5766 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضم العين، من غير إضافة إلى شيء، الهباري، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أُسامة (عَنْ هِشَام، ٍ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ سُحِرَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ) أي يظهر له من نشاطهِ وسابق عادتهِ (أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ) وفي نسخة ، وفي رواية الكُشميهني أي جامع نساءه وما جامعهنَّ فإذا دنا منهنَّ أخذته أخذةُ السِّحر فلم يتمكَّن من ذلك، وقد اقتصرَ الكثير من الحديث [1] على هذا القدر.
ووقع سياق الحديث بكماله في رواية الكُشميهني والمستملي، وكذا صنع النَّسفي وزاد في آخره طريق يحيى بن سعيد القطَّان عن هشام إلى قوله وقد أخذتُ برواية الكُشميهني والمستملي واخترتُ ذكر الحديث بتمامه.
(حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ) وفي الرِّواية السَّابقة «أو ذات ليلة» [خ¦5763] والشَّك من عيسى بن يونس راويه هناك، قال الحافظُ العسقلاني وهذا من نوادر ما وقع في البُخاري أن يخرج الحديث تامًّا بإسنادٍ واحدٍ بلفظين.
(وَهْوَ عِنْدِي، دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَشَعَرْتِ) أي أَعَلِمْتِ(أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي
ج 24 ص 546
فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، قَلْتُ وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ جَاءَنِي رَجُلاَنِ)جبرائيل وميكائيل (فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟) يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم (قَالَ مَطْبُوبٌ) أي مسحور.
قال القرطبي وإنَّما قيل للسِّحر طبٌّ لأنَّ أصل الطِّب الحذقُ بالشَّيء والتَّفطُّن له، فلمَّا كان كلٌّ من علاج المرض والسِّحر إنَّما يتأتَّى عن فطنةٍ وحذقٍ أطلقَ على كلٍّ منهما هذا الاسم.
(قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، قَالَ فِي مَاذَا؟ قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ) بالطاء المهملة (وَجُفِّ طَلْعَةٍ) بالإضافة وتنوين طلعة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي بالموحدة بدل الفاء (ذَكَرٍ) صفة لجف بالفاء أو بالياء (قَالَ فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ) بفتح الهمزة وسكون الراء، وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظة فعلى الأوَّل هو من إضافة الشَّيء لنفسه، قيل والأصل أروان، ثمَّ لكثرة الاستعمال سهلت الهمزة فصارت ذروان، بالذال المعجمة بدل الهمزة.
(قَالَ فَذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ) سبق ذكر من حضر ذلك منهم رضي الله عنهم [خ¦5763] (فَنَظَرَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ) رضي الله عنها (فَقَالَ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا) في بشاعة منظرها وخبثها (رُؤوسُ الشَّيَاطِينِ، قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَأَخْرَجْتَهُ؟) أي صورة ما في الجفِّ من المشطِ والشَّاملة وما رُبط به.
(قَالَ لاَ) فهو مستخرجٌ من البئر غير مستخرجٍ من الجفِّ جمعًا بين النَّفي والإثبات في الحديثين (أَمَّا) بالتَّشديد (أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ) منه (وَشَفَانِي، وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا) باستخراجه من الجف؛ لئلَّا يروه فيتعلمون إن أرادوا استعمال السِّحر.
(وَأَمَرَ) صلى الله عليه وسلم (بِهَا) أي بالبئر
ج 24 ص 547
(فَدُفِنَتْ) واستدلَّ بهذا الحديث على أنَّ السَّاحر لا يُقتل حدًا إذا كان له عهد، وأمَّا ما أخرجه التِّرمذي من حديث جندب رفعَه قال (( حدُّ السَّاحر ضربةٌ بالسَّيف ) )ففي سنده ضعفٌ، فلو ثبتَ لخصَّ منه من له عهد.
وتقدَّم في «الجزية» من رواية بجالة أنَّ عُمر رضي الله عنه كتب إليهم أن اقتلوا كلَّ ساحرٍ وساحرةٍ [خ¦3156] . وزاد عبد الرَّزاق عن ابن جُريج عن عَمرو بن دينار في روايته عن بجالة فقتلنا ثلاث سواحر. أخرج البُخاري أصل الحديث دون قصَّة قتل السَّواحر.
قال ابن بطَّال لا يقتلُ ساحر أهل الكتاب عند مالك والزُّهري إلَّا أن يَقتلَ بسحره فيُقتل وهو قول أبي حنيفة والشَّافعي. وعن مالك إن أدخل بسحره ضررًا على مسلمٍ لم يُعاهد عليه نُقِضَ العهد بذلك فيحلُّ قتله، وإنَّما لم يقتل النَّبي صلى الله عليه وسلم لبيد بن الأعصم لأنَّه كان لا ينتقمُ لنفسه، ولأنَّه خشي إذا قتله أن يثورَ بذلك فتنة بين المسلمين وبين حلفائهِ من الأنصار، وهو من نمطِ ما راعاه من ترك قتل المنافقين سواءٌ كان لبيد يهوديًّا أم منافقًا على ما مضى من الاختلاف فيه.
قال وعند مالك أنَّ حكم السَّاحر حكم الزِّنديق فلا تقبل توبته، ويَقتل حدًّا إذا ثبت عليه ذلك، وبه قال أحمد. وقال الشَّافعي لا يقتل إلَّا إن اعترف أنَّه قتل بسحره فيُقتل به، فإن اعترف أنَّ سحره قد يقتل وقد لا يقتل وأنَّه سَحَرَهُ وأنَّه مات لم يجب عليه القصاص ووجبت الدِّية في ماله لا على عاقلته، ولا يُتصوَّر القتل بالسِّحر بالنِّيَّة، انتهى.
وادعى أبو بكر الرَّازي في «الأحكام» أنَّ الشَّافعيَّ تفرَّد بقوله إنَّ السَّاحر يُقتل قصاصًا إذا اعترف أنَّه قتل بسحرهِ. قال النَّووي إن كان في السِّحر قولٌ أو فعلٌ يقتضي الكفر كفر السَّاحر وتقبل توبته إذا تاب عندنا، وإذا لم يكن في سحره ما يقتضي الكفر عُزِّر واستُتيب، والله تعالى أعلم.
ج 24 ص 548
وعند أبي عُبيد من مرسل عبد الرَّحمن بن أبي ليلى احتجم النَّبي صلى الله عليه وسلم على رأسه بقرنٍ؛ يعني حين طُبَّ، قاله أبو عبيد.
قال ابنُ القيم بنى نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم الأمر أوَّلًا على أنَّه مرضٌ، وأنَّه عن مادَّةٍ سالت إلى الدِّماغ وغلبت على البطن المقدَّم منه فغيَّرت مزاجه فرأى الحجامة لذلك مناسبة، فلمَّا أُوحى إليه أنَّه سُحِر عدل إلى العلاج المناسب له وهو استخراجه، ويحتمل أنَّ مادة السِّحر انتهت إلى إحدى قوى الرَّأس حتَّى صار يخيَّل إليه ما ذكر، فإنَّ السِّحر قد يكون من تأثير الأرواح الخبيثة، وقد يكون من انفعال الطَّبيعة، وهذا أشدُّ السِّحر، واستعمال الحجم لهذا الثَّاني نافع لأنَّه إذا هيج الأخلاط، وظهر أثره في عضو كان استفراغ المادة الخبيثة نافعًا في ذلك.
وقال الحافظُ العسقلاني سلك النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصَّة مسلكَي التَّفويض وتعاطي الأسباب، ففي أوَّل الأمر فوَّض وسلَّم الأمر لربِّه واحتسبَ الأجر في صبرهِ على بلائهِ، ثمَّ لما تمادى ذلك وخشيَ من تماديه أن يضعفَه عن فنونِ عبادته جنحَ إلى التَّداوي، ثمَّ إلى الدُّعاء، وكلٌّ من المقامين غاية في الكمال.
[1] في العمدة «وإلى هنا اختصر الحمويي في روايته»