فهرس الكتاب

الصفحة 6796 من 11127

(((12 ) )) (سُوْرَةُ يُوسُفَ) قال في «مقامات التنزيل» سورة يوسف مكيَّة كلها، وما بلغنا فيها اختلاف. وفي «تفسير ابن النَّقيب» عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وقتادة نزلت بمكَّة إلَّا أربع آيات، فإنهنَّ نزلن بالمدينة ثلاث آيات من أولها، والرَّابعة {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} [يوسف 7] . وسببُ نزولها سؤال اليهود عن أمر يعقوبَ ويوسف عليهما السَّلام، وهي مائة وإحدى عشر آية، وألف وسبعمائة وست وسبعون كلمة، وسبعة آلاف ومائة وست وستُّون حرفًا.

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ) لم تثبت البسملة إلَّا في رواية أبي ذرٍّ (وَقَالَ فُضَيْلٌ) مصغَّر فضل _ بالمعجمة _ هو ابنُ عياض بن موسى أبو علي، ولد بسمرقند، ونشأ بأبيورد، وكتب الحديث بكوفة، وتحوَّل إلى مكَّة وأقام بها إلى أن مات بها سنة سبع وثمانين ومائة، وقبره بمكَّة يُزار (عَنْ حُصَينٍ) بضم الحاء المهملة، مصغر حصن، هو ابنُ عبد الرَّحمن السُّلمي (عَنْ مُجَاهِدٍ(( مُتْكًا ) )) بضم الميم وسكون التاء من غير همز، وهي قراءة ابن عبَّاس وابن عمر ومجاهد وقَتادة والجَحْدري، وقراءة الجمهور بتشديد التاء وفتح الكاف وبالهمزة المنونة، وكذلك قرأ أبو جعفر، لكن من غير همز، وعن الحسن (( مُتَّكَاءً ) )بالمدِّ، كأنَّه مفتعال بإشباع فتحة الكاف، كقوله بمنتزاح، بمعني بمنتزح، إشارة إلى قوله تعالى {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} [يوسف 31] ، وفسَّره مجاهد بقوله «الأُتْرُجُّ» ، بضم الهمزة وسكون التاء وضم الراء وتشديد الجيم. وفي رواية أبي ذرٍّ بزيادة نون بعد الراء وتخفيف الجيم لغتان.

(قَالَ فُضَيلٌ الأُتْرُجُّ بِالحَبَشَةِ) أي بلسان الحبشة (مُتْكًَا) وسقط قوله في رواية أبي ذرٍّ.

ج 20 ص 27

وروى التَّعليق الأوَّل ابن المنذر عن يحيى بن محمَّد بن يحيى حدَّثنا مسدَّد نا يحيى بن سعيد، عن فُضيل بن عياض، عن حُصين، به. وفي رواية معاذ بن المثنَّى، عن مسدَّد، عن فضيل، عن حصين، عن مجاهد في قوله تعالى {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} قال أترج.

وفي «تفسير ابن مردويه» من هذا الوجه أيضًا، فزاد فيه عن مجاهد عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ومن طريقه أخرجه الحافظُ الضياء في المختارة. وروى التَّعليق الثَّاني أبو محمَّد عن أبيه، عن إسماعيل بن عثمان ثنا يحيى بن يمان، عنه.

وقال الزَّمخشري {مُتَّكَأً} ما يُتَّكأ عليه من نمارق، وقيل {مُتَّكَأً} مجلس طعام؛ لأنَّهم كانوا يتَّكئون للطَّعام والشَّراب والحديث كعادة المترفين، ولهذا نهى أن يأكلَ الرَّجل متَّكأ. وعن مجاهد متكأ طعامًا يُحَز حزًا كأنَّ المعنى يعتمد بالسِّكين؛ لأنَّ القاطع يتَّكئ على المقطوع بالسِّكين.

(وَقالَ ابْنُ عُيَينَةَ) هو سفيان بن عُيينة (عَنْ رَجُلٍ) مجهول (عن مُجَاهِدٍ(( مُتْكًا ) )) بضم الميم وسكون التاء من غير همز كالسَّابق. قال في «الكشاف» قال الشَّاعر

~فَأَهْدَتْ مَتْكَةً لِبَنِي أبِيهَا تَخُبُّ بِهَا العثَمْثَمَةُ الْوِقَاحُ

تَخُب من الخب _ بالمعجمة والموحدة _، والعَثمثمة _ بفتح المهملة والمثلثتين _ النَّاقة الشَّديدة، وقيل الأسد. والوَقَاح _ بالواو المفتوحة والقاف وبالمهملة _ الصَّلبة. قال وكانت أهدت زليخا ليوسف عليه السَّلام أترجة على ناقة، وكأنَّها الأترجة التي ذكرها أبو داود في (( سننه ) )أنَّها شقت بنصفين وحملا على جمل كالعدلين.

(كُلُّ شَيءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ) وهكذا رواه سعيد بن عبد الرَّحمن المخزومي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وذلك كالأترج وغيره من الفواكه، قيل من متك الشَّيء بمعنى بتكه إذا قطعَه. فعلى هذا يحتمل أن تكون الميم بدلًا من الباء، وهو مطَّرد في لغة العرب، ويحتمل أن تكون مادة أخرى وافقت هذه، وقرأ الأعرج (( مَتْكَأ ) )على وزن مَفْعَل، من تكأ يتكأ إذا اتكأ. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد المُتَّكَأ _ بالتَّثقيل _ الطَّعام، وبالتخفيف الأترج، والرِّواية الأولى عنه أعمُّ.

(وَقَالَ قَتَادَةُ {لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف 68] وفسَّر قتادة قوله {لَذُو عِلْمٍ} بقوله «عامل بما عَلِم» . رواه ابنُ أبي حاتم عن أبيه ثنا أبو مَعمر إسماعيل بن إبراهيم القطيعي ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، والضَّمير في {وَإِنَّهُ} ليعقوب عليه السَّلام كما يرشدُ إليه قوله تعالى {إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} [يوسف 68] .

(وَقَالَ ابْنُ جُبَيرٍ) هو سعيد بن جُبير ( {صُوَاعَ} ) وفي رواية أبي ذرٍّ < {صُوَاعَ الْمَلِكِ} > بزيادة لفظ {الْمَلِكِ} (مَكُّوْكُ الفَارِسِيِّ) بفتح الميم وتشديد الكاف الأولى المضمومة

ج 20 ص 28

وسكون الواو وآخره كاف أخرى، وهو مكيال معروف لأهل العراق، يسع فيه ثلاث كيلجات.

وقال ابنُ الأثير المكوك اسم للمكيال، ويختلفُ في مقداره باختلاف اصطلاح النَّاس عليه في البلاد. وفي حديث أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضَّأ بالمكوك، المُدُّ، وقيل الصَّاع، ويُجمع على مَكَاكي، على إبدال الياء من الكاف الأخيرة.

وقراءة الجمهور {صُوَاعَ} وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قرأ (( صاع الملك ) ). وعن أبي رجاء (( صَوْعَ ) )بسكون الواو. وعن يحيى بن يعمر مثله بغين معجمة، حكاها الطَّبري.

(الَّذِي يَلتَقِي طَرَفَاهُ كانَتْ تَشْرَبُ بِهَ الأَعَاجِمُ) وقد أشار بهذا التَّعليق إلى قوله تعالى {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} [يوسف 72] وفسَّر {صُوَاعَ} بقوله «مكوك الفارسي» . وقد وصله ابن أبي حاتم من طريق أبي عَوَانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير. وكذا رواه أبو محمَّد عن أبيه ثنا مسدَّد ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عنه.

ورواه ابن منده في (( غرائب شعبة ) )وابن مردويه من طريق عَمرو بن مرزوق، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله {صُوَاعَ الْمَلِكِ} قال كان كهيئة المكوك من فضَّة يشربون فيه، وقد كان للعبَّاس رضي الله عنه مثله في الجاهليَّة. وكذا أخرجه أحمد وابن أبي شيبة عن محمَّد بن جعفر عن شعبة، وإسناده صحيحٌ. وقال ابنُ زيد كان كأسًا من ذهب.

وقال ابنُ إسحاق كان من فضَّة مرصَّعة بالجواهر، جعلها يوسف عليه السَّلام مكيالًا لا يُكال بغيرها، وكان يشرب فيها. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان قدحًا من زبرجد.

(وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {تُفَنِّدُونِ} تُجَهِّلُونِ) أشار به إلى قوله تعالى {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} وفسَّر {تُفَنِّدُونِ} بقوله «تُجَهِّلون» . روى ابن أبي حاتم من طريق أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهُدْيل، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله {لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} أي تُسفهون. وكذا قال أبو عُبيدة، معناه لولا أن تُسفِّهون. وكذا أخرجه عبد الرَّزاق، وأخرج أيضًا عن مَعمر عن قتادة مثله.

وأخرجه

ج 20 ص 29

ابن مَرْدويه من طريق ابن أبي الهُذيل أيضًا بأتم منه قال في قوله تعالى {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} لما خرجت العير هاجت ريح، فأتت يعقوب بريح يوسف عليه السَّلام، فقال {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} [يوسف 94] قال لولا أن تُسفهون، قال فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة أيَّام. وقال مجاهد لولا أن تقولوا ذهب عقلك. وقوله {تُفَنِّدُونِ} مأخوذ من الفَنَد محرَّكًا، وهو الهرم.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي غير ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفي رواية أبي ذرٍّ سقط قوله فأوهم أنَّه من كلام ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وليس كذلك، وإنَّما هو كلام أبي عُبيدة، فالصَّواب ثبوت (( وقال غيره ) ).

( {غَيَابَة} ) بالرفع، وفي نسخة بالجرِّ على الحكاية، وفي أخرى (كَلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيئًا فَهُوَ غَيَابَةٌ) أشار به إلى قوله تعالى {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} [يوسف 10] . وقوله «كل شيء» مبتدأ. وقوله «غيَّب عنك» ، في محلِّ الجرِّ صفة شيء. وقوله «فهو غيابة» ، جملة اسمية وقعت خبر المبتدأ [أو المبتدأ] دخلت الفاء في خبره؛ لتضمُّنه معنى الشَّرط. وقوله {غَيَابَةِ الْجُبِّ} ؛ أي قعر الجبِ وظُلمته، حيث يغيب خبره. قال الكلبي لأنَّ أسفله واسعٌ، ورأسه ضيِّق، فلا يكاد النَّاظر يرى ما في جوانبه. وقال قَتادة أسفله، وأصلها من الغيبوبة.

(وَالجُبُّ) بضم الجيم وتشديد الموحدة (الرُّكِيَّةُ الَّتِي لَم تُطْوَ) أي البئر التي لم تطو، وكذا القليب البئر قبل أن تطوى، وسُمِّيت جبًّا من أجل أنها قطعت قطعًا، ولم يحدثْ لها غير القطع من الطَّي وما أشبهه، وقيل لكونه محفورًا في جيوبِ الأرض؛ أي ما غُلظ منها، واللام في الجبِّ للعهد، فقيل هو جبُّ بيت المقدس، وقيل بأرض الأردن، وقيل على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السَّلام.

( {بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} بِمُصَدِّقٍ) أشار به إلى قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف عليه السَّلام {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف 17] ، وفسَّر قوله {بِمُؤْمِنٍ} بمصدِّق كلامنا. وفي التَّفسير وما أنت بمصدِّق لنا لسوء ظنِّك بنا، وتهمتكَ لنا، وهذا قميصُه ملطَّخ بالدَّم.

( {أَشُدَّهُ} قَبْلَ أَنَّ يَأْخُذَ فِي النُّقْصَانِ، يُقَالُ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ، وَقالَ بَعْضُهُمْ وَاحِدُهَا شَدٌّ) وقد وقع هذا إلى قوله {شَغَفَهَا} في بعض النُّسخ قبل قوله (( وقال قَتادة )

ج 20 ص 30

وقد أشار به إلى قوله تعالى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [يوسف 22] وفسَّر قوله {أَشُدَّهُ} بقوله «قبل أن يأخذَ في النُّقصان» . واختلفوا في قدره

فذكر ابن المنذر عن الشَّعبي وربيعة وزيد بن أسلم ومالك أنَّه الحلم. وعن سعيد بن جُبير ثمانية عشرة سنة، وقيل عشرون، وقيل خمسة وعشرون، وقيل ثلاثون، وقيل ثلاث وثلاثون، قالَه مجاهد، وقيل أربعون، وقيل سبع عشرة سنة، وقيل خمس وثلاثون، وقيل ثمانية وأربعون. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ما بين ثمان عشرة إلى ثلاثين، وقيل ستُّون، وقيل منتهى شبابه وقوَّته.

وقال ابنُ التين الأظهر أنَّه أربعون لقوله تعالى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [القصص 14] ، وذلك أنَّ النَّبي كان لا يُنبَّأ إلَّا بعد أربعين سنة.

وقال الحافظُ العسقلاني وتُعقِّب بأنَّ عيسى عليه السَّلام نُبئ لدون أربعين، ويحيى كذلك لقوله تعالى {وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم 12] ، وكذلك سليمان عليه السَّلام؛ لقوله {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء 79] إلى غير ذلك.

والحقُّ أنَّ المرادَ بالأشد بلوغ زمن الحلم في حقِّ يوسف عليه السَّلام، ولهذا جاء بعده {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} [يوسف 23] . وفي حقِّ موسى عليه السَّلام لعلَّه بعد ذلك كبلوغ الأربعين، ولهذا جاء بعده {وَاسْتَوَى} ووقع قوله {آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} في الموضعين، فدلَّ على أنَّ الأربعين ليست حدًّا لذلك. وقوله يقال بلغ أشدَّه وبلغوا أشدَّهم إشارة إلى أنَّه يضاف إلى المفرد والجمع بلفظ واحد.

وقال أبو عُبيدة هو جمع لا واحدَ له من لفظه، وحكى الطَّبري أنَّه واحد لا نظيرَ له في الآحاد. وقوله «وقال بعضهم واحدُه شدَّ» ، وهو قول الكسائي. وقال سيبويه واحده شدَّة، بالهاء.

(وَالمُتَّكَأُ) بتشديد الفوقية وبالهمز على قراءة الجمهور لما ذكر فيما مضى عن قريب عن مجاهد أنَّ المتكأ الأترج، أنكر ذلك فقال والمتكأ؛ أي الذي في القرآن، والأصوبُ إيراده عقيب ذلك (مَا اتَّكَأْتَ عَلَيهِ لِشَرَابٍ) أي لأجل شرب شراب (أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ، وَأَبْطَلَ الَّذِي قالَ الأُتْرُجُّ) أي هو الأترج؛ أي من قال إن المتكأ بمعنى الأترج؛ فقد قال باطلًا (وَلَيسَ في كَلاَمِ العَرَبِ الأُتْرُجُّ) يعني ليس في كلام العرب تفسير المتكأ بالأترج، وهذا أخذه من كلام أبي عُبيدة. قال

ج 20 ص 31

أَعْتدَتْ، أَفْعلَتْ من العَتَاد، ومعناه {أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} [يوسف 31] ؛ أي نُمْرقًا يُتَّكأ عليه.

وزعم قوم أنَّه ترنج، وهذا أبطلُ باطلٍ في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المتَّكأ ترنج يأكلونه، ويُقال ألقى له متكأً يجلسُ عليه. انتهى.

(فَلَمَّا احْتُجَّ) بضم التاء، على البناء للمفعول (عَلَيهِمْ) أي على القائلين بأنَّه الأترج (بِأَنَّهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (المُتَّكَأُ) بالتشديد (مِنْ نَمَارِقَ) يعني وسائد (فَرُّوا إِلَى شَرٍّ مِنْهُ، فَقَالُوا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو (إِنَّمَا هُو المُتْكُ، سَاكِنَةَ التَّاءِ) مخففة، وساكنة نصب (وَإِنَّمَا المُتْكُ) يعني الضم والسكون (طَرَفُ البَظْرِ) بفتح الموحدة وسكون الظاء المشالة، موضع الختان من المرأة، وقيل البظرُاء التي لا يحبس بولها، وقيل هو ما تبقيه الخاتنة بعد الختان من المرأة.

(وَمِنْ ذلِكَ) أي ومن ذلك اللَّفظ (قِيلَ لَهَا) أي للمرأة (مَتْكاءُ) بفتح الميم وسكون التاء وبالمد، وهي التي لم تختن يُقال لها البظراء (وَابْنُ المَتْكَاءِ) أي ويُعير الرَّجل أيضًا، فيقال له ابنُ المتكاء (فَإِنْ كَانَ ثَمَّ) بفتح المثلثة؛ أي هناك (أُتْرُجٌّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمُتَّكَإِ) أي كان بعده، وفي نسخة من العد.

وقال الحافظُ العسقلاني ما نفاهُ البخاري رحمه الله تبعًا لأبي عُبيدة قد أثبته غيره، فقد روى عبد بن حُميد من طريق عوف الأعرابي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه كان يقرأها (( مُتْكًا ) )مخففة، ويقول هو الأترج، وقد حكاه الفرَّاء، وتبعه الأخفش وأبو حنيفة الدِّينوري والقالي وابن فارس وغيرهم كصاحب (( الجامع ) (( الصِّحاح ) ). انتهى.

وأنشدوا

~فنَشْرَبُ الْإِثْمَ بِالصُّوَاعِ جِهَارًا وَتَرَى الْمُتْكَ بَيْنَنَا مُسْتَعَارًا

وفي (( الجامع ) )أنَّ أهل عُمَان يُسمُّون السَّوسن المتك، وقيل بضم أوله الأترج، وبفتحه السَّوسن. والحاصل أنَّ المُتْك _ بالضم والسكون _ هو الذي فسَّره مجاهد وغيره بالأترج، وهي قراءة شاذَّة، وأمَّا القراءة المشهورة فهو ما يتكَّأ عليه من وسادة وغيرها، كما جرت عادة الأكابر عند الضِّيافة، وبهذا التَّقرير لا يكون بين النَّقلين تعارض.

وقد روى عبد بن حُميد من طريق منصور عن مجاهد

ج 20 ص 32

قال من قرأها مثقَّلة قال الطَّعام، ومن قرأها مخففة قال الأترج، ثمَّ لا مانع أن يكون المتك المخفف مشتركًا بين الأترج، وطرف البظر.

قال الكرمانيُّ واعلم أنَّ البخاري يريد أن يُبيِّن أن المتكأ في قوله {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} [يوسف 31] اسم مفعول من الاتِّكاء، وليس هو متكأ بمعنى الأترج، ولا بمعنى طرف الفرج، فجاء فيها بعبارات معجرفة. وقال الحافظُ العسقلاني كذا قال، فوقع في أشد ممَّا أنكره؛ فإنَّها إساءة على مثل هذا الإمام لا تليق بمن يتصدَّى لشرح كلامه، والله الموفِّق.

( {شَغَفَهَا} يُقَالُ بَلَغَ إِلَى شِغَافِهَا) ضبطه المحدِّثون بكسر المعجمة، وعند أهل اللُّغة بالفتح، وقد سقط لفظ في رواية أبي ذرٍّ (وَهْوَ غِلاَفُ قَلْبِهَا، وَأَمَّا شَعَفَهَا) بالعين المهملة، وهي قراءةُ الحسن، وابن محيصن، وأبو رجاء، والأعرج، وعوف، ورويتْ عن عليٍّ رضي الله عنه، والجمهورُ بالمعجمة (فَمِنَ الْمَشْعُوفِ) وفي نسخة أشار به إلى قوله تعالى {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} [يوسف 30] ، وفسَّره بقوله «يُقال بلغ إلى شغافها» ؛ أي قد شَغَف يوسف زُليخا؛ يعني بلغ حبُّها شِغافها، وفسَّر الشِّغاف بغلاف قلبها. وقال أبو عُبيدة في قوله تعالى {شَغَفَهَا حُبًّا} أي وصل الحبُّ إلى شغافِ قلبها، وهو غلافُه. قالَ وقرأ قوم (( شَعَفَهَا ) )؛ أي بالعين المهملة، فهو من المشعوف. انتهى.

وغلاف القلبِ جلدةٌ رقيقةٌ مُلتصقة بالقلب، وقيل الشِّغاف حبَّة القلب، وقيل علقة سوداء في صميمه، والمعنى أنَّ اشتغالها بحبِّه صار حجابًا بينها وبين كلِّ ما سوى المحبَّة، فلا يخطرُ ببالها سواه. وقوله (( وأمَّا شَعَفَها ) )يعني بالمهملة «فمن المشعوف» ، يُقال فلان مشعوفٌ بفلان إذا بلغَ به الحب أقصى المذاهب، ويُقال فلانٌ شعفَه الحب؛ أي أحرقَ قلبه، وهو من شعف البعير إذا هنأه؛ أي طلاهُ بالقطران فأحرقَه، وكشفَ أبو عبيد عن هذا المعنى، فقال الشَّعف _ بالمهملة _ إحراقُ الحب القلب مع لذَّة يجدها، كما أنَّ البعير إذا طُلي بالقطران بلغ منه مثل ذلك، ثمَّ يسترجعُ إليه؛ يعني لاستلذاذه.

وحكى الطَّبري عن

ج 20 ص 33

عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم أنَّ الشَّعَف _ بالعين المهملة _ البغض، وبالمعجمة الحب، وغلَّطه الطَّبري وقال إنَّ الشَّعف _ بالمهملة _ بمعنى الحب أشهر من أن يجهله ذو علم بكلامهم.

( {أَصْبُ} أَمِيلُ) وفي نسخة زيادة قوله أشارَ به إلى قوله تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السَّلام {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} [يوسف 33] ، وفسَّر {أَصْبُ} بقوله «أميل» ؛ أي أميل إلى أهوائهنَّ، يُقال صبا إلى اللَّهو يصبوا صبوًا إذا مال إليه. قال الشَّاعر

~إِلَى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِي

ومنه سُمِّي الصَّبي؛ لأنَّه يميل إلى كلِّ شيء.

( {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} ) وفي رواية أبي ذرٍّ سقط لفظ (مَا لاَ تَأْوِيلَ لَهُ) أشار به إلى قوله تعالى {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} [يوسف 44] ، وفسَّر قوله {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} بقوله «ما لا تأويل له» ؛ لأنَّه من الأخلاط.

وروى عبد الرَّزاق عن مَعمر عن قتادة في قوله {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} قال أخلاطُ أحلام. ولأبي يعلى من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال هي الأحلامُ الكاذبة؛ يعني الرؤيا الكاذبة التي لا أصلَ لها.

(وَالضِّغْثُ) بكسر الضاد وسكون الغين المعجمتين، وسقط الواو من قوله في رواية أبي ذرٍّ (مِلْءُ الْيَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ) سواء كان جنسًا واحدًا، أو أجناسًا مختلطة، وخصَّه في «الكشاف» بما جُمع من أخلاط النَّبات وحُزم، فاستعير لذلك؛ أي استعيرت الأضغاث للتَّخاليط والأباطيل، والجامع الاختلاط من غير تمييز بين جيِّد ورديءٍ، والإضافة في أضغاث أحلام بمعنى من، والتَّقدير أضغاثٌ من أحلام.

