فهرس الكتاب

الصفحة 3129 من 11127

69 - (باب) حكم (صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) واشتقاق عاشوراء من العشر الذي هو اسم للعدد المعيَّن، وقال القرطبي عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتَّعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة؛ لأنَّه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد، واليوم مضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء، فكأنَّه قيل يوم اللَّيلة العاشرة، إلَّا أنَّهم لمَّا عدلوا به عن الصِّفة غلبت عليها الاسميَّة، فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا اللَّيلة.

وعلى هذا فيوم عاشوراء هو اليوم العاشر، وهو قول الخليل، وهو مذهب جمهور العلماء من الصَّحابة ومن بعدهم. فممَّن ذهب إليه من الصَّحابة عائشة رضي الله عنهم، ومن التَّابعين سعيد بن المسيَّب والحسن البصري. ومن الأئمَّة مالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم.

وقال الزَّين ابن المنيِّر الأكثر على أنَّ عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتَّسمية. وقيل هو مأخوذ من العِشر _بالكسر_ في أوراد الإبل تقول العرب وردت الإبل عشرًا إذا وردت اليوم التَّاسع، وذلك أنَّهم كانوا يحسبون في الإظماء يوم الورود، فإذا قامت في الرَّعي يومين، ثم وردت في الثَّالثة قالوا وردت ربعًا وإن رعت ثلاثًا، وفي الرابع وردت خمسًا؛ لأنهم حسبوا في كلِّ يوم بقيَّة اليوم الذي وردت فيه قبل الرَّعي، وأول اليوم الذي تردُ فيه بعده. وعلى هذا القول يكون يوم عاشوراء

ج 9 ص 552

هو اليوم التَّاسع. وإليه ذهب ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

فقد روى مسلم من حديث الحكم بن الأعرج انتهيت إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما وهو متوسِّد رداءه في زمزم فقلت له أخبرني عن يوم عاشوراء، قال إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح اليوم التَّاسع صائمًا، قلت أهكذا كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال نعم. وهذا ظاهره أنَّ يوم عاشوراء هو اليوم التَّاسع.

وفي «المصنَّف» عن الضحَّاك عاشوراء يوم التَّاسع. وفي «الأحكام» لابن بزيزة اختلفت الصَّحابة رضي الله عنهم فيه هل هو اليوم التَّاسع أو اليوم العاشر أو اليوم الحادي عشر؟ وفي «تفسير أبي اللَّيث السمرقندي» عاشوراء يوم الحادي عشر، وكذا ذكره المحبُّ الطَّبري، وقد أخرج حديث مسلم المذكور التِّرمذي أيضًا. وأخرج عقيبه فقال حدَّثنا قتيبة ثنا عبد الوارث، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء اليوم العاشر. قال أبو عيسى حديث ابن عبَّاس حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

أقول حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما الأوَّل رواه مسلم وأبو داود والتِّرمذي، والثَّاني انفرد به التِّرمذي وهو منقطع بين الحسن البصري وابن عبَّاس رضي الله عنهما فإنَّه لم يسمع منه. وقول التِّرمذي حديث حسن صحيح، لم يوضِّح مراده أيَّ حديثي ابن عبَّاس أراد.

وقد فهم أصحاب «الأطراف» أنَّه أراد تصحيح حديثه الأوَّل فذكروا كلامه هذا عقيب حديثه الأوَّل، فتبيَّن أنَّ الحديث الثَّاني منقطع وشاذ أيضًا؛ لمخالفته الحديث الصَّحيح المتقدِّم.

لكن قال الزَّين ابن المنيِّر قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما في رواية فإذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائمًا، أراد به العاشر؛ لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح من تاسعه إلَّا إذا نوى الصَّوم من اللَّيلة المقبلة وهو اللَّيلة العاشرة.

قال الحافظ العسقلاني ويقوِّي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضًا من وجه آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التَّاسع، فمات قبل ذلك. فإنَّه ظاهر في أنَّه صلى الله عليه وسلم

ج 9 ص 553

كان يصوم العاشر وهمَّ بصوم التَّاسع فمات قبل ذلك، ثمَّ ما همَّ به من صوم التَّاسع يحتمل معناه أنَّه لا يقتصر عليه، بل يضيفه إلى اليوم العاشر احتياطًا، أو مخالفة لليهود كما ورد في رواية أخرى (( فصوموا التَّاسع والعاشر ) ). وذكر رزين هذه الرِّواية عن عطاء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنه.

وقيل معنى قوله نعم، كان يصوم التَّاسع لو عاش إلى العام المقبل. وقيل معنى قوله نعم، ما روي من عزمه صلى الله عليه وسلم على صوم التَّاسع من قوله (( لأصومنَّ التَّاسع ) ).

قال أبو عمر وهذا دليل على أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يصوم العاشر إلى أن مات، ولم يزل يصومه حتَّى قدم المدينة، وذلك محفوظ، والآثار في هذا الباب عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مضطربة. وقد استحبَّ قوم صيام اليومين جميعًا، روي ذلك عن أبي رافع صاحب أبي هريرة رضي الله عنه، وابن سيرين، وبه يقول الشَّافعي وأحمد وإسحاق.

وروي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه كان يصوم اليومين خوفًا أن يفوته، وكان يصومه في السَّفر، وفعله ابن شهاب، وصام أبو إسحاق عاشوراء ثلاثة أيَّام يومًا قبله ويومًا بعده في طريق مكَّة وقال إنَّما أصوم قبله وبعده كراهية أن يفوتني. وكذا روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا أنَّه قال صوموا قبله يومًا، وبعده يومًا، وخالفوا اليهود.

وفي «المحيط» وكره إفراد يوم عاشوراء بالصَّوم لأجل التشبُّه باليهود. وفي «البدائع» وكره بعضهم إفراده بالصَّوم، ولم يكرهه عامَّتهم؛ لأنَّه من الأيَّام الفاضلة.

ثمَّ إنَّ لفظ عاشوراء وزنه فاعولاء. قال أبو منصور اللُّغوي عاشوراء ممدود ولم يجئ فاعولاء في كلام العرب إلَّا عاشوراء، والضَّاروراء والسَّاروراء للضرَّاء والسرَّاء، والدَّالولاء للدالَّة، وخابوراء اسم موضع.

وقال الجوهري يوم عاشوراء وعاسوراء ممدودان. وفي «تثقيف اللسان» للحميري عن أبي عمرو الشَّيباني عاشوراء بالقصر. وعن أبي عمر أنَّه قال ذكر سيبويه فيه القصر والمد بالهمز، وأهل الحديث تركوه. وقال الخليل بنوه على فاعولاء ممدودًا؛ لأنها كلمة عبرانيَّة.

وفي «الجمهرة» هو اسم إسلامي لا يعرف في الجاهليَّة؛ لأنه لا يعرف في كلامهم فاعولاء، وردَّ ذلك عليه ابنُ دحية بأنَّ ابن الأعرابي حكى أنَّه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة رضي الله عنها

ج 9 ص 554

إنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يصومونه. انتهى. وهذا الأخير لا دَلالة فيه على ردِّ ما قاله صاحب «الجمهرة» ابن دريد.

نعم؛ قالوا إنَّ عاشوراء كان يسمَّى في الجاهليَّة، ولا يعرف إلَّا بهذا الاسم. وفي «القاموس» العاشوراء والعشوراء ويقصران، والعاشور عاشر المحرم أو تاسعه. انتهى.

ثمَّ إنَّ العلماء اختلفوا في تسمية هذا اليوم عاشوراء فقيل لأنَّه عاشر المحرَّم، وهو ظاهر. وقيل لأنَّ الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء عليهم السَّلام بعشر كرامات

الأوَّل موسى عليه السَّلام؛ فإنَّه نصر فيه، وفلق البحر له، وغرَّق فرعون وجنوده.

الثَّاني نوح عليه السَّلام، استوت سفينته على الجودي فيه.

الثَّالث يونس عليه السَّلام، نجا فيه من بطن الحوت.

الرَّابع آدم عليه السَّلام، تاب الله تعالى عليه فيه، قاله عكرمة.

الخامس يوسف عليه السَّلام؛ فإنَّه أخرج من الجبِّ فيه.

السَّادس عيسى عليه السَّلام؛ فإنَّه ولد فيه، وفيه رفع إلى السَّماء.

السَّابع داود عليه السَّلام، فيه تاب الله عليه.

الثَّامن إبراهيم عليه السَّلام؛ فإنَّه ولد فيه.

التَّاسع يعقوب عليه السَّلام، فيه ردَّ بصره.

العاشر نبينا محمَّد عليه السلام، فيه غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، هكذا ذكروا، والله أعلم.

وقد ذكر بعضهم من العشرة إدريس عليه السَّلام فإنَّه رفع فيه مكانًا عليًّا، وأيُّوب عليه السَّلام فيه كشف الله ضرَّه، وسليمان عليه السَّلام فيه أعطي الملك.

ثمَّ إنَّ العلماء اتَّفقوا على أنَّ صوم يوم عاشوراء اليومَ سنَّة وليس بواجب، واختلفوا في حكمه في أوَّل الإسلام فقال أبو حنيفة رحمه الله كان واجبًا.

واختلف أصحاب الشَّافعي على وجهين أشهرهما أنَّه لم يزل سنَّة من حين شرع، ولم يك واجبًا قطُّ في هذه الأمَّة، ولكنَّه كان يتأكَّد الاستحباب، فلمَّا نزل صوم رمضان صار مستحبًّا دون ذلك الاستحباب.

والثَّاني أنَّه كان واجبًا؛ كقول أبي حنيفة رحمه الله.

وقال القاضي عياض كان بعض السَّلف يقول كان فرضًا، وهو باقٍ على فرضيَّته لم تنسخ. قال وانقرض القائلون بهذا، وحصل الإجماع على أنَّه ليس بفرض إنَّما هو مستحبٌّ، وقد نقل هذا الإجماع ابن عبد البرِّ أيضًا، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكره قصده بالصَّوم، وبه قال جماعة ثمَّ انقرض القول بذلك أيضًا.

وقد ورد في فضل صومه أحاديث، منها ما روى التِّرمذي من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 9 ص 555

قال (( صيام يوم عاشوراء إنِّي أحتسب على الله أن يكفِّر السَّنة التي قبله ) ). ورواه مسلم وابن ماجه أيضًا.

ومنها ما رواه ابن أبي شيبة بسندٍ جيِّدٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه (( يوم عاشوراء تصومه الأنبياء عليهم السَّلام فصوموه أنتم ) ). ومنها ما رواه القاضي يوسف في كتاب «الصيام» له قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( ليس ليومٍ فضل على يوم في الصِّيام إلَّا شهر رمضان ويوم عاشوراء ) ).

ومنها ما روى التِّرمذي من حديث عليٍّ رضي الله عنه سأل رجل النَّبي صلى الله عليه وسلم أيَّ شيء تأمرني أن أصوم بعد رمضان؟ قال (( صم المحرَّم فإنَّه شهر الله، وفيه تابَ الله على قوم ويتوب فيه على قوم آخرين ) ). وقال حسن غريب.

وعند النقَّاش في كتاب «عاشوراء» (( من صام عاشوراء، فكأنَّما صام الدَّهر كله وقام ليله ) )، وفي لفظ (( من صامه يحتسب له بألف سنة من سنيِّ الآخرة ) ).

وأمَّا ما ورد في صلاة ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء فلا يصحُّ، وحديث جويبر عن الضحَّاك، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما رفعه (( من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد به أبدًا ) ). موضوعٌ، وضعه قتلة الحسين رضي الله عنه. وقال الإمام أحمد والاكتحال يوم عاشوراء لم يُروَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أثر، وهو بدعة. وفي «التَّوضيح» ومن أغرب ما روي فيه أنَّه صلى الله عليه وسلم قال في الصَّرد إنَّه أوَّل طائر صام عاشوراء، وهذا من قلة الفهم، فإنَّ الطَّائر لا يوصف بالصَّوم. قال الحاكم وضعه قتلة الحسين رضي الله عنه.

وقال العيني إطلاق الصَّوم للطَّائر ليس على وجه الصَّوم الشَّرعي حتَّى ينسب قائله إلى قلَّة الفهم، وإنَّما غرضه أنَّ الطَّائر أيضًا يمسك عن الأكل يوم عاشوراء تعظيمًا له، وذلك بإلهام من الله تعالى، فيدلُّ ذلك على فضله بهذا الوجه، لكن الكلام في ثبوته، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت