5097 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المشهور بربيعة الرأي، واسم أبي عبد الرَّحمن فروخ، مات سنة ست وثلاثين ومئة (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكر الصِّديق رضي الله عنهم (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ كَانَ فِي بَرِيرَةَ) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى، اسم جاريةٍ اشترتها عائشة رضي الله عنها فأعتقتها، وكانت مَولاةً لبعض بني هلال، فكاتبوها ثمَّ باعوها لعائشة رضي الله عنها.
(ثَلاَثُ سُنَنٍ) بضم السين وفتح النون الأولى، جع سُنَّة، وهي الطَّريقة، وإذا أُطْلِقَتْ في الشَّرح فالمرادُ بها ما أَمَرَ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ونهى عنه وندبَ إليه قولًا وفعلًا ممَّا لم ينطقْ به الكتابُ العزيز، ولذا يقال في أدلَّة الشرع الكتاب والسنة؛ أي كان فيها ثلاث أحكام شرعية
أحدها (عَتَقَتْ) أي أنَّها عَتَقَتْ بفتحات؛ أي أعتقتها عائشة رضي الله عنها. وقال العيني على صيغة المجهول (فَخُيِّرَتْ) بضم الخاء المعجمة على البناء
ج 22 ص 296
للمفعول؛ أي خيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أوَّل السنن الثَّلاث كما نبهناك عليه، وهي أنَّ الأمة التي تحت العبد إذا أُعْتِقَتْ لها الخيار في فَسْخِ نكاحها من زوجها مُغيث بلفظ الفاعل من الإغاثة، وكان عبدًا فاختارت نفسها.
وروى ابن سعد في (( الطبقات ) )أخبرنا عبدُ الوهاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشَّعبي أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لبريرة لما أُعْتِقَت (( قد عتقَ بُضْعُك مَعَكِ فاخْتَاري ) )، وهذا مرسلٌ.
واختلفوا في هذه المسألة
فقال الشَّعبي والنَّخعي والثَّوري ومحمد بن سيرين وطاوس ومجاهد وحماد بن أبي سليمان والحسن بن مسلم وأبو قلابة وأيوب السَّختياني والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور الأمةُ إذا أُعْتِقَت لها الخيار في نفسها سواء كان زوجها حُرًا أو عبدًا، وهو مذهبُ أهل الظَّاهر أيضًا.
وقال عطاءُ بن أبي رباح وسعيد بن المسيَّب والحسنُ البصري وابنُ أبي ليلى والأوزاعيُّ والزُّهريُّ واللَّيثُ بن سعد ومالكٌ والشَّافعيُّ وأحمدُ وإسحاق إن كان زوجُها عبدًا فلها الخيارُ وإن كان حُرًا فلا خيار لها.
واختلفوا في زوج بَريرة هل كان حُرًا أو عبدًا، فروى أبو داود والتِّرمذي وابن ماجه من حديث الأسود، عن عائشة رضي الله عنها (( أنَّه كان حُرًا ) )، وكذلك رواه البيهقي. وروى الطَّحاوي ومسلم وأبو داود أيضًا من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها (( أنه كان عبدًا ) ). وروى مسلم أيضًا من حديث عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها (( أنَّه كان عبدًا ) )، وكذلك رواه النَّسائي.
وروى البخاريُّ في الطلاق [خ¦5283] من حديث عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّ زوج بَريرة كان عبدًا يقال له مُغيث كأنِّي أنظر إليه يطوفُ خلفها يبكِي ودموعه تسيلُ على لحيته ) ). الحديث.
وهذه أحاديث مُتعارضة قد أكثر الناس في مَعانيها وتخريج وجوهها، فلمحمد بن جرير الطَّبري في ذلك كتاب، ولمحمد بن خزيمة كتاب، ولجماعة في ذلك أبواب
ج 22 ص 297
أكثرها تكلُّف واستخراجات محتملةٌ، وتأويلاتٌ ممكنةٌ لا يُقْطَعُ بصحَّتها، والأصل في ذلك أن يحملَ على وجه لا يكون فيها تضاد، وهو ما حملَه عليه بعضُ الحنفيَّة من أنَّه كان حرًا عندما خُيِّرت، وعَبْدًا قبل، والحرِّية تعقب الرِّق، ولا ينعكسُ؛ فمن أخبر بعبوديته لم يعلم بحرِّيته قبل ذلك، ولم يُخَيِّرها صلى الله عليه وسلم لأنَّه كان عبدًا ولا لأنَّه كان حرًا، وإنما خَيَّرَها لأنَّها أُعْتِقَت؛ لأنَّ الأَمَة إذا عَتَقَت لها الخيارُ في نفسها سواء كان زوجُها حرًا أو عبدًا، فوجب تخييرُ كل معْتَقَةٍ.
وروي في بعض الآثار أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لها (( ملكتِ نفسكِ فاختاري ) )كذا في (( التمهيد ) )، فكلُّ من ملكت نفسَها تختار سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، لكن يخدشه اختلاف الرِّوايات فيها عن عائشة رضي الله عنها كما عرفت، وليس في هذا الحديث التَّصريح بكون زوج بريرة عبدًا ولا حرًا، لكن صنيع البخاري يدلُّ على أنَّه يميل إلى أنَّه كان حين عَتَقَت عبدًا، ومذهب المالكية والشَّافعية كما سبق أنَّه كان عبدًا وخيرها النَّبي صلى الله عليه وسلم لتضرُّرِها بالمقام تحتَه من جهة أنَّها تتعيَّر به وأنَّ لسيِّده منعها عنها، وأنَّه لا ولاية له على ولده وغير ذلك، وهذا بخلاف ما إذا عتقت تحت حرٍّ؛ لأنَّ الكمال الحادث لها حاصل له، فأشبه ما إذا أسلمت كتابيَّةً تحت مسلم، ولو عتقَ بعضُها فلا خيار؛ لبقاء النَّقصان وأحكام الرِّق.
ويستثنى من ذلك ما إذا أعتقهَا مريضٌ قبل الدُّخول وهي لا تخرجُ من ثلاثة إلَّا بالصَّدَاق فلا خيار لها؛ لأنَّها لو فسختْ سقطَ مهرها وهو من جملة المال فيضيقُ الثُّلث عن الوفاء بها فلا يعتق كلها فلا يثبت الخيار، وكل ما أدى ثبوته إلى عدمهِ استحالَ ثبوتُه، وهذا من صور الدور الحُكمي.
(وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي في شأن بريرة لما أرادتْ
ج 22 ص 298
عائشة رضي الله عنها أن تشتريَها وتعتقَها، وشَرَطَ مواليها أن يكون الولاءُ لهم (الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) الجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو الولاء؛ أي كائن أو مستقرٌّ لمن أعتقَ، ومَن موصول، وأعتق في موضع الصِّلة والعائد ضمير الفاعل، وهذا هو ثاني السُّنن الثَّلاث، وقد مرَّ مباحثه في (( كتاب العتق ) ) [خ¦2560] .
(وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبُرْمَةٌ عَلَى النَّارِ) بضم الموحَّدة وسكون الراء القِدْرُ المتَّخذةُ من الحَجَر المعروف بالحجاز واليمن. وقال ابنُ الأثير هي القدرُ مطلقًا، وجمعها بِرام، والواو في قوله (( وبُرْمة ) )للحال وهي مبتدأ، لكن اعتمادها على واو الحال جوز ذلك (فَقُرِّبَ إِلَيْهِ) بضم القاف وتشديد الراء المكسورة (خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ) جمع إدام، كإزارٍ وأُزْر، وهو ما يؤُكل مع الخبز أيَّ شيءٍ كان، والإضافة إضافةُ تخصيص (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (ألَمْ الْبُرْمَةَ) ويروى ، وفي رواية ؛ أي على النَّار فيها لحم، والهمزة للتَّقرير، والفعل مجزوم بحذف الألف المنقلبة عن الياء.
(فَقِيلَ) أي له صلى الله عليه وسلم هو (لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ) بضم التاء والصاد وكسر الدال المشددة على البناء للمفعول في محل صفة اللَّحم، وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ لفظ (عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لاَ تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) لحرمتها عليك (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (هُوَ) أي اللَّحم (عَلَيْهَا) أي على بريرة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني (صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) والفرق بينهما أنَّ الصَّدقة إعطاءٌ لثواب الآخرة، والهديةُ إعطاءٌ للإكرام للمنقولِ إليه، والصَّدقة تصيرُ ملكًا للقابض فلها حكمُ سائر المملوكات وبطل عنها حكم الصَّدقة.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ زوجَ بريرة كان عبدًا. وفي (( التلويح ) )وليس فيه تصريح بكون زوجها عبدًا ولا حرًا، وقد تجاذبت فيه الرِّوايات فقائلٌ كان حرًا، وقائلٌ كان عبدًا فلا يتمحَّض للبخاري استدلاله ولم يأت في حديثهِ
ج 22 ص 299
بشيءٍ من ذلك.
ولا يقال ترجَّح عنده كونه عبدًا؛ لأنَّ أبا حنيفة في الحديث الآخر يرجِّح كونه حرًا عنده، وليس قول أحدهما بأولى من الآخر إلَّا بترجيحٍ نَقْلِيٍّ من خارج. انتهى.
وقال العينيُّ هذا الذي ذكره لا يدفعُ وجه المطابقة؛ لأنَّه وضعَ هذه الترجمة وساق لها الحديث المذكور بناءً على ما ترجَّح عندَه، وأمَّا ترجيحُ أحدِ القولين على الآخر بالنَّقل من خارج فلا دخلَ له هاهنا في وجه المطابقة.
والحديثُ أخرجه البخاريُّ في الطلاق أيضًا [خ¦5283] ، وأخرجه مسلم في الزكاة، والنَّسائي في الطلاق.