(وَمِنْهُ {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} لاَ مِنْ قَوْلِهِ {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} ، وَاحِدُهَا ضِغْثٌ) كذا وقع في رواية أبي ذرٍّ، وتوجيهه أنَّه أراد أن الضِّغث واحدُ الأضغاث، وهو ملءُ اليد من حشيشٍ وما أشبهه، وأراد أنَّ ضِغثًا في قوله {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} [ص 44] بمعنى ملءِ اليد من الحشيشِ، لا بمعنى ما لا تأويل له من الرُّؤيا، وذلك في قصَّة أيُّوب عليه السَّلام.

ج 20 ص 34

رُوي أنَّه أخذ عثكالًا من نخلة. رُوي أنَّ زوجته ليا بنت يعقوب، وقيل رحمة بنت إفرائيم بن يوسف ذهبت لحاجة وأبطأتْ، فحلفَ إن برئَ ضربها مائة ضربة، فحلَّل الله يمينه بذلك، وهي رخصةٌ باقية في الحدود، ووقع عند أبي عُبيدة في قوله تعالى {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} واحدها ضِغث _ بالكسر _، وهو ما لا تأويل له من الرُّؤيا، وأراه جماعات تُجمع من الرُّؤيا، كما يُجمع الحشيش، فيُقال ضِغث؛ أي ملء كف منه، وفي آية أخرى {وخذ بيدك ضِغثًا فاضرب به} [ص 44] . انتهى.

( {نَمِيرُ} مِنَ الْمِيرَةِ) أشار به إلى قوله تعالى {هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} [يوسف 65] وإلى أنَّه من المِيرة _ بكسر الميم _؛ أي الطَّعام، والمعنى نجلب إلى أهلنا الطَّعام، يُقال مار أهله يميرهم إذا أتاهُم بطعام. وقال أبو عُبيدة في قوله تعالى {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} من مرت نمير ميرًا، وهي الميرةُ؛ أي نأتيهم ونشتري لهم الطَّعام.

( {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ) أي نزداد على أحمالنا حمل بعيرٍ يُكال له ما حمل بعيره. وروى الفريابيُّ من طريق ابنِ أبي نجيح عن مجاهد قوله {كَيْلَ بَعِيرٍ} ؛ أي كيل حمارٍ، وذكر الثَّعلبي أنَّه لغة يُقال للحمار بعير، وقال ابنُ خالويه في كتاب «ليس» هذا حرفٌ نادر. وذكر مقاتل عن الزَّبور البعير كلُّ ما يُحملُ بالعبرانيَّة، ويُؤيِّد ذلك أنَّ إخوة يوسف عليه السَّلام كانوا من أرض كنعان، وليس بها إبل، كذا قال. وقال ابنُ عادل وكونه البعير المعروف أصحُّ.

( {آَوَى إِلَيْهِ} ضَمَّ إِلَيْهِ) أشار به إلى قوله تعالى {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} [يوسف 69] أي فلمَّا دخل إخوة يوسف عليه السَّلام عليه ضمّ يوسف أخاهُ بنيامين.

رُوي أنَّه أجلس كلَّ اثنين على مائدة، فبقي بنيامين وحدَه، فقال لو كان أخي يوسف حيًّا لأُجلِست معه، فقال يوسف عليه السَّلام بقي أخوكُم وحيدًا، فأجلسه معه على مائدتهِ، وجعل يؤاكلُه، فلمَّا كان اللَّيل أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتًا، وقال هذا لا ثاني له آخذه معي فآواه إليه. قال أبو عُبيدة في قوله {آَوَى إِلَيْهِ} أي ضمَّه، آواهُ إليه فهو يؤوي إليه إيواء.

( {السِّقَايَةُ} مِكْيَالٌ) أشار به إلى قوله تعالى {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} [يوسف 70] وفسَّر السِّقاية بمكيال، وهو الإناءُ الذي كان يوسف عليه السَّلام يشرب به، فجعله

ج 20 ص 35

مكيالًا؛ لئلا يكتالوا بغيره فيظلموا. وروى عبد الرَّزاق عن مَعمر عن قَتادة في قوله تعالى {جَعَلَ السِّقَايَةَ} قال إناء الملك الذي يشرب به، يعني ثمَّ جعلت صاعًا يُكال به.

( {تَفْتَأُ} لاَ تَزَالُ) أشار به إلى قوله تعالى {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} [يوسف 85] أي لا تَفتَأ، فحذف حرف النَّفي. ومنه قول الشَّاعر

~تَاللَّهِ يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُوْ حِيَدٍ بمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَّيَّانُ والآسُ

وقوله فقلت يمين الله أبرح قاعدًا، ويدلُّ على حذفها أنَّه لو كان مثبتًا؛ لاقترن بلام الابتداء، ونون التَّأكيد عند البصريين، أو بأحدهما عند الكوفيِّين، وتقول والله أحبك تريد لا أحبك، وهو من التَّورية، فإن كثيرًا من النَّاس يتبادر ذهنه إلى إثبات المحبَّة، وأشار إلى أن تفتأ بمعنى تزال. قال أبو عُبيدة أي لا تزال تذكره.

وروى الطَّبري عن طريق ابنِ أبي نَجيح عن مجاهد {تَفْتَأُ} أي لا تفتر عن حبِّه. والمعنى إنَّ إخوة يوسف عليه السَّلام قالوا لأبيهم يعقوب عليه السَّلام والله لا تزال تذكر يوسف، ولا تفتر عن حبِّه، {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} الآية [يوسف 85] ، يُقال ما فتأت أذكر ذلك، وما فتأت أفتؤ وأفتأ وفُتُؤًا.

وقال أبو زيد ما فتأت أذكره، وما فتئت أذكره؛ أي ما زلت أذكره، ولا يتكلَّم به إلَّا مع الجحد، وقوله تعالى {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ} أي ما تفتأ. قال العيني والصَّواب لا تفتأ.

( {حَرَضًا} مُحْرَضًا) بضم الميم وفتح الراء (يُذِيبُكَ الْهَمُّ) أشار به إلى قوله تعالى {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} [يوسف 85] . وذكر أنَّ حَرَضًا بمعنى «مُحْرَضًا» على صيغة اسم المفعول، والحرض في الأصل مصدر، ولذلك لا يؤنث ولا يُثنى ولا يُجمع، يُقال هو حرضٌ، وهما حرضٌ، وهم حرضٌ، وهي حرضٌ، ومن العرب من يؤنِّث مع المؤنث، وفسَّره بقوله «يذيبك الهم» ، من الإذابة.

قال أبو عُبيدة الحرض الذي أذابه الحزن أو الحب، وهو في موضع مُحَرَّض، وقيل معناه حتَّى تكون دنفًا، وقيل قريبًا من الموت. وقال الفرَّاء الحرضُ الفاسدُ في جسمهِ وعقلهِ. وعن قتادة حرضًا هرمًا. وعن الضَّحَّاك باليًا ذا بلاء. وعن الرَّبيع بن أنس يابس الجلدِ على العظم. وعن الحسن كالشَّيء المدقوق المكسور، وقيل ساقطًا، وقوله {أو تكون من الهالكين} ؛ أي الميِّتين.

( {تَحَسَّسُوا} تَخَبَّرُوا) أشار به إلى قوله تعالى {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف 87] وفسَّر {تَحَسَّسُوا} بقوله «تخبَّروا» ؛ أي اطلبوا الخبر، وهو تفعلوا من الحسِّ؛ يعني تتبعوا.

ج 20 ص 36

قال أبو عُبيدة في قوله تعالى {اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} يقول تَخَبَّروا والتمسوا في المظان.

وسُئل ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن الفرق بين التحسُّس _ بالحاء المهملة _، والتَّجسس _ بالجيم _ فقال لا يبعدُ أحدهما عن الآخر، إلَّا أن التَّحسس في الخير، والتَّجسس في الشَّرِّ، وقيل بالحاء لنفسه، وبالجيم لغيره، ومنه الجاسوس.

( {مُزْجَاةٍ} قَلِيلَةٍ) أشار به إلى قوله تعالى {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} [يوسف 88] وفسَّرها بقوله قليلة. قال أبو عُبيدة أي يسيرة قليلة، وقيل ردية، وقيل فاسدة. وروى عبد الرَّزاق عن مَعمر عن قَتادة في قوله {مُزْجَاةٍ} قال يسيرة، ولسعيد بن منصور عن عكرمة قال قليلة. واختُلف في بضاعتهم فقيل كانت من صوف ونحوه، وقيل دراهم رديئة لا تروج. وروي عن عكرمة وابن عبَّاس رضي الله عنهما كانت دراهم زيوفًا لا تنفق إلَّا بوضيعة.

وروى عبد الرَّزاق بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وسُئل عن قوله {بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} قال خَلقٍ الغِرارة والحَبْل ورثةُ المتاع.

( {غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ} عَامَّةٌ مُجَلِّلَةٌ) أشار به إلى قوله تعالى {أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ} [يوسف 107] وفسَّر غاشية بقوله عامة؛ أي نقمة عامَّة مجَلِّلة _ بفتح الجيم وكسر اللام الأولى المشددة _ من جلل الشَّيء؛ أي عمه، وهو صفة غاشية. قال أبو عُبيدة غاشية من عذاب الله مجلَّلة، وكذا فسَّره ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وهو تأكيد عامَّة. وروى عبد الرَّزاق عن مَعمر عن قتادة في قوله تعالى {غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ} أي وقيعة تغشاهم. وقال الضَّحَّاك يعني الصَّواعق والقوارع.

- (باب) وليس في معظم النُّسخ لفظ ( {اسْتَيْأَسُوا} [يوسف 80] يَئِسُوا) وزاد في بعض النُّسخ ( {لاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف 87] مَعْنَاهُ الرَّجَاءُ) لم يثبت هذا إلَّا في رواية أبي ذرٍّ عن المستملي والكُشميهني. وأشار بقوله {اسْتَيْئَسُوا} إلى قوله تعالى {فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف 80] ، وفسَّره بقوله «يئسوا» ، وزيادة السين والتاء للمبالغة؛

ج 20 ص 37

أي فلمَّا أيس إخوة يوسف عليه السَّلام من يوسف أن يُجيبَهم إلى ما سألوه خلصوا نجيًا؛ أي خلا بعضُهم ببعض يتناجون، ويتشاورون، ولا يخالطُهم غيرهم.

وقوله {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} أشار به إلى قوله تعالى {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف 87] وقال «معناه الرَّجاء» ؛ أي معنى عدم اليأس الرَّجاء، أو معنى التَّركيب الرَّجاء، إذ لا روح ثمَّة حقيقة، وروح الله رحمته وتنفيسه وفضله، قاله قَتادة والضَّحَّاك. وقال ابنُ زيد من فرج الله، وذلك حكاية عن كلام يعقوب عليه السَّلام لأولاده.

( {خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف 80] اعْتَزَلُوا نَجِيًّا) وثبت هذا في رواية أبي ذرٍّ عن المستملي والكُشميهني، وسقط في رواية غيرهما، ووقع في رواية المستملي بدل اعتزلوا، والصَّواب هو الأوَّل. قال أبو عُبيدة في قوله تعالى {خَلَصُوا نَجِيًّا} أي اعتزلوا نجيًا. وقوله «نجيَّا» حال من فاعل {خَلَصُوا} ؛ أي متناجين فيما يعملون من ذهابهم إلى أبيهِم من غير أخيهِم، إذ النَّجي الذي يتناجَى.

(وَالجَمِيعُ أَنْجِيَةٌ يَتَنَاجَوْنَ، الوَاحِدُ نَجِيٌّ، وَالِاثْنَانِ وَالجَمِيعُ نَجِيٌّ) أي يستوي فيه الواحد والاثنان، والجمعُ والمذكَّر والمؤنث، إمَّا لأنَّه مصدر في الأصل جعل نعتًا كما قيل النَّجوى بمعناه، قال تعالى {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء 47] ونظيره العدل والزُّور، وإمَّا لأنَّه بمنزلة المصادر كالصَّهيل والوحيد، وإمَّا لأنَّه صفة على فعيل كصديق، وإمَّا لأنَّه فعيل بمعنى مفاعل كالعشير والخليطِ بمعنى المعاشر والمخالط، كقوله تعالى {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم 52] أي مناجيًا، وهذا في الاستعمالِ مُفْردٌ مطلقًا، يُقال هم خليطُك وعشيرُك؛ أي مخالطوكَ ومعاشروكَ.

(وَأَنْجِيَةٌ) أي وقد يُجمعُ، فيُقال أنجية على وزن أفعلة، وكان من حقِّه إذا جعل وصفًا أن يُجمعَ على أفعلاء كغني وأغنياء، وشَقِي وأشقياء. وقال البغوي النَّجي يصلحُ للجماعة، كما قال هاهنا، وللواحد كما قال {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم 52] وإنَّما جاز للواحد والجمع؛ لأنَّه مصدر جُعِل نعتًا كالعدلِ، ومثله النَّجوى تكون اسمًا ومصدرًا، قال تعالى {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء 47] أي متناجون. وقال {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} [المجادلة 7] . وقال في المصدر {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} [المجادلة 10] . وقال في «المفاتيح» وأحسنُ الوجوه أن يُقال إنهم تمحَّضوا تناجيًا؛

ج 20 ص 38

لأنَّ من كمل حصول أمر من الأمور فيه وصف بأنَّه صار عين ذلك الشَّيء، فلمَّا أخذوا في التَّناجي إلى غاية الحدِّ صاروا كأنَّهم في أنفسهم نفس التَّناجي وحقيقتُه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت