(فَهْوَ أَحَقُّ) جواب «مَنْ» أي الذي أهدي إليه أحقُّ بالهديَّة من جلسائه؛ يعني لا يشاركون معه (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جُلَسَاءَهُ شُرَكَاءُه. وَلَمْ يَصِحَّ) لمَّا كان وضع ترجمة الباب يخالف ما روي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما من أنَّ جلساءه شُركاؤه أشار إليه بصيغة التَّمريض بقوله ويذكر ... إلى آخره، ولم يكتف به حتَّى أكَّده بقوله ولم يصح هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما، ويحتمل أن يكون المعنى ولم يصحَّ في هذا الباب شيءٌ.
ولهذا قال العقيليُّ لا يصحُّ في هذا الباب عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصلحُ إسنادًا من المرفوع.
أمَّا المرفوع فرواه البيهقيُّ من حديث محمد بن الصَّلت ثنا مَنْدل بن علي، عن ابن جُريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أُهديت له هديَّة وعنده ناسٌ فهم شُركاؤه فيها ) )ومندلُ بنُ علي ضعيفٌ.
ورواه عبد الرَّزَّاق أيضًا عن محمد بن مسلم، عن عَمرو، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ورواه أيضًا عبد بن حميد من طريق ابن جُريج عن عَمرو بن دينار، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا ولفظه (( وعنده قوم ) ).
واختلف على عبد الرَّزَّاق عنه في وقفه ورفعه، والمشهور عنه الوقف وهو أصحُّ الرِّوايتين عنه، وله شاهدٌ مرفوعٌ من حديث الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما في «مسند إسحاق بن راهويه» ، وآخر عن عائشة رضي الله عنها عند العقيليِّ، وإسنادهما ضعيفٌ؛ كما قال الحافظ العسقلانيُّ.
وقال ابن بطَّال لو صحَّ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما لحمل على النَّدب عند العلماء فيما خفَّ من الهدايا، وما جرت العادة فيه بترك المشاحَّة،
ج 12 ص 93
فأمَّا مثل الدُّور والمال الكثير فهو أحقُّ بها.
ثمَّ ذكر حكاية أبي يوسف القاضي أنَّ الرشيد أهدى إليه مالًا كثيرًا وهو جالسٌ مع أصحابه، فقيل له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( جلساؤكم شرُكاؤكم ) )، فقال أبو يوسف إنَّه لم يرد في مثله، وإنَّما ورد فيما خفَّ من الهدايا من المآكل والمشارب.
ويروى من غير هذا الوجه أنَّه كان جالسًا وعنده أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فحضر من عند الرَّشيد طبق وعليه أنواع من التُّحف المثمَّنة فروى أحمد أو يحيى هذا الحديث، فقال أبو يوسف ذلك في التَّمر والعجوة، يا خازن ارفعه.