36 - (بابٌ) بالتنوين (رَثَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بلفظ الماضي، ورفع «النَّبي» على الفاعليَّة، ويروى بكسر الراء وبالمد، ويروى بالقصر. وذكر الكرماني وجهًا آخر وهو بفتح الراء وسكون المثلثة وبالياء، وعلى الوجوه كلِّها هو مصدرُ رثى يرثي، وبإضافة الباب إليه.
قوله (سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، نصب على المفعولية، يقال رثيتُ الميِّت مرثِيَةً ورِثَاءً ورِثًا ورَثْيًا، إذا عددت محاسنه، ورثأت بالهمز لغة فيه أيضًا، ويقال رثى له؛ أي رقَّ له، وقد أطلق الجوهريُّ الرِّثاء على عدِّ محاسن الميِّت مع البكاء، وعلى نظم الشِّعر فيه.
فإن قيل روى أحمد وابن ماجه من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المراثي» . وعند ابن أبي شيبة بلفظ «نهانا أن نتراثى» . فإذا نهى عنه فكيف يفعله؟
فالجواب أنَّه ليس مراده من التَّرجمة ما حمل النَّهي عليه ممَّا فيه من تهييج الحزن وتجديد اللَّوعة، أو ما يظهر فيه تبرُّم، أو ما يفعل على الاجتماع له، أو ما يكثر منه، بل المراد هنا إنَّما هو الإشفاق من النَّبي صلى الله عليه وسلم من موت سعد بن خولة بمكَّة بعد أن هاجر منها، فكأنَّه توجَّع عليه وتحزَّن لذلك.
وهذا مثل قول القائل للحيِّ أنا أرثي لك ممَّا يجري عليك، كأنَّه يتحزَّن له، وإنَّ كثيرًا من الصَّحابة والعلماء يفعلونه. وقد قالت فاطمة بنت النَّبي صلى الله عليه وسلم في مرثيته عليه الصَّلاة والسَّلام
~ماذَا علَى مَن شمَّ تربةَ أحمدَ أَنْ لا يَشمَّ مَدَى الزَّمانِ غواليَا
~صبَّتْ عليَّ مصائِبٌ لو أَنَّها صُبَّتْ علَى الأيَّامِ عدْنَ ليَاليَا