فهرس الكتاب

الصفحة 8611 من 11127

5788 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بالزَّاي والنُّون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ) أي نظر رحمة (يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا) ومثله لأبي داود والنَّسائي في حديث أبي سعيد رضي الله عنه، والبَطَر بموحَّدة ومهملة مفتوحتين. قال القاضي عياض جاء في الرواية (( بطَرًا ) )بفتح الطَّاء على المصدر وبكسرها على الحال من فاعل «جرَّ» ؛ أي جرَّه تكبُّرًا وطغيانًا، وأصل البطر الطُّغيان عند النِّعمة واستعمل بمعنى التَّكبر. وقال الرَّاغب أصل البطرِ دَهَشٌ يعتري المرء عند هجوم النِّعمة عن القيام بحقِّها.

وقوله (( لا ينظر الله ) )؛ أي لا يرحمه فالنَّظر إذا أُضيف إلى الله تعالى كان مجازًا، وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية، ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمةٍ. وقال الشَّيخ زين الدين في «شرح الترمذي» عبَّر عن المعنى الكائن عند النَّظر بالنظر؛ لأنَّ من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبِّر مقته، فالرَّحمة والمقت متسبِّبان عن النَّظر. وقال الكرمانيُّ نسبة النَّظر لمن يجوز عليه النَّظر كناية لأنَّ من اعتدَّ بالشَّخص التفت إليه، ثمَّ كثر حتَّى صار عبارة عن الإحسان وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النَّظر، وهو تقليبُ الحدقةِ والله منزَّه عن ذلك فهو بمعنى الإحسان مجاز عمَّا وقع في حقِّ غيره كناية.

وقوله (( يوم القيامة ) )إشارةٌ إلى أنَّه محلُّ الرَّحمة المستمرة بخلاف رحمة الدُّنيا، فإنَّها قد تنقطعُ بما يتجدَّد من الحوادث، ويؤيِّد ما ذُكِر من حمل النَّظر على الرَّحمة والمقْت ما أخرجه الطَّبراني وأصله في أبي داود من حديث أبي جُرَيٍّ أنَّ رجلًا ممَّن كان قبلكم لبس بردة فتبخترَ فيها، فنظر الله إليه

ج 25 ص 13

فمقتَه فأمر الأرض فأخذته، الحديث.

وقوله (( من ) )يتناول الرِّجال والنِّساء في الوعيد المذكور على هذا الفعل المخصوص وقد فهمتْ ذلك أمُّ سلمة رضي الله عنها، فأخرج النَّسائي والترمذي وصحَّحه من طريق أيُّوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما متَّصلًا بحديثه المذكور في الباب الأول، فقالت أمُّ سلمة فكيف يصنع النِّساء بذيولهنَّ؟ فقال (( يرخين شبرًا ) )فقالت إذًا تنكشف أقدامهنَّ، قال (( فيرخينه ذراعًا لا يزدنَ عليه ) )لفظ الترمذيُّ. وقال هذا حديثٌ صحيحٌ.

وقد عزا بعضهم هذه الزِّيادة لمسلم فوهم فإنَّها ليست عنده، وكأنَّ مسلمًا أعرض عن هذه الزِّيادة؛ للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود والنَّسائي وغيرهما من طريق عُبيد الله بن عمر عنه، عن سليمان بن يسار، عن أمِّ سلمة رضي الله عنها، وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع، والنَّسائي من طريق أيوب بن موسى ومحمد بن إسحاق ثلاثتهم عن نافع عن صفيَّة بنت أبي عُبيد عن أمِّ سلمة. وأخرجه النَّسائي من رواية يحيى بن أبي كثير عن نافع عن أمِّ سلمة نفسها. وفيه اختلافات أخرى.

ومع ذلك فله شاهدٌ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أخرجه أبو داود من رواية أبي الصِّديق عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال رخَّص رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأمَّهات المؤمنين شِبرًا ثمَّ استزدنَه فزادهنَّ شِبرًا، فكُنَّ يُرسلنَ إلينا فنذرع لهنَّ ذراعًا. وأفادت هذه الرِّواية قدر الذِّراع المأذون فيه، وأنَّه شِبران بشبر اليد المعتدلة.

ويستفادُ من هذا الفهم التَّعقُب على من قال إنَّ الأحاديث المطلقة في الزَّجر عن الإسبال مقيَّدةٌ بالأحاديث الأخرى المصرَّحة لمن فعله خُيَلاء، قال النَّوويُّ ظواهر الأحاديث في تقييدها بالجرِّ خُيَلاء يقتضي أنَّ التَّحريم يختص بالخُيَلاء، ووجه التَّعقُّب أنَّه لو كان كذلك لما كان في استفسار أمِّ سلمة عن حكم النِّساء في جرِّ ذيولهنَّ معنىً، بل فهمت الزَّجر عن الإسبال مطلقًا، سواء كان عن مخيلة أم لا، فسألت عن حكم النِّساء في ذلك لاحتياجهنَّ إلى الإسبال

ج 25 ص 14

من أجل ستر العورة، لأنَّ جميع قدمها عورة فبيَّن لها أن حكمهُنَّ في ذلك خارج عن حكم الرِّجال في هذا المعنى فقط.

وقد نقل القاضي عياض الإجماع على أنَّ المنع في حقِّ الرِّجال دون النِّساء ومراده منع الإسبال، لتقريره صلى الله عليه وسلم أمَّ سلمة على فهمها إلَّا أنَّه بيَّن لها أنَّه عامٌّ مخصوصٌ لتفرقته في الجواب بين الرِّجال والنِّساء في الإسبال، وتبيينه القدر الَّذي يمنعُ من بعده في حقِّهن كما بيَّن ذلك في حقِّ الرجال.

والحاصل أنَّ للرِّجال حالين حال استحباب وهو أن يقتصرَ بالإزار على نصف السَّاق، وحالُ جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك للنِّساء حالان حالُ استحبابٍ وهو ما يزيدُ على ما هو جائزٌ للرِّجال بقدر الشِّبر، وحال جواز بقدر ذراع. ويؤيِّد هذا التَّفصيل في حقِّ النِّساء ما أخرجه الطَّبراني في «الأوسط» من طريق مَعتمر عن حميد عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة رضي الله عنها من عقبها شِبرًا، وقال (( هذا ذيْل المرأة ) ).

وأخرجه أبو يَعلى بلفظ (( شبر من ذيلها شبرًا أو شِبرين وقال لا يزدْنَ على هذا ) )ولم يسمِّ فاطمة. قال الطَّبرانيُّ تفرَّد به معمر عن حميد. قال الحافظ العسقلانيُّ و (( أو ) )شكٌّ من الراوي والَّذي جزم بالشِّبر هو المعتمد. ويؤيِّده ما أخرجه الترمذي من حديث أمِّ سلمة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة شِبرًا، ويستنبطُ من مساق الأحاديث أنَّ التَّقييد بالجرِّ خرج للغالب وأنَّ البطر والتَّبختر مذمومٌ ولو لمن شمَّر ثوبه. والذي يجتمع من الأدلة أنَّ من قصد بالملبوس الحَسَن إِظهار نعمة الله عليه مستحضرًا لها شاكرًا عليها غير محتقرٍ لمن ليس له مثله، لا يضرُّه ما لبس من المباحات ولو كان في غاية النَّفاسة.

ففي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقالُ ذرَّة من كِبْر ) )فقال رجل إنَّ الرَّجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسنًا

ج 25 ص 15

ونعلُه حسنة فقال (( إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال، الكِبْر بَطَر الحقِّ وغَمْط النَّاس ) )بفتح الغين المعجمة وسكون الميم ثم مهملة، الاحتقار. وأمَّا ما أخرجه الطَّبري من حديث عليٍّ رضي الله عنه أنَّ الرجل يعجبه أن يكون شراك نعلهِ أجود من شراكِ صاحبه، فيدخل في قوله تعالى {تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ} الآية [القصص 83] ، فقد جمع الطَّبري بينه وبين حديث ابن مسعود رضي الله عنه بأنَّ حديث عليٍّ رضي الله عنه محمولٌ على أنَّ من أحبَّ ذلك ليتعظَّم به على صاحبه، لا من أحبَّ ذلك ابتهاجًا بنعمةِ الله عليه، فقد أخرج التِّرمذي وحسَّنه من رواية عَمرو بن شعيب عن أبيهِ عن جدِّه رفعه (( إنَّ الله يحبُّ أن يرى أثر نعمتهِ على عبده ) ). وله شاهدٌ عند أبي يَعلى من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.

وأخرج أبو داود والنَّسائي وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك الجشمي عن أبيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال له ورآه رثَّ الثياب (( إذا آتاك الله مالًا فليرَ أثره عليك ) )أي بأن يلبس ثيابًا تليقُ بحاله من النَّفاسة والنَّظافة ليعرفه المحتاجون للطَّلب منه مع مراعاة القصد وترك الإسراف جمعًا بين الأدلة.

تنبيه الرَّجل الذي أُبهم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه هو سواد بن عَمرو الأنصاري أخرجه الطَّبري من طريقه، ووقع ذلك لجماعة غيره.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وهو من أفراد البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت