فهرس الكتاب

الصفحة 8326 من 11127

11 - (بابٌ مَنْ رَأَى أَنْ لاَ يَخْلِطَ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ إِذَا كَانَ) أي خلطهما (مُسْكِرًا) قال ابن بطَّال قوله «إذا كان مسكرًا» خطأ؛ لأنَّ النَّهي عن الخليطين عام، وإن لم يسكر كثيرهما لسرعة سريان الإسكار إليهما من حيثُ لا يشعر صاحبه به، فليس النَّهي عن الخليطين؛ لأنَّهما يسكران حالًا، بل لأنَّهما يسكران مآلًا؛ فإنَّهما إذا كانا مسكرين في الحال لا خلاف في النَّهي عنهما.

وقال الكرمانيُّ ليس خطأ، غايته أنَّه أطلق ذلك على سبيل المجاز، وهو استعمالٌ مشهور. وأجاب ابن المُنيِّر بأنَّ ذلك لا يَرِدُ على البُخاري، إمَّا لأنَّه يرى جواز الخليطين قبل الإسكار، وإمَّا لأنَّه ترجم على ما يطابق الحديث الأوَّل في الباب، وهو حديث أنس رضي الله عنه، فإنَّه لا شك أنَّ الذي كان يسقيه حينئذٍ للقوم كان مسكرًا، ولهذا دخلَ عندهم في عموم النَّهي عن الخمر، حتَّى قال أنس رضي الله عنه «وإنَّا لنعدُّها يومئذٍ الخمر» [خ¦5600] ، فدلَّ على أنَّه كان مسكرًا.

وممَّن يرى جواز الخليطين قبل الإسكار أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قالا وكلُّ ما طبخ على الانفراد حلَّ، كذلك إذا طبخ مع غيره، وروي مثل ذلك عن ابن عُمر رضي الله عنهما والنَّخعي.

(وَأَنْ لاَ يَجْعَلَ إِدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ) أي ومن رأى أن لا يجعل إدامين في إدام نحو أن يخلطَ التَّمر والزَّبيب فيصير كإدام واحدٍ، لورود الحديث الصَّحيح بالنَّهي عن الخليطين، رواه أبو سعيد، وفي حديث أبي قتادة نهى أن يجمعَ بين التَّمر والزَّبيب.

ج 24 ص 147

وفي حديث جابر رضي الله عنه بين الزَّبيب والتَّمر والبُسر والرُّطب، ويكون النَّهي معللًا بعلل مستقلَّة، إمَّا تحقق الإسكار بالكثير، وإمَّا توقُّع الإسكار بالاختلاط، وإمَّا الإسراف والشَّره، والتَّعليل بالإسراف مبيَّن في حديث النَّهي عن قران التَّمر [خ¦2489] .

وقال الحافظُ العسقلاني والَّذي يظهرُ لي أنَّ مراد البُخاري بهذه التَّرجمة الرَّد على من أوَّل النَّهي عن الخليطين بأحد تأويلين

أحدهما حمل الخليط على المخلوطِ، وهو أن يكون نبيذَ تمرٍ وحدَه مثلًا قد اشتدَّ، ونبيذ زبيبٍ وحدَه مثلًا قد اشتدَّ، فيخلطان ليصيرا خلًا، فيكون النَّهي من أجل تعمد التَّحليل، وهذا مطابق للتَّرجمة من غير تكلُّف.

ثانيهما أن تكون علَّة النَّهي عن الخلطِ الإسرافُ، فيكون كالنَّهي عن الجمع بين إدامين، وقد حكى أبو بكر بن الأثرم عن قوم أنَّهم حملوا النَّهي عن الخليطين على الثَّاني، وجعلوا نظيره النَّهي عن القران بين التَّمرتين، كما تقدَّم في «الأطعمة» [خ¦5446] قالوا فإذا ورد النَّهي عن القران بين التَّمرتين، وهما من نوع واحد فكيف إذا وقعَ القران بين نوعين. ولهذا عبَّر المصنف بقوله «من رأى» ولم يجزم بالحكم، وقد نصر الطَّحاوي من حمل النَّهي عن الخليطين على منع السَّرف، وقال كان ذلك لما كانوا فيه من ضيق العيشِ، وساق حديث ابن عُمر رضي الله عنهما في النَّهي عن القران بين التَّمرتين.

وتعقِّب بأنَّ ابن عُمر رضي الله عنهما أحد من روى النَّهي عن الخليطين، وكان ينبذُ البُسر فإذا نظر على بسرة في بعضِها ترطيب قطعه كراهةَ أن يقعَ في النَّهي، وهذا على قاعدتهم يعتمد عليه؛ لأنَّه لو فهم أنَّ النَّهي عن الخليطين كالنَّهي عن القران؛ لما خالفه، فدلَّ على أنَّه عنده محمولٌ على غيره.

هذا وقد تحرَّج عمر رضي الله عنه من الجمع بين إدامين، فإنَّه كان كثيرًا ما يسألُ حذيفة رضي الله عنه هل عدَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين فيقول لا، فيقول هل رأيت فيَّ شيئًا من خلال المنافقين؟ فيقول لا إلَّا واحدة، فيقول ما هي؟ قال رأيتُك جمعت بين إدامين على مائدة ملح وزيت،

ج 24 ص 148

وكنَّا نعدُّ هذا نفاقًا، فقال عُمر رضي الله عنه لله عليَّ أن لا أجمعَ بينهما، وكان لا يأكل إلَّا بزيت خاصَّة أو ملح خاصَّة.

وهذا إنَّما لطلب المعالي من الزُّهد والتَّقلل، وإلَّا فلا خلاف أنَّ الجمع بينهما مباحٌ بشرطه، ذكره الإمام القسطلانيُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت