8 - (باب) قوله عزَّ وجلَّ {يا أيها الذين آمنوا (لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} ) أي مصحوبين بالإذن فهي في موضع الحال، أو إلا بسبب الإذن لكم، فأسقط الباء السببية، وقال القاضي والزَّمخشري إلَّا وقت أن يؤذن لكم، وردَّه أبو حيَّان بأنَّ النُّحاة نصوا على أنَّ أن المصدرية لا تقعُ موقع الظرف، لا يجوز آتيك أن يصيحَ الدِّيك، وإن جاز ذلك في المصدر الصَّريح نحو آتيك صياح الدِّيك.
( {إِلَى طَعَامٍ} ) متعلِّق بقوله {يؤذن} ؛ لأنَّه بمعنى إلَّا أن تدعوا إلى طعام فيؤذنَ لكم فتأكلونَه ( {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} ) أي غير منتظرينَ إناهُ نصب على الحال، فعند الزَّمخشري العامل فيه {يؤذن} وعند غيره مقدرًا أي ادخلوا غير ناظرين إدراكه؛ أي وقت نضجه، والمعنى لا ترقبوا الطَّعام إذا طبخ حتَّى إذا قارب الاشتواء تعرَّضتم للدُّخول، فإن هذا ممَّا يكرهُه الله ويذمُّه. قال ابنُ كثير وهذا دليلٌ على تحريم التطفُّل وذم الطُّفيليين، وأمال حمزة والكسائي وهشام عن ابن عامر إناهُ؛ لأنَّه مصدر أنى الطَّعام إذا أدرك.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نزلتْ في ناس من المؤمنين كانوا يتحيَّنون طعام النَّبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطَّعام إلى أن يدركَ، ثمَّ يأكلون ولا يخرجون، فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتأذَّى منهم فنزلت هذه الآية، وعلى هذا فالآية مخصوصةٌ بهم وبأمثالهم، وإلَّا لما جاز لأحدٍ أن يدخلَ بيوته بالإذن لغير الطَّعام ولا اللَّبث بعد الطَّعام لمهم، ثمَّ إنَّه لا يشترطُ التَّصريح بالإذن، بل يكفِي العلم بالرِّضا كما يشعرُ به قوله {إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} حيث لم يبيِّن الفاعل مع قوله تعالى {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور 61] .
( {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ} ) أي أكلتم الطَّعام ( {فَانْتَشِرُوا} ) فتفرَّقوا واخرجوا من منزله ولا تمكثوا
ج 20 ص 498
( {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} ) عطف على قوله {غير ناظرين} ؛ أي لا تدخلوها إلا أن يُؤذن لكم غير ناظرين ولا مستأنسين؛ أي طالبين الأنسَ لحديث؛ أي لأجل أن يحدِّث بعضكم بعضًا، وكانوا يجلسون بعد الطَّعام يتحدَّثون طويلًا فنهوا عنه ( {إِنَّ ذَلِكُمْ} ) أي المذكور من الانتظار للطَّعام الذي لم يتهيَّأ والاستئناس للحديث ( {كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ} ) لتضييق المنزل عليه وعلى أهله واشتغاله فيما لا يعنيه ( {فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} ) أي من إخراجكم وأن يقول لكم قوموا ( {وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} ) أي لا يترك تأديبكم وحملكم على الحقِّ، فإنَّ إخراجكم حقٌّ ينبغي أن لا يترك حياء، ولهذا نهاكم وزجركُم عن اللَّبث.
وفي «الكشاف» أدَّب الله به الثُّقلاء، وقال السَّمرقندي في الآية حفظُ الأدب، وتعليم الرَّجل إذا كان ضيفًا لا يجعل نفسه ثقيلًا، بل إذا أكلَ ينبغي أن يخرجَ ( {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ} ) أي نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم ( {مَتَاعًا} ) حاجة ( {فَاسْأَلُوهُنَّ} ) المتاع ( {مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} ) أي ستر، وروي أنَّ عمر رضي الله عنه أمر نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فقالتْ زينبُ رضي الله عنها يا ابن الخطَّاب أتغارُ علينا والوحي ينزلُ في بيوتنا، فأنزلَ الله تعالى {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب 53] ، وفي رواية أنَّ عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله، يدخل عليك البرُّ والفاجر فلو أمرت أمَّهات المؤمنين بالحجابِ فنزلت، وقيل إنَّه صلى الله عليه وسلم كان يطعمُ ومعه بعضُ أصحابه، فأصابتْ يد رجل يد عائشة رضي الله عنها فكره النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك فنزلت.
( {ذَلِكُمْ} ) أي الذي شرعته لكم من الحجاب ( {أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} ) من الرَّيب والخواطر الشَّيطانية، فإنَّ العين ربيئة القلب، فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب فهو عند عدم الرُّؤية أظهر، وعدمُ الفتنة حينئذٍ أظهر، وهذه آية الحجاب ( {وَمَا كَانَ لَكُمْ} ) أي وما صحَّ لكم ( {أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} ) أي أن تفعلوا شيئًا يكرهه ( {وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} ) أي من بعد وفاته أو فراقه تعظيمًا له وإيجابًا لحرمته، وفي حديث عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فيما رواه ابن أبي حاتم أنَّ الآية نزلت في رجل همَّ أن يتزوَّج بعض نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم بعده، قال رجل لسفيان أهي عائشة رضي الله عنها؟ قال فذكروا ذاك،
ج 20 ص 499
وكذا قال مقاتل وعبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السُّدي أنَّ الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه حتَّى نزلَ التنبيه على تحريم ذلك ( {إِنَّ ذَلِكُمْ} ) أي إيذائهِ ونكاح نسائه ( {كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} ) أي ذنبًا عظيمًا، وقد سقطَ في رواية أبي ذرٍّ قوله < {غَيْرَ نَاظِرِينَ} >. .. إلى آخره وقال بعد قوله {إِلَى طَعَامٍ} .
(يُقَالُ إِنَاهُ إِدْرَاكُهُ) أي إدراك وقت الطَّعام وبلوغه (أَنَى) بفتح الهمزة والنون (يَأْنِي) بسكون الهمزة وكسر النون (أَنَاةً) بفتح الهمزة والنون مخففًا وآخره هاء تأنيث بغير مدٍّ مصدر، وفي رواية ابن عساكر بهمزة من غير هاء تأنيث، وزاد أبو ذر قال أبو عبيدة في قوله {إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} ؛ أي إدراكه وبلوغه، ويُقال أَنَى يأني أَنيًا؛ أي بلغ وأدرك، قال الشَّاعر
~تَمَخَّضَتِ الْمَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ أَنَى وَلِكُلِ حَامِلَةٍ تَمَامُ
وقوله أَنْيًا _ بفتح الهمزة وسكون النون _ مصدر أيضًا، وقرأ الأعمش وحدَه (( آناه ) )بمدِّ أوله بصيغة الجمع مثل آناء اللَّيل، لكن بغير همز في آخره، وقال العينيُّ أناة ليس بمصدر أنى يأني الذي قاله البخاري، فإن مصدره إنى؛ أِي حان، وأنى أيضًا أدرك، قال تعالى {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} ويقال أيضًا أَنَى الحميم؛ أي انتهى حرُّه قال تعالى {حَمِيمٍ آَنٍ} [الرحمن 44] وآناه يُؤنيه إِيناء أخَّره وحبسه وأبطأه، وآناء اللَّيل ساعاته، قال الأخفشُ واحدها إِنىً مثل مِعىً، وقيل واحدها إنْي وإنْو.
( {لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} ) أشار به إلى قوله تعالى {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب 63] وقوله {يَسْأَلُكَ النَّاسُ} أي المشركون (( عن السَّاعة ) )؛ أي عن وقت قيامها استعجالًا على سبيل الهزء، واليهود كانوا يسألون امتحانًا؛ لأنَّ الله تعالى عمَّى وقتها في التَّوراة وفي كلِّ كتاب، ثمَّ بيَّن الله تعالى لرسوله أنَّها قريبة الوقوع تهديدًا للمستعجلين، ثمَّ إنَّ القياس أن يقول قريبة بالتاء، فأجاب
ج 20 ص 500
البخاري رحمه الله بقوله
(إِذَا وَصَفْتَ صِفَةَ الْمُؤَنَّثِ قُلْتَ قَرِيبَةً) بالتاء (وَإِذَا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا) قال الكرمانيُّ أي اسمًا زمانيًا (وَبَدَلًا) أي عن الصِّفة يعني جعلته اسمًا مكان الصِّفة (وَلَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ) أي ولم تقصد الوصفيَّة (نَزَعْتَ الْهَاءَ مِنَ الْمُؤَنَّثِ) فقلت قريبًا (وَكَذَلِكَ لَفْظُهَا) أي لفظ الكلمة المذكورة إذا لم تقصد الوصفيَّة (فِي الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ، لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى) أي يستوي في لفظها المذكر والمؤنث والمثنى والجمع، هكذا وقع هذا الكلام هاهنا لأبي ذرٍّ والنَّسفي، وسقط لغيرهما وهو أوجه؛ لأنَّه وإن اتَّجه ذكره في هذه السُّورة لكن ليس هذا محلُّه؛ لأن الأحاديث التي ذكرها بعد هذا كلَّها متعلِّقة بالتَّرجمة التي ذكرت قبله، والفاصل بينهما كالفاصل بين العصا ولحائها.
وقال أبو عبيدة في قوله تعالى {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب 63] مجازه مجاز الظَّرف هاهنا ولو كان وصفًا للسَّاعة لكان قريبة، وإذا كانت ظرفًا فإنَّ لفظها في الواحد وفي الاثنين والجمع من المذكَّر والمؤنث واحدٌ بغير هاء وبغير جمع وبغير تثنيةٍ، وجوَّز غيره أن يكون المراد بالسَّاعة اليوم فلذلك ذكره، أو المراد شيئًا قليلًا أو زمانًا قريبًا، أو التَّقدير قيام السَّاعة فحُذفَ قيام وروعيت السَّاعة في تأنيث تكون ورُوعي المضاف المحذوف في تذكير قريبًا، وقيل قريبًا كثُر استعماله استعمال الظُّروف فهو ظرفٌ في موضع الخبر.