وقد اختلف السَّلف في جواز ركوبه، فقال أبو حنيفة والشَّافعي [يجوز] ركوبه للغزو وللحج، وكره مالكٌ للمرأة الحج في البحر؛ لأنَّها لا تكاد تستتر من الرِّجال، ومنهم من منع ركوب البحر مطلقًا؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه كان يمنع النَّاس من ركوب البحر؛ فلم يركبه أحدٌ طول حياته، ولا حجَّة في ذلك؛ لأنَّ حديث الباب وغيره يدلُّ على إباحته للرِّجال والنِّساء في الجهاد.
وأخرج أبو عبيدة في «غريب الحديث» من حديث عمران الجوني، عن زهير بن عبد الله يرفعه (( من ركب البحر إذا ارتجَّ فقد برئت منه الذِّمة ) )، وفي رواية (( فلا يلومنَّ إلَّا نفسه ) )وزهيرٌ مختلف في صحبته.
نعم، في رواية البخاري في «تاريخه» عن زهير، عن رجلٍ من الصَّحابة، وإسناده حسنٌ.
وفيه تقييد المنع بالارتجاج، ومفهومه الجواز عند عدمه، وهو المشهورُ من أقوال العلماء، فإذا غلبت السَّلامة، فالبحر والبرُّ سواء، قال الله تعالى {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس 22] فدلَّ
ج 13 ص 410
على أنَّ ركوبه مباحٌ في غير هذا الوقت؛ أي وقت الارتجاج في كلِّ شيءٍ في التِّجارة وغيرها.
وقد تقدَّم أنَّ أول من ركبه للغزو معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان رضي الله عنهم، وكان عمر رضي الله عنه يمنع النَّاس من ركوب البحر حتَّى كان عثمان رضي الله عنه، فما زال معاوية رضي الله عنه يستأذنه حتَّى أذن له.