فهرس الكتاب

الصفحة 10770 من 11127

2 - (بابُ) وجوب (الاِقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الشَّاملة لأقواله وأفعاله وأحوالهِ. وقد أمر الله عزَّ وجلَّ باتِّباع نبيِّه، والاقتداء بسنَّته، فقال {آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النور 62] ، وقال {فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} [الأعراف 157] الآية، وتوعَّد من خالف سبيله، ورغب عن سنَّته، فقال {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور 63] الآية.

(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على الاقتداء ( {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} ) أفرده للجنس، وحسَّنَهُ كونه رأسَ فاصلةٍ، أو جعل كلَّ واحدٍ منَّا إمامًا، كما قال {يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} [غافر 67] ، أو لاتِّحادهم واتِّفاق كلمتهم، أو لأنَّه مصدرٌ في الأصل كصيامٍ وقيامٍ.

(قَالَ) لم يُعلم القائل، لكن ذُكِر في «التَّفسير» [1] (( قال مجاهد أي اجعلنا أئمَّةً لهم في الحلال والحرام يقتدون بنا فيه ) )، أخرجه الفريابيُّ والطَّبري بسندٍ صحيحٍ. وفي روايةٍ عن مجاهد (( أي اجعلنا ممَّن يقتدي بمن قبلنا حتَّى يقتدي بنا من بعدنا ) ).

(أَئمَّةً) يعني استعمل «الإمام» هنا بمعنى الجمع بدليل {جْعَلْنَا} (نَقْتَدِي بِمَنْ قَبْلَنَا، وَيَقْتَدِي بِنَا مَنْ بَعْدَنَا) وأخرج ابن أبي حاتمٍ من طريق مجاهد بسندٍ صحيحٍ (( قال يقول اجعلنا أئمَّةً في التَّقوى حتَّى نأتمَّ بمن كان قبلنا، ويأتمَّ بنا من بعدنا ) ). وأخرج ابن أبي حاتمٍ أيضًا، والطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة،

ج 30 ص 8

عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ المعنى اجعلنا أئمَّة التَّقوى لأجله يقتدون بنا، لفظ الطَّبري.

وفي رواية ابن أبي حاتمٍ اجعلنا أئمَّة هدىً؛ ليُهتَدى بنا، ولا تجعلنا أئمَّة ضلالة، لأنَّه قال تعالى لأهل السَّعادة {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء 73] ، وقال لأهل الشَّقاوة {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [القصص 41] .

وقال الكرمانيُّ الإمام هو المقتدَى [به] ، فمن أين استفاد المأموميَّة حتَّى ذكر المقدِّمة الأولى أيضًا. وأجاب بأنَّها لازمة؛ إذ لا يكون متبوعًا إلَّا إذا كان تابعًا لهم؛ أي ما لم يتَّبع الأنبياء، لا تتَّبعه الأولياء، ولهذا لم يذكر الواو بين المقدِّمتين.

وأخرج ابن أبي حاتمٍ من طريق السدِّي ليس المراد أن نؤمَّ النَّاس، وإنَّما أرادوا اجعلنا أئمَّة لهم في الحلال والحرام، يقتدُون بنا فيه. ومن طريق جعفر بن محمد معناه اجعلني رضًا، فإذا قلتُ صدَّقوني وقبلوا منِّي، وفي الآية ما يدلُّ على أنَّ الرِّئاسة تُطلب ويرغب فيها.

(وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وبعد الواو الساكنة نون، هو عبدُ الله بن عون البصريُّ من صغار التَّابعين (ثَلاَثٌ أُحِبُّهُنَّ لِنَفْسِي وَلإِخْوَانِي) المؤمنين، وفي رواية حمَّاد (( ولأصحابي ) ) (هَذِهِ السُّنَّةُ) أي الطَّريقة النَّبوية المحمَّديَّة، والإشارة في قوله (( هذه ) )نوعيَّة لا شخصيَّة (أَنْ يَتَعَلَّمُوهَا وَيَسْأَلُوا عَنْهَا) علماءها (وَالْقُرْآنُ أَنْ يَتَفَهَّمُوهُ) أي يتدبَّروه، وفي رواية يحيى (( فيتدبَّروه ) ).

وقال الكرمانيُّ قال في القرآن (( يتفهَّموه ) )، وفي السُّنة (( يتعلَّموها ) )؛ لأنَّ الغالب على حال المسلم أن يتعلَّم القرآن في أوَّل أمره، فلا يحتاج إلى الوصيَّة بتعلُّمه، فلذا أوصى بفهم معناه، وإدراك منطوقه وفحواه.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن يكون السَّبب أنَّ القرآن قد جُمع بين دفَّتي المصحف، ولم تكن السُّنة يومئذٍ جُمعت، فأراد بتعلُّمها جمعها؛ ليتمكَّن من تفهُّمها، بخلاف القرآن فإنَّه مجموعٌ.

(وَيَسْأَلُوا) أي النَّاس (عَنْهُ، وَيَدَعُوا النَّاسَ) بفتح الدال؛ أي ويتركُوهم (إِلاَّ مِنْ خَيْرٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بسكون الدال، من الدُّعاء، وفي روايةٍ . قال الكرماني أي لا يتعرَّض لهم، رحم الله امرأً شغله خُويصة نفسه عن الغيرِ.

نعم، إن قَدِرَ على إيصال خيرٍ فبها ونعمت، وإلَّا ترك الشَّر أيضًا خيرٌ كثيرٌ. انتهى.

وفي رواية يحيى بن يحيى (( ورجلٌ أقبلَ على نفسه، ولهى عن النَّاس إلَّا من خيرٍ ) )؛ لأنَّ في ترك الشَّرِّ خيرًا كثيرًا.

وصل هذا التَّعليق محمد بن نصرٍ المروزي في كتاب «السُّنة» ، والجوزقيُّ من طريقه قال محمد بن نصرٍ حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا سَليم بن أَخضر سمعت ابن عونٍ يقول غير مرَّةٍ، ولا مرَّتين، ولا ثلاث مرَّاتٍ (( أحبُّهنَّ لنفسي ... إلى آخره ) ).

وقد قال أبو الفتح البستيُّ

~إِنَّا لَفِي زَمَنٍ تَرْكُ الْقَبِيحِ بِهِ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ إِحْسَانٌ وَإِجْمَالُ

[1] في إرشاد الساري هو في تفسير الفريابي والطبري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت