فهرس الكتاب

الصفحة 9335 من 11127

32 - (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ} ) أي توسَّعوا فيه، وقرأ عاصم {في المجالس} بالجمع اعتبارًا بأنَّ لكلِّ واحدٍ مجلسًا ( {فَافْسَحُوا} ) أي فوسِّعوا ( {يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} ) يوسِّع الله عليكم في الدُّنيا والآخرة؛ لأنَّ الجزاءَ من جنس العمل، وهو مطلقٌ في كلِّ ما يبتغي النَّاس الفسحة فيه من المكان والرِّزق والقبر وغير ذلك، واختلف في معنى الآية فقيل إنَّ ذلك مخصوصٌ بمجلس النَّبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن بطَّال قال بعضُهم هو مجلس النَّبي صلى الله عليه وسلم خاصَّةً عن مجاهد وقتادة، ولفظ الطَّبري عن قتادة كانوا يتنافسون في مجلس النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا رأوه مقبلًا ضيِّقوا مجلسهم، فأمرهم الله تعالى أن يوسِّع بعضهم لبعض، ولا يلزم من كون الآية نزلت في ذلك الاختصاص.

وأخرج ابنُ أبي حاتم عن مقاتل بن حَيَّان _ بفتح المهملة والتَّحتانيَّة المشددة _ قال نزلت يوم جمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ في الصُّفَّة، وفي المكان ِضْيقٌ، وكان يُكْرِم أهل بدرٍ من المهاجرين

ج 26 ص 345

والأنصار، فجاء أناسٌ من أهل بدرٍ، وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسَّع لهم فلم يُفسح لهم، فشقَّ ذلك على النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله من غير أهل بدرٍ (( قم يا فلان وأنت يا فلان ) )فأجلسهم في أماكنهم فشقَّ ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النَّبي صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجوههم، وتكلَّم في ذلك المنافقون.

فبلغنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحم الله رجلًا يفسح لأخيه فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعًا، فيفسح القوم لإخوانهم، ونزلت هذه الآية. وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما هي مجالسُ القتال إذا اصطفُّوا للحرب.

قال الحسن كانوا يتشاحُّون على الصَّف الأول، فلا يوسِّع بعضهم لبعضٍ رغبةً في الشَّهادة فنزلت. وقال يزيد بن أبي حبيب أي اثبتوا في الحرب، والظَّاهر أنَّ الحكم يطَّرد في مجالس الطَّاعات كلِّها وإن كان السَّبب خاصًّا.

( {وَإِذَا قِيلَ انْشِزُوا} ) أي انهضوا وارتفعوا وقوموا للتَّوسعة على المقبلين أو إلى الصَّلاة أو الجهاد أو إلى أعمال الخير كلِّها. وقال قتادة تفرَّقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقوموا. وقال ابنُ زيد انشزوا عنه في بيته فإنَّ له حوائج ( {فَانْشِزُوا} ) فانهضوا في المجلس للتَّفسُّح؛ لأنَّ مزيد التَّوسعة على الواردين يقع على فوق فيتَّسع الموضع أمروا أولًا بالتَّفسُّح، ثمَّ ثانيًا بامتثالِ الأمر فيه. وقال صاحب «الأفعال» نشَز القوم من مجلسهم قاموا منه _ بفتح الشين وكسرها _ وقد قرئ بهما.

(الآيَةَ) كذا في رواية الأكثر، وفي رواية أبي ذرٍّ وبقيَّة الآية قوله تعالى {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ} أي بامتثال أوامره وأوامر رسوله {وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} أي والعالمين منهم خاصَّةً {دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة 11] .

قال صاحب «الانتصاف» وقع في الجزاء رفع الدَّرجات مناسبةً للعمل؛ لأنَّ المأمور به تفسُّح المجالس؛ لئلَّا يتنافسوا في القرب من المكان المرتفع بحلول الرَّسول فيه، فالفاسح حابسٌ لنفسه عما يتنافس فيه من الرِّفعة تواضعًا، فجوزي بالرِّفعة كقوله (( من تواضعَ لله رفعه الله ) ).

ثمَّ لما علم أنَّ أهل العلم يستوجبون

ج 26 ص 346

رفع المجلس خصَّهم بالذِّكر؛ ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرِّفعة في المجلس تواضعًا لله تعالى يريد أنَّه من باب وملائكته وجبريل [1] ، وكان ابن مسعودٍ رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية قال يا أيها النَّاس افهموا هذا الآية لترغِّبكم في العلم.

[1] كذا في الإرشاد، ولعله يقصد آية البقرة 98 {وملائكته ورسله وجبريل} كما في تفسير الألوسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت