202 - (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة وفي آخره غين معجمة، أبو عبد الله (بْنُ الْفَرَجِ) بالجيم، هو الفقيه القرشي المصري الأموي، كان متعلقًا بالفقه والنظر، قال ابن يونس هو من ولد عَبيد المسجد، وكان بنو أمية يشترون عبيدًا للمسجد يقومون بخدمته، وهو من أولادهم، مات سنة ست وعشرين ومائتين (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي المصري، ولم يكن في المصريين أكثر حديثًا منه، وأصبغ كان ورَّاقًا له، وقد مر في باب من يرد الله به خيرًا [خ¦71] .
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية بالإفراد أيضًا (عَمْرٌو) بفتح العين كما تقتضيه الواو هو
ج 2 ص 227
كما في رواية، أبو أمية المُؤَدِّب الأنصاري المصري القارئ الفقيه، قال أبو زرعة لم يكن له نظير في الفقه في زمانه، وقال ابن بُكَير قدمت المدينة فلَقِيتُ مالكًا فقال من أين أنت؟ قلت من مصر قال ما فعل دُرَّة الغَوَّاص؟ قلت ومن درة الغواص؟ قال عمرو بن الحارث، ثمَّ قال عمرو بن الحارث، ثمَّ قال عمرو بن الحارث، مات بمصر سنة ثمان وأربعين ومائة.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو النَّضْرِ) بفتح النون وسكون المعجمة، سالم بن أبي أمية القرشي المدني، مولى عمر بن عبيد الله التيمي وكاتبه، مات سنة تسع وعشرين ومائة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام عبد الله (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف القرشي الفقيه المدني، كان رجلًا صبيحًا كأن وجهه دينار هِرَقلي، وقد مر في كتاب الوحي [خ¦4] .
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنه (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) رضي الله عنه، وقد مر في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة [خ¦27] ، ورجال هذا الإسناد ثلاثة منهم مصريون وهم أصبغ وابن وهب وعمرو، وثلاثة مدنيون وهم أبو النضر وأبو سلمة وابن عمر، وفيه رواية تابعي عن تابعي أبو النضر عن أبي سلمة، وفيه رواية صحابي عن صحابي وأن معظمهم قرشيون فقهاء أعلام، وهذا الحديث لم يخرجه المؤلِّف إلا هاهنا وهو من أفراده، ولم يخرج مسلم في المسح إلا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخرجه النسائي أيضًا في الطهارة، والظاهر أن هذا من مسند سعد، وكذا جعله أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون من مسند عمر أيضًا.
وقال الدارقطني رواه أبو أيوب الأَفريقي، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن عمر وسعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قال والصواب قول عمرو بن الحارث، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن سعد رضي الله عنهم.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ) الطاهرين الملبوسين على الطهر الساترين لمحل الفرض، وهو القدم بكعبيه من كل الجوانب غير الأعلى، فلو كان واسعًا يُرى منه لم يَضُر (وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما، هو عطف على قوله عن عبد الله بن عمر فيكون موصولًا إن حمل على أن أبا سلمة سمع ذلك من عبد الله، وإلا فأبو سلمة لم يدرك القصة، وعن هذا قال الكرماني وهذا إما تعليق
ج 2 ص 228
من البخاري، وإما من كلام أبي سلمة والظاهر هو الثاني.
(سَأَلَ) أباه (عُمَرَ) أي كما في رواية رضي الله عنه (عَنْ ذَلِكَ) أي عن مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين (فَقَالَ) عمر رضي الله عنه (نَعَمْ) مسح صلى الله عليه وسلم على الخفين (إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا) نكرة في سياق الشرط فيكون عامًا كالواقع في سياق النفي (سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ تَسْأَلْ عَنْهُ) أي عن ذلك الشيء (غَيْرَهُ) ثقة بنقله، وقد أخرج أحمد هذا الحديث من طريق أخرى عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن ابن عمر قال «رأيت سعد بن أبي وقاص يمسح على خُفَّيه بالعراق حين توضأ فأنكرت ذلك عليه، فلما اجتمعنا عند عمر قال لي سعد سل أباك» ، وذكر القصة، ورواه ابن خزيمة من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر نحوه وفيه أن عمر قال «كنا مع نبينا نمسح على خفافنا لا نرى بذلك بأسًا» ، فإن قلت خبر الواحد لا يفيد العلم فيكون السؤال، تحصيلًا للعلم، مطلوبًا فلِمَ نهاه عنه؟
فالجواب أن خبر الواحد قد يكون محفوفًا بالقرائن فيفيد اليقين والصفات الموجبة للعدالة إذا اجتمعت في الراوي كانت من جملة القرائن التي إذا حفَّت خبر الواحد قامت مقام الأشخاص المتعددة فيفيد اليقين خلافًا للبعض، وعمر رضي الله عنه ممن كان يقبل خبر الواحد.
وما نقل عنه من التوقف إنما كان عند وقوع رِيْبة له في بعض المواضع، فإذا أفاد اليقين فلا يحتاج إلى السؤال؛ إذ لا فائدة فيه أو هو كناية عن التصديق أي فصدَّقه وذلك أن المُصدِّق لا يسأل غيره، وإنما أنكر ابن عمر رضي الله عنهما المسح على الخفين مع قِدَم صحبته وكثرة روايته لِمَا خفي عليه ما يطلع عليه غيره؛ فقد يخفى على الصحابي القديم الصحبة من الأمور الجليلة في الشرع ما يطلع عليه غيره، ويحتمل أنه إنما أنكر عليه مسحه في الحَضَر كما هو ظاهر رواية (( الموطأ ) )من حديث نافع وعبد الله بن دينار أنهما أخبراه أن ابن عمر قَدِم الكوفة على سعد وهو أميرها فرآه يمسح على الخفين، فأنكر ذلك عليه فقال له سعد سَلّ أباك، وذكر القصة.
وأما السفر فقد كان ابن عمر يَعْلَمه، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن أبي خيثمة في (( تاريخه الكبير ) )، وابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )من رواية عاصم عن سالم عنه (( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين بالماء في السفر ) )، وقد تكاثرت الروايات بالطرق المتعددة عن الصحابة الذين كانوا لا يفارقونه صلى الله عليه وسلم في الحضر ولا في السفر حتى قال الحسن البصري حدثني سبعون من الصحابة رضي الله عنهم بالمسح على الخفين.
وقد صرَّح جَمْعٌ من الحفاظ بتواتره، وجَمَعَ بعضُهم رواته فجاوزوا الثمانين منهم العشرة، واتفق العلماء
ج 2 ص 229
عليه حتى قال أبو حنيفة رحمه الله إنه من شرائط السنة والجماعة، فقال نحن نفضِّل الشيخين ونُحبُ الخَتْنَين، ونرى المسح على الخفين، ولا نُحرِّم نبيذ التمر يعني المثَلَّث، ولا نُكَفِّر أحدًا من أهل القِبْلَة.
وروي عنه ما قلت بالمسح حتى جاءني مثل ضوء النهار، فكان الجمود ردًا على كبار الصحابة رضي الله عنهم، ونسبته إياهم إلى الخطأ فكان بدعة فلا ينكره إلا المبتدع الضال، قالت الخوارج لا يجوز؛ لأن القرآن لم يَرِد به.
وقالت الشيعة إن عليًا امتنع منه، وهو مردود عليهم بصحته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتواتره على قول بعضهم، حتى قال الكرخي أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين، وقال البيهقي وإنما جاء كراهة ذلك عن علي وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، فأما ما ورد عن علي رضي الله عنه فلم يرد عنه بإسناد موصول يَثْبُت مثله، وأما عائشة رضي الله عنها فثبت عنها أنها أحالت عِلْمَ ذلك على علي رضي الله عنه، وأما ابن عباس فإنما كرهه حين لم يثبت مسح النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول المائدة فلما ثبت رجع إليه.
وقال الجوزقاني في كتاب (( الموضوعات ) )إنكار عائشة غيرُ ثابت عنها، وقال الكاساني وأما الرواية عن ابن عباس فلم تصح؛ لأن مدارها على عكرمة، وروي أنه لما بلغ عطاء قال كذب عكرمة، وروي عنه أنه قال كان ابن عباس يخالف الناس في المسح على الخفين، فلم يَمُتْ حتى تابعهم، وليس بمنسوخ بآية المائدة كما قال بعضهم بأنها مدنية، والمسح منسوخ بها لحديث المغيرة في غزوة تبوك وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، والمائدة نزلت قبلها في غزوة المريسيع، ومما يدل على أنه غير منسوخ حديث جرير رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، وهو أسْلَمَ بعد المائدة.
قال النووي ولما كان إسلام جرير متأخرًا عَلِمْنا أن حديثَه يُعمَل به، وهو مبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخف فتكون السنة مخصصة للآية، وقال ابن قدامة قال أحمد ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ما بين مرفوع وموقوف، وروي عنه أنه قال المسح أفضل يعني من الغَسْل؛
ج 2 ص 230
لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما طلبوا الفضل.
وفي (( الهداية ) )والأخبار فيه مستفيضة حتى إنَّ من لم يره كان مبتدعًا لكن من رآه، ثمَّ لم يمسح آخذًا بالعزيمة كان مأجورًا. انتهى.
وحكى القرطبي مثل هذا عن مالك أنه قال عند موته وعن مالك أقوال أحدها لا يجوز المسح أصلًا، الثاني أنه لا يجوز ويكره، الثالث وهو الأشهر، يجوز أبدًا بغير توقيت، الرابع أنه يجوز بتوقيت، كما هو مذهبنا، الخامس يجوز للمسافر دون الحاضر، السادس عكسه.
وقال ابن عبد البر لا أعلم أحدًا من الفقهاء روي عنه إنكار المسح إلا عن مالك مع أن الروايات الصحيحة عنه مُصرِّحة بإثباته، وقد أشار الشافعي في (( الأم ) )إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف المستقر عندهم الآن قولان الجواز مطلقًا وجوازه للمسافر دون المقيم، وهذا الثاني مقتضى ما في (( المدونة ) )وبه جزم ابن الحاجب، وصحح الباجي الأول، ونقله عن ابن وهب وعن ابن نافع في (( المبسوطة ) )نحوه، وأن مالكًا إنما كان يتوقف فيه في خاصة نفسه مع إفتائه بالجواز، وهذا مثل ما صح عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
قال محمود العيني وفيما قاله ابن عبد البر نظر؛ لما في (( مصنف ابن أبي شيبة ) )من أن مجاهدًا وسعيد بن جبير وعكرمة كرهوه، وكذا حكى أبو الحسين النسابة عن محمد بن علي بن الحسين وأبي إسحاق السبيعي وقيس بن الربيع، وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي بكر بن أبي داود. انتهى.
وفيه أنه يجوز أن يكرهوه كراهة تنزيه أخذًا بالعزيمة، ولئن سلمنا فلم لا يجوز أن يرجعوا عنه؛ فقد نُقِلَ عن ابن المبارك أنه قال كل من رُويَ عنه إنكار المسح فقد رُويَ عنه إثباتُه.
هذا، ثمَّ إن العلماء قد اختلفوا في أيهما أفضل فقال إسحاق والحكم وحماد المسح أفضل من غسل الرجلين، وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وقد ذكر.
وقال أصحاب الشافعي الغسل أفضل من المسح بشرط أن لا يُتْرك المسح رغبة عن السنة ولا يشك في جوازه، وقيل هما سواء، وهي رواية عن أحمد.
وقال ابن المنذر والذي أختاره أن المسح أفضل لأجل من طَعَن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، فإن إحياء ما طَعَن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه.
(وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضم المهملة وسكون القاف وبالموحدة، المدني التابعي صاحب المغازي، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو النَّضْرِ) سالم، التابعي (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وهم على الولاء تابعيون مدنيون (أَخْبَرَهُ) أي أبا النضر (أَنَّ سَعْدًا) أي ابن أبي وقاص رضي الله عنه (حَدَّثَهُ) أي حدث أبا سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، فالمُحدَّث به
ج 2 ص 231
محذوف تبين من الرواية السابقة.
(فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله عنه (لِعَبْدِ اللَّهِ) ولده (نَحْوَهُ) بالنصب مقول القول؛ أي نحو قوله في الرواية السابقة (( إذا حدَّثك سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تسأل غيره ) )، والظاهر أن قول عمر رضي الله عنه في هذه الرواية المعلقة بمعنى الرواية التي وصلها المؤلِّف لا بلفظها، وقد وصلها الإسماعيلي من طريق أخرى عن موسى بن عقبة ولفظه وأن عمر قال لعبد الله؛ أي ابنه، كأنه يلومه «إذا حدثك سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تبتغ وراء حديثه شيئًا» .
وفي رواية أخرى للإسماعيلي عن أبي يعلى حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا وهيب، عن موسى بن عقبة، عن عروة بن الزبير «أن سعدًا وابن عمر اختلفا في المسح على الخفين، فلما اجتمعا عند عمر رضي الله عنه قال سعد لابن عمر سَل أباك عما أنكرت عَليَّ فسأله فقال عمر نعم وإن ذهبت إلى الغائط» .