1622 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد، إمام مصر (قَالَ يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي، قال (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهري
ج 8 ص 54
(حَدَّثَنِي حُمَيْدُ) بضم الحاء المهملة، مصغرًا (ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف رضي الله عنه (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَعَثَهُ) أي بعث أبا هريرة رضي الله عنه.
(فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم؛ أي جعله أميرًا (عَلَيْهِا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) قال التَّيمي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه سنة تسع من الهجرة ليحجَّ بالنَّاس، وكان معه أبو هريرة رضي الله عنه.
وقال السُّهيلي كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم من تبوك أرادَ الحجَّ فذكر مخالطة المشركين للنَّاس في حجِّهم وتلبيتهم بالشِّرك، وطوافهم عراة بالبيت وكانوا يقصدون بذلك أن يطوفوا كما ولدوا بغير الثِّياب التي أذنبوا فيها وظلموا، فأمسك النَّبي صلى الله عليه وسلم من الحجِّ في ذلك العام.
بعث أبا بكر رضي الله عنه بسورة براءة ليَنْبِذَ إلى كلِّ ذي عهدٍ عهده من المشركين إلا بعض بني بكر الذين كان لهم عهد إلى أجلٍ خاصٍّ، ثمَّ أردف بعليٍّ رضي الله عنه، فرجع أبو بكر رضي الله عنه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال هل أنزل فيَّ قرآن قال لا ولكن أردت أن يبلِّغ عنِّي من هو من أهل بيتي، قال أبو هريرة رضي الله عنه فأمرني علي رضي الله عنه أن أطوف في المنازل من منى ببراءة، فكنت أصيح حتَّى صحل حلقي، فقيل له بم كنت تنادي؟ قال بأربع أن لا يدخل الجنَّة إلَّا مؤمن، وأنَّ لا يحجَّ بعد العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد فله أجل أربعة أشهر ليسير أين شاء ثُمَّ لا عَهْدَ له.
وكان المشركون إذا سمعوا النِّداء ببراءة يقولون لعلي رضي الله عنه سترون بعد الأربعة الأشهر بأنَّه لا عهد بيننا وبين ابن عمك إلَّا الطَّعن والضَّرب، والمراد بالأربعة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجَّة والمحرم؛ لأنَّها نزلت في شوال وقيل عشرون من ذي الحجَّة والمحرم وصفر وربيع الأوَّل وعشر من ربيع الآخر؛ لأنَّ التَّبليغ كان يوم النَّحر، ثمَّ إنَّ النَّاس في تلك المدة رغبوا في الإسلام حتَّى دخلوا فيه طوعًا وكرهًا.
وقال ابن عبد البر لمَّا خرج أبو بكر رضي الله عنه إلى الحجِّ نزل صدر براءة بعده، فقيل يا رسول الله، لو بعثت بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال إنَّه لا يؤديها عنِّي إلَّا رجل من أهل بيتي، ثمَّ دعا عليًّا رضي الله عنه فأرسله فخرج راكبًا على ناقة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتَّى أدرك أبا بكر رضي الله عنه بالعَرْجِ، فقال له أبو بكر رضي الله عنه استعملك
ج 8 ص 55
رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجِّ قال لا، ولكن بعثني بقراءة براءة على النَّاس.
وفي رواية فلمَّا دنا علي رضي الله عنه سمع أبو بكر رضي الله عنه الرغاء فوقف فقال هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا لحقه قال أمير أو مأمور قال مأمور، فلمَّا كان قبل التَّروية خطب أبو بكر رضي الله عنه وحدَّثهم عن مناسكهم، وقام علي يوم النَّحر عند جمَّة العقبة فقال (( يا أيُّها النَّاس إنِّي رسول الله إليكم فقالوا بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ثمَّ قال أمرت بأربع أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنَّة إلَّا كل نفس مؤمنة، وأن يتمَّ إلى كلِّ ذي عهد عهده ) ).
قالوا والحكمة في إعطاء براءة لعليٍّ رضي الله عنه؛ لأنَّ فيها نقض العهد، وكانت سيرة العرب أنَّه لا يحل العقد إلَّا الذي عقده أو رجل من أهل بيته، فأراد النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع ألسنة العرب بالحجَّة.
وقيل إنَّ في سورة براءة فضيلة لأبي بكر رضي الله عنه وهي {ثَانِيَ اثْنَين} ، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يكون يقرأها [1] غيره.
(يَوْمَ النَّحْرِ) ظرف لقوله بعثه (فِي رَهْطٍ) أي في جملة رهط، والرَّهط من الرِّجال ما دون العشرة، وقيل إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أَرْهُط وأَرْهاط وأَرْاهط، جمع الجمع (يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ) الضَّمير فيه لأبي هريرة رضي الله عنه على الاكتفاء به، ويجوز أن يرجعَ إلى الرهط باعتبار اللَّفظ وهو من الإيذان وهو الإعلام (أَلاَ) بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف تنبيه، فيدلُّ على تحقق ما بعدها.
(لاَ يَحُجُّ) نفي (بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ) فاعل يحج، ويروى بالنصب بكلمة أن، وفي رواية صالح بن كيسان، عن الزُّهري، عند المؤلِّف في التَّفسير [خ¦4657] (( أن لا يحُجَّنَّ ) )بنون التَّأكيد، وفي بعض النسخ بفتح الهمزة وتشديد اللام، وبرفع يحج، وتقديره أنْ لا يحج على أنَّ كلمة أن مخفَّفة من الثَّقيلة؛ أي أن الشَّأن لا يحج.
(وَلاَ يَطُوفُ) بالرفع عطفًا على لا يحج، وعلى رواية أن لا يحج يكون بالنصب عطفًا عليه (بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) فاعل لا يطوف، ويروى بتخفيف اللام مع نصب لا يحج على أنَّه نهي، وعلى هذا يكون ولا يطَّوَّف، بفتح الطاء والواو المشددتين وسكون الفاء، عطفًا عليه، والله أعلم.
وفي الحديث أن لا يحج بعد العام مُشرك أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك حين نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إنَّما الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} الآية [التوبة 28] ، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله، فلا يُمَكَّن مشرك من دخول الحرم بحال، أو المراد به النَّهي عن الحجِّ والعمرة لا عن الدُّخول مطلقًا، وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع.
وكذلك لا يُمَكَّن أهلُ الذِّمة من الإقامة بعد ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم (( أخرجوا اليهود والنَّصارى من جزيرة العرب ) )قاله في مرض موته صلى الله عليه وسلم.
لا يقال إنَّ الحبشة
ج 8 ص 56
يخربون الكعبة حجرًا حجرًا، فكيف يمكنون من دخول الحرم؟ لأنَّا نقول معنى الحديث نهي لا خبر، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عليٍّ رضي الله عنه، رواه التِّرمذي وانفرد به عن زيد بن أُثَيع قال سألت عليًا رضي الله عنه بأيِّ شيءٍ بُعِثت قال بأربع (( لا يدخل الجنَّة إلَّا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا ) )الحديث،
وفيه أيضًا أن لا يطوف بالبيت عريان. واحتجَّ مالك والشَّافعي وأحمد في رواية بهذا الحديث، فقالوا باشتراطِ ستر العورة في الطَّواف كما في الصَّلاة، وذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية إلى أنَّه لو طاف عريانًا يجبر بدمٍ، وذكر ابن إسحاق في سبب هذا الحديث أن قريشًا استدعتْ قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحدٌ ممَّن يقدم عليهم من غيرهم أوَّل ما يطوف إلَّا في ثياب أحدِهم فإنْ لم يجد طافَ عريانًا، فإن خالفَ وطافَ بثيابه ألقاهَا إذا فرغ، ثمَّ لم يَنتفعْ بها فجاءَ الإسلام فهدمَ ذلك.
وفي مسلم عن هشام عن أبيه عروة قال كانت العربُ يطوفونَ عراةً إلَّا أن يُعطيهم الحُمْسُ ثيابًا فيُعطي الرِّجال الرِّجال والنِّساء النِّساء.
وروى مسلم والنَّسائي من رواية مسلم البطين، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال كانت المرأة تطوفُ بالبيت عريانة وتقول
~اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّه
فنزلت {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الآية [الأعراف 31] ، وذكر الأزرقيُّ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال كانت قبائلُ العرب في بني عامر وغيرهم يطوفون بالبيت عراة الرِّجال بالنَّهار والنِّساء باللَّيل فإذا بلغ أحدُهم باب المسجد قال للحمس من يعير معوزًا فإن أعاره أحمسيٌّ ثوبَه طافَ فيه وإلَّا ألقى ثيابه بباب المسجدِ، ثمَّ طاف سبعًا عريانًا، وكانوا يقولون لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب، وكان بعض نسائهم تتخذ سيورًا تعلقها في حِقْوَيها وتستتر بها وفيها تقول العامريَّة اليوم يبدو ... البيت، ثمَّ من طاف منهم في ثيابه لم يلبسها أبدًا ولا ينتفع بها. وللرِّياشي زيادة في البيت المذكور وهي هذه
ج 8 ص 57
~كَمْ مِنْ لَبِيْبٍ لُبُّهِ يَضِلُّهُ نَاظِرٍ يَنْظُر مَا يَمَلُّهُ
جهْمٌ مِنَ الجَهْمِ عَظِيمٌ ظِلُّهُ
قال العينيُّ وكانت هذه المرأة ضُبَاعة بنت عامر، وكانت تحت عبد الله بن جَدْعَان وطافتْ بالبيت عريانة وهي واضعة يديها على فخذيها، وقريش أحدقتْ بها وهي تقول هذه الأبيات، وطافتْ بالبيت الحرام أسبوعًا، وفي «تاريخ ابن عساكر» كانت تغطِّي جسدها بشعرها، وكانت إذا جلست أخذت من الأرض شيئًا كثيرًا لعِظَمِ خَلْقِها. وفي «صحيح مسلم» عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كانت المرأة تطوف بالبيت عُريانة تقول من يُعيرني تطوافًا؛ تعني ثوبًا تطوفُ به وتجعله على فرجها، وتقول اليوم يبدو البيت.
[1] كذا في عمدة القاري ولعل الصواب يكون مَنْ يقرأها.