بين اثنين، وبأنَّه يصدق على كلِّ واحدٍ من المتحاسدين
ج 25 ص 516
أنه حاسدٌ، فالحسد واقعٌ من كلِّ واحد منهم، فالوجه أنَّه إشارة إلى أنَّ الحسد مذموم جدًا فليتأمَّل.