فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 11127

201 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، هو الفضل بن دُكَين، وقد تقدَّم في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان [خ¦52] (قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح العين المهملة، هو ابن كِدَام بكسر الكاف وبالدال المهملة، أبو سلمة الهلالي العامري الكوفي، قال شعبة كنا نسمي مِسْعرًا المصحف لصدقه.

وقال إبراهيم بن سعد كان شعبة وسفيان إذا اختلفا في شيء قالا اذهب بنا إلى الميزان مسعر.

وقال أبو نعيم كان مسعر شكاكًا في حديثه، وقال الأعمش شيطان مسعر يستضعفه فيشككه في الحديث، وقال أحمد كان حديثه حديث أهل الصدق،

ج 2 ص 224

مات سنة خمس وخمسين ومئة.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ جَبْرٍ) بفتح الجيم وسكون الموحدة هو سبط جبر؛ لأنه عبد الله بن عبد الله بن جَبْر بن عَتِيك، وقد تقدم في باب علامة الإيمان حب الأنصار [خ¦17] ، ومن قاله بالتصغير فقد صحَّف؛ لأن ابنَ جُبير سعيدٌ لا رواية له عن أنس في هذا الكتاب، وقد روى هذا الحديث الإسماعيليُّ من طريق أبي نعيم شيخ البخاري قال حدثنا مسعر قال حدثني شيخ من الأنصار يقال له ابن جبير، ويقال له جابر بن عتيك.

(قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا) بالتنوين، وفي بعض النسخ بدون الألف، وجوِّز حذف الألف منه في الكتابة تخفيفًا، وفي هذا الإسناد كوفيان أبو نعيم وشيخه، وبصريان ابن جبر وأنس وفيه من ينسب إلى جده (يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ) وفي رواية الأَصيلي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ) أي جسده المقدس (أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ) من الافتعال، والشك فيه من البخاري أو من أبي نعيم لمَّا حدَّثَه به، فقد رواه الإسماعيلي من طريق أبي نعيم، فقال (يغتسل) ولم يشك، وقيل هو من ابن جبر، وقيل من الناسخ، ويحتمل أن يكون من مسعر، فافهم.

(بِالصَّاعِ) هو عند أبي يوسف خمسة أرطال وثلث رطل بالعراقيِّ فإنه أربعة أمداد، والمد كما عرفت مختَلَفٌ فيه؛ فعنده هو رطل وثلث رطل بالعراقيِّ، والرطل مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم فيكون الصاعُ حينئذ ستمائة درهم وخمسة وثمانين وخمسة أسباع درهم على ما صححه النووي، وبه قال مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله.

وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله الصاع ثمانية أرطال والمد رطلان، والرطل عندهما مائة وثلاثون درهمًا فيكون الصاعُ ألفَ درهم وأربعين درهمًا، وحجة أبي يوسف ما رواه الطحاوي عنه قال قَدِمْتُ المدينة وأخْرَجَ إليَّ من أثق به صاعًا وقال هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل.

قال الطحاوي وسمعت ابن عمران يقول الذي أخرجه لأبي يوسف هو مالك، وقال عثمان بن سعيد الدَّارمي سمعت علي بن المديني يقول عثرت على صاع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل، وحجة أبي حنيفة

ج 2 ص 225

ومحمد رحمهما الله حديث جابر وأنس رضي الله عنهما، وقد ذُكر في أول الباب.

(إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ) أي كان يغتسل بالصاع فيقتصر عليه وربما يزيد عليه إلى خمسة أمداد، قال الحافظ العسقلاني فكأن أنسًا رضي الله عنه لم يَطَّلِع على أنه عليه السلام استعمل في الغسل أكثر من ذلك؛ لأنه جعلها النهاية، وسيأتي حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد هو الفرِْق، بفتح الراء وسكونها. قال ابن عيينة والشافعي وغيرهما هو ثلاثة آصُع، وقال ابن الأثير الفرق بالتحريك إناء يسع ستة عشر رطلًا، وأما الفرق بالسكون فمائة وعشرون رطلًا، وروى مسلم أيضًا من حديثها «أنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد» . انتهى، وفيه نظر؛ لأن أنسًا رضي الله عنه لم يجعل ما ذكره نهاية لا يتجاوز عنها ولا ينقص، وإنما حكى ما شاهده والحال يختلف بقدر اختلاف الحاجة، وحديث الفرق لا يدل على أن عائشة والنبي صلى الله عليه وسلم كانا يغتسلان بجميع ما في الفرق، وغاية ما في الباب أنه يدل على أنهما كانا يغتسلان [1] من إناء واحد يسمى فرقًا، وكونهما يغتسلان منه لا يستلزم استعمال جميع ما فيه من الماء، وكذلك الكلام في ثلاثة أمداد.

(وَ) كان عليه السلام (يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ) وفي حديث أم عمارة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأُتِيَ بإناء فيه ماء قدر ثلثي مد ) )، وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان في (( صحيحيهما ) )والحاكم في (( مستدركه ) )من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بثلثي مُدٍّ من ماء فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه ) )، وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

وقال الثوري حديث أم عُمَارة حَسَنٌ، وفي أخرى كانت عائشة رضي الله عنها تغتسل بخمس مكاكيكَ وتتوضأ بمكوك، والمكوك المد، وقيل الصاع والأول أشبه، والجمع بين هذه الروايات كما نقله النووي عن الشافعي أنها كانت اغتسالات في أحوال وُجِدَ فيها أكثر ما استعمله وأقلَّه، وهو يدل على أنه لا حَدَّ في قدر ماء الطهارة يجب استيفاؤه بل الإجماع قائم على ذلك، فالقِلَّة والكثرة باعتبار الأشخاص والأحوال، ولهذا جعل الشيخ عزّ الدين

ج 2 ص 226

بن عبد السلام للمتوضئ والمغتسل ثلاثة أحوال

إحداها أن يكون معتدل الخَلْق كاعتدال خلقه صلى الله عليه وسلم فيقتدي به في اجتناب النقص عن المد والصاع.

الثانية أن يكون ضئيلًا نحيف الخَلْق بحيث لا يعادل جسدُه جسدَه صلى الله عليه وسلم، فيُستحب له أن يستعمل من الماء ما يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسده صلى الله عليه وسلم.

الثالثة أن يكون متفاحش الخَلْق طولًا وعرضًا وعِظَم البطن وفخامة الأعضاء فيستحب له أن لا ينقص عن مقدار تكون نسبته إلى بدنه كنسبة المد والصاع إلى بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى ليس معنى الحديث أنه لا يجوز أكثر منه ولا أقل، بل هو قدر ما يكفي هذا؛ أي بل ماء الوضوء والغسل غير مقدر ويكفي فيه القليل والكثير إذا أسبغ وعمَّ.

وقد قال الشافعي رحمه الله قد يَرفُق الفقيهُ بالقليل فيكفي ويَخْرِقُ الأخرقُ فلا يكفي، وأما من قدَّر الوضوء والغسل بما ذكر في الحديث كابن شعبان من المالكية حيث قال لا يجزئ أقل من ذلك، فقد جاوز حدَّ الصَّواب.

وأما محمد بن الحسن حيث روي عنه أنه قال إنَّ المغتسل لا يمكن أن يعم جسده بأقل مما ذكر في الحديث، فقد اعتبر معتدل الخَلْق، وليس مراده أنه لا يجزئ أقل منه بل الاقتصاد وترك السرف ممدوح؛ فيستحب لمن يقدر على الإسباغ بالقليل أن يقلل منه؛ لأن السرَف ممنوعٌ في الشريعة، والله أعلم.

[1] من قوله (( بجميع ما ... إلى قوله يغتسلان ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت