17 - (بِسْمِ [1] اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. بابُ مَا جَاءَ فِي أسْمَاءِ النَّبِيِّ) وفي بعض النُّسخ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والمراد بالأسماء هنا ألفاظٌ تطلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمُّ من كونه عَلَمًا، أو وصفًا. وقد نقل أبو بكر ابن العربي في كتاب « [عارضة] الأحوذي في شرح جامع الترمذي» عن بعضهم أنَّ لله عزَّ وجلَّ ألف اسمٍ، وللنَّبي صلى الله عليه وسلم ألف اسمٍ، ثمَّ ذكر منها على سبيل التَّفصيل بضعًا وستين، وسيأتي بقيَّة الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
(وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) بالجرِّ عطفًا على قوله «ما جاء» ( {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} [الفتح 29] ) هذا بعض آيةٍ من آيات سورة الفتح، قال الله تعالى {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى} بالقرآن أو المعجزة؛ أي ملتبسًا به، أو بسببهِ، أو لأجله {وَدِينِ الْحَقِّ} أي وبدين الإسلام والملة الحنيفيَّة {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [الفتح 28] أي ليعليه على جنس الدِّين كلِّه من الأديان المختلفة من أديان المشركين والجاحدين وأهل الكتاب بنسخ ما كان حقًّا وإظهار فساد ما كان باطلًا، أو بتسليطِ المؤمنين على أهلهِ، ولقد حقَّق ذلك سبحانه وتعالى فإنَّك لا ترى دينًا قطُّ إلَّا وللإسلام دونه العز والغلبة. وقيل هو عندَ نزول عيسى عليه السَّلام حين لا يَبقى على وجهِ الأرض كافرٌ، وقيل هو إظهارهُ بالحججِ والآيات.
وفي هذه الآية توكيدٌ لما وُعِد من الفتح، وتوطينٌ لنفوس المؤمنين على أنَّ الله سيفتح لهم من البلاد ويقيضُ لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلُّون بالنِّسبة إليه فتح مكَّة، ويقال إنَّ الضَّمير المرفوع في {لِيُظْهِرَهُ} إلى الله سبحانه وتعالى، والمنصوب راجعٌ إلى الرَّسول صلى الله عليه وسلم والمضاف محذوفٌ؛ أي ليعلي دِينه، أو باعتبار أنَّ إعلاءه كناية عن إعلاءِ دينه.
وإمَّا إلى الدِّين، ويجوز أن يكون الضَّمير المرفوع راجعًا إلى الرَّسول صلى الله عليه وسلم وضمير المفعول إلى دينه.
{وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح 28] على أنَّ ما وعده كائنٌ، أو على نبوَّته بإظهار المعجزات، وعن الحسن شهد على نفسه أنَّه سيظهر دين محمَّد صلى الله عليه وسلم.
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} جملةٌ مبيِّنة للمشهود به، فقوله {مُحَمَّدٌ} مبتدأٌ و {رَسُولُ اللَّهِ} خبرُه أو قوله {مُحَمَّدٌ} خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛
ج 16 ص 1
أي هو محمَّد؛ لتقدم قوله {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} و {رَسُولُ اللَّهِ} عطف بيانٍ له، ويجوز أن يكون قوله {مُحَمَّدٌ} مبتدأ.
وقوله {وَالَّذِينَ مَعَهُ} أي أصحابه عطفًا على المبتدأ و {رَسُولُ اللَّهِ} عطفُ بيان له، والخبر قوله تعالى {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} جمع شديد، ومعناه يُغلِظون على الكفَّار، وعلى من خالفَ دينهم وإن كانوا آباءهُم أو أبناءهُم.
{رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} جمع رحيم؛ أي يتراحمونَ فيما بينهم، كقوله تعالى {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة 54] .
وعن الحسن بلغ من تشدُّدهم على الكفَّار أنَّهم كانوا يتحرَّزون من ثيابهم أن تلزقَ بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمسَّ أبدانهم، وبلغَ من تراحمهم فيما بينهم أنَّه كان لا يرى مؤمنٌ مؤمنًا إلَّا صَافحه وعانقه [2] .
والمصافحة لم يختلف فيها الفقهاء، وأمَّا المعَانقة فقد كرهها أبو حنيفة، وكذلك التَّقبيل، قال لا أحبُّ أن يقبِّلَ الرَّجل من الرَّجل وجهَه ولا يدَهُ ولا شيئًا من جسدِهِ، وقد رخَّص أبو يوسف في المعانقة، ومن حقِّ المسلمين في كلِّ زمانٍ أن يراعوا هذا التَّشدد، وهذا التَّعطف فيتشدَّدوا على من ليس على ملَّتهم ودينهم ويتحاموه، ويعاشروا إخوتهم في الإسلام مُتعطِّفين بالبرِّ والصِّلة وكفِّ الأذى والمعونة والاحتمال والأخلاق السَّجيحة.
{تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} فإنَّهم مشغولون بالصَّلاة في أكثر أوقاتهم {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} يطلبون الثَّواب والرِّضا {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} يريد السِّمة التي تحدث في جباههم من كثرة السُّجود، وقوله {مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} يفسِّرها فهو صفة موضحة لها، ويجوز أن تكون حالًا من المنويِّ في الخير. وقيل المراد بـ {سِيمَاهُمْ} نورٌ وبياض في وجوههم يوم القيامة، كما قال تعالى {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران 106] فإنَّه قيل تكون مواضع السُّجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر، وقيل هي استنارةُ وجوههم في الدُّنيا من كثرةِ صلاتهم بالليل، كما روي أنَّ من كثر صلاته باللَّيل حسُن وجهُه بالنَّهار، وقيل هي السِّمة الحسنة من الخشوعِ والتَّواضع؛ يعني أنَّ كثرة السُّجود أورثهُم الخشوع والتَّواضع.
(وَقَوْلِهِ) بالجرّ عطفًا على قوله الأول {مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ} [الصف 6] وهذا أيضًا بعض آيةٍ من آيات سورة الصَّف، قال الله تعالى {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} ولعلَّه لم يقل يا قوم، كما قال موسى؛ لأنَّه لا نسب له فيهم.
{إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا} في حال تصديقي لما تقدَّمني من التَّوراة
ج 16 ص 2
وتبشيري {بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي} والعامل في الحالين ما في الرَّسول من معنى الإرسال لا الجار؛ لأنَّه لغوٌ إذ هو صلة للرَّسول فلا يعمل.
{اسْمُهُ أَحْمَدُ} يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، والمعنى ديني التَّصديق بكتب الله وأنبيائه، فذكر أوَّل الكتب المشهورة الذي حكم به النَّبيون، والنَّبي الذي هو خاتم المرسلين.
وعن كعب أنَّ الحواريين قالوا لعيسى عليه السَّلام يا روحَ الله فهل بعدنا من أمَّة؟ قال نعم أمَّة أحمد حُكماء علماءَ أبرارَ أتقياء، وكأنَّه أشار بهاتين الآيتين إلى أنَّ أشهرَ أسماء النَّبي صلى الله عليه وسلم محمد وأحمد.
فمحمَّد من باب التَّفعيل للمبالغة، وأحمد من باب التَّفضيل، وقيل معناهما إذا حمدَني أحدٌ فأنت أحمد، وإذا حمدتُ أحدًا فأنت محمَّد.
قال الحافظ العسقلاني أمَّا أحمد فإنَّه علم منقولٌ من صفته، وهي أفعل التَّفضيل ومعناه أحمد الحامدين، وسبب ذلك ما ثبت في «الصحيح» أنَّه يفتح عليه في المقامِ المحمود بمحامدَ لم يفتح بها على أحدٍ قبله.
وأمَّا محمَّد فهو منقولٌ من صفته أيضًا، وهو بمعنى محمود، وفيه معنى المبالغة، والمحمد الذي حمدَ مرَّةً بعد مرَّةٍ كالممدح.
قال الأعشى
~إِلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ وَجِيفُهَا إِلَى الْمَاجِدِ الْقَرَمِ [3] الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ
أي الذي حمد مرَّةً بعد مرَّةٍ، أو الذي تكاملتْ فيه الخصال المحمودة.
وقال القاضِي عياض كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحمد قبل أن يكون محمدًا، كما وقع في الوجود؛ لأنَّ تسميتَه أحمد وقعت في الكتب السَّالفة، وتسميتُه محمدًا وقعت في القرآن العظيم، وذلك أنَّه حمد ربَّه قبل أن يحمده النَّاس، وكذلك في الآخرة يحمد ربَّه فيُشفِّعه فيحمده النَّاس.
وقد خُصَّ بسورة الحمد، ولواء الحمد، والمقام المحمود، وشرع له الحمد بعد الأكل وبعد الشُّرب، وبعد الدُّعاء، وبعد القدوم من السَّفر، وسمِّيت أمَّته الحمادين، فجمعت له معاني الحمد وأنواعه، وقيل اسمه في السَّماوات أحمد، وفي الأرضين محمودٌ،
ج 16 ص 3
وفي الدُّنيا محمد.
وقيل الأنبياء كلُّهم حمَّادون لله تعالى ونبينا صلى الله عليه وسلم أحمد؛ أي أكثر حمدًا لله تعالى منهم، وقيل الأنبياء كلُّهم محمودون ونبينا صلى الله عليه وسلم أحمد؛ أي أكثر مناقبًا وأجمع للفضائل.
[1] في هامش الأصل قد بدئ في هذه القطعة السادسة عشر من شرح البخاري ليلة الخميس الخامس من شهر رجب المنسلك في عقد شهور السنة الرابعة والأربعين بعد المائة والألف يسر الله تعالى إتمامها وإتمام ما يتلوها إلى آخر الكتاب بحرمة النبي والآل والأصحاب صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
[2] في هامش الأصل قال صلى الله عليه وسلم (( من صافح أخاه المسلم وحرك يده تناثرت ذنوبه ) )وهي إلصاق صفحة الكف بالكفِّ وإقبال الوجه بالوجه، وأخذ الأصابع ليس بمصافحة والسُّنة فيها أن تكون بكلتا يديهِ، وبغير حائل من ثوب، وعند اللقاء بعد السلام، وأن يأخذ الإبهام، قال صلى الله عليه وسلم (( إذا صافحتم فخذوا الإبهام فإن فيه عرقًا تنشعب منه المحبة ) )، كذا ذكره القهستاني. منه.
[3] كذا في الفتح والصحاح وفي ديوان الأعشى وإرشاد السكري الفرع.