1295 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد رضي الله عنه (قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي) من العيادة وهي الزِّيارة، ولا يقال ذلك إلَّا لزيارة المريض.
(عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) سنة عشر من الهجرة، سميت بذلك؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم ودَّعهم فيها، وسمِّيت أيضًا حجَّة البلاغ؛ لأنَّه قال هل بلغت. وحجَّة الإسلام؛
ج 6 ص 304
لأنَّها الحجَّة التي فيها حجَّ أهل الإسلام ليس فيها مشرك، هذا قول الزُّهري.
وقال سفيان بن عيينة كان ذلك يوم فتح مكَّة. وقال البيهقي خالف سفيان الجماعة فقال عام الفتح، والصَّحيح في حجَّة الوداع.
(مِنْ وَجَعٍ) هو اسم لكلِّ مرض، والجمع أَوْجاع ووِجَاع، مثل جَبَل وأَجْبال وجِبَال، ووَجِع فلان ويَوْجَع ويَيْجع ويَاجع فهو وَجِعٌ، وقوم وَجِعون ووَجْعى _ مثل مَرْضى _ ووجاعَى، ونساء وَجَاعَى أيضًا ووجعات، وبنو أسد يقولون يِيجع، بكسر الياء.
(اشْتَدَّ بِي) أي قوي عليَّ (فَقُلْتُ إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ) أي بلغ أثر الوجع في غايته، وفي رواية «أشفيت منه على الموت» [خ¦3936] ؛ أي قاربتُ، ولا يقال أشفى إلَّا في الشَّرِّ بخلاف أشرف وقارب.
(وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ تَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ) وفي نسخة كتبت يعني بصورة المثناة الفوقية لا بصورة الهاء، قيل اسمها عائشة، كذا ذكره الخطيب وغيره، وليست بالتي روى عنها مالك تْيِكَ أخت هذه، وهي تابعيَّة وعائشة صحابيَّة.
قال العيني وكان قد زعم من لا علم عنده أنَّ مالكًا تابعي بروايته عنها، وليس كذلك، ثمَّ إنَّ قوله «ولا ترثني إلَّا ابنة» ، معناه من الولد، وخواص الورثة وإلَّا فقد كان له عصبة، وقيل معناه لا ترثني من أصحاب الفروض سواها، وقيل من النِّساء، وهذا قاله قبل أن يولد له الذكور.
(أَفَأَتَصَدَّقُ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، ويحتمل أن يريد به التَّنجيز أو التَّعليق بما بعد الموت، وفي رواية للبخاري [خ¦2742] (( أفأوصي ) )بدل (( أفأتصدَّق ) ) (بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ) أي لا تتصدَّق بالثلثين.
(فَقُلْتُ) أتصدَّق (بِالشَّطْرِ؟) أي بالنصف بدليل رواية أخرى للبخاري (( فأوصي بالنصف ) ) [خ¦5659] ، ويروى بالفاء والرفع بالابتداء، والتَّقدير فالشَّطر أتصدق به، وقيَّد الزَّمخشري في «الفائق» بالنصب بفعل مضمر؛ أي أوجب الشطر.
وقال السُّهيلي في «أماليه» الخفض فيه أظهر من النَّصب؛ لأنَّ النصب بإضمار أفعل، والخفضُ مردودٌ على قوله بثلثي مالي.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ) أي لا تتصدَّق بالشَّطر (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الثُّلُثُ) يجوز فيه الرفع على أنَّه فاعل فعل محذوف؛ أي يكفيك، أو على أنَّه مبتدأ محذوف الخبر أو عكسه، والنصب على الإغراء أو على تقدير أعطِ.
(وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ) بالباء
ج 6 ص 305
الموحدة مبتدأ وخبر (_ أَوْ) قال (كَثِيرٌ _) بالمثلثة (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) أي إن تترك، وهذا من الذي أُمِيت ماضيه. قال القاضي عياض روِّيناه بفتح الهمزة وكسرها، وكلاهما صحيح انتهى. وجه الفتح أنَّها مصدرية فهي مع صلتها في محل الرفع على الابتداء، والخبر «خير» . ووجه الكسر أنَّها شرطيَّة، والأصل على ما قاله ابن مالك إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير، فحذف الفاء والمبتدأ، كقوله تعالى {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة 180] ؛ أي فالوصيَّة على ما خرَّجه الأخفش، وكقوله صلى الله عليه وسلم لأبيِّ بن كعب (( فإن جاء صاحبها وإلَّا استمتع بها ) ) [خ¦2426] .
وقال ابن الجوزي سمعناه من رواة الحديث بكسر «إن» ، وقال لنا عبد الله بن أحمد النَّحوي إنَّما هو بفتح الألف ولا يجوز الكسر؛ لأنَّه لا جواب له.
وقال القرطبي روايتنا بفتح الهمزة، وقد وهم من كسرها؛ لأنَّها إن جعلها شرطًا لا جواب له، ويبقى «خير» لا رافع له، وقد مرَّ توجيه الكسر آنفًا.
(وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) أي فقراء. قال ابن التِّين العالة جمع عائل، وهو الفقير، وقيل العائل كثير العيال، حكاه الكسائي وليس بمعروف.
(يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) أي يمدُّون أكفَّهم إلى النَّاس بالسُّؤال، أو يطلبون الصَّدقة من أكفِّ النَّاس، ثمَّ عطف على قوله «إنَّك إن تذرهم» ، وهو علَّة للنَّهي عن الوصيَّة بأكثر من الثلث، كأنَّه قيل لا تفعل لأنَّك إن مت فإن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء، وإن عشت تصدَّقت بما بقي من الثلث، وأنفقت على عيالك، وأجرت بذلك فقال
(وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ) أي ذاته ورضاه (إِلاَّ أُجِرْتَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (بِهَا) أي بتلك النَّفقة (حَتَّى مَا تَجْعَلُ) أي الذي تجعله (فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ) أي في فمها.
وقال ابن بطَّال والزَّركشي «تجعلُ» برفع اللام، و «ما» كافَّة كفَّت «حتَّى» عن عملها. وتعقَّبه صاحب «المصابيح» بأنَّه لا معنى للتَّركيب حينئذٍ إن تأمَّلت، بل هي اسم موصول، و «حتَّى» عاطفة؛ أي إلَّا أجرت بتلك النَّفقة التي تبغي بها وجه الله، حتَّى بالشَّيء الذي تجعله في فمِ امرأتك.
فإن قيل يشترط في «حتَّى» العاطفة على المجرور أن يعادَ الخافض.
فالجواب أنَّ ابن مالك قيَّده بأن لا يتعيَّن للعطف نحو عجبت من القوم حتَّى بنيهم. قال ابن هشام يريد أنَّ الموضع الذي يصح أن يحلَّ فيه إلى محلِّ «حتَّى» العاطفة،
ج 6 ص 306
ففيه يحتمل «حتَّى» أن تكون جارَّة، فيحتاج حينئذٍ إلى إعادة الجار عند قصد العطف نحو اعتكفت في الشَّهر حتَّى آخره بمثال الخلاف المذكور، وما في الحديث.
فإن قيل لا يعطف على الضَّمير المجرور إلَّا بإعادة الخافض.
فالجواب أنَّ المختار عند ابن مالك وغيره، وهو المذهب الكوفي لكثرة شواهده نظمًا ونثرًا على أنَّه يمكن أن يعطف على المنصوب المتقدِّم؛ أي لن تنفق نفقة حتَّى الشيء الذي تجعله في فم امرأتك إلَّا أجرت.
(فَقُلْتُ) أي قال سعد رضي الله عنه فقلت، وفي رواية (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ) بضم الهمزة وفتح اللام المشددة على البناء للمفعول، يعني أخلَّف في مكَّة (بَعْدَ أَصْحَابِي) المهاجرين المنصرفين معك، وفي رواية الكُشميهني بهمزة الاستفهام.
قال أبو عمر يحتمل أن يكون لمَّا سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول إنَّك لن تنفقَ نفقة، وهو فعل مستقبل أيقن أنَّه لا يموت من مرضه ذاك، أو ظنَّ ذلك فاستفهمه هل يبقى بعد أصحابه، فأجابه صلى الله عليه وسلم بضربٍ من قوله (( لن تنفق نفقةً تبغي بها وجه الله ) ).
(قَالَ إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ) بعد أصحابك (فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ) أي بالعمل الصَّالح (دَرَجَةً وَرِفْعَةً) قال القرطبي هذا الاستفهام إنَّما صدر من سعد رضي الله عنه مخافة المقام بمكَّة إلى الوفاة، فيكون قادحًا في هجرته، كما نُصَّ عليه في بعض الرِّوايات، إذ قال خشيت أن أموتَ بالأرض التي هاجرت منها، فأجابه صلى الله عليه وسلم بأنَّ ذلك لا يكون، وأنَّه يطول عمره فقال
(ثُمَّ لَعَلَّكَ) ذو [1] (أَنْ تُخَلَّفَ) بأن يطول عمرك؛ أي إنَّك لن تموت بمكَّة (حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمين بما يفتحه الله على يديك من بلاد الشِّرك، ويأخذه المسلمون من الغنائم.
(وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الهالكين على يديك، وعلى يد جندك، وكذلك كان فإنَّه عاش زيادة على أربعين سنة حتَّى فتح العراق وغيره، وانتفعَ به المسلمون في دينهم ودنياهم، وتضرَّر به المشركون.
وقال ابن بطَّال أتى سعد حين كان أميرًا على العراق بقومٍ ارتدوا فاستتابهم فتابَ بعضهم، وأصرَّ بعضُهم فقتلهم فانتفع به من تابَ، وتضرَّر به الآخرون. وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم حيث وقع الأمر على ما أخبر، ثمَّ إنَّ كلمة «لعلَّ» معناها التَّرجي، لكن إذا وردت عن الله أو رسوله تكون للتَّحقيق.
وقال البدر الدَّماميني
ج 6 ص 307
وفي الحديث دخول «أن» على خبر «لعلَّ» وهو قليل، فيحتاج إلى التَّأويل انتهى، وقد أشرنا إليه.
(اللَّهُمَّ أَمْضِ) بقطع الهمزة من الإمضاء، يقال أمضيت الأمر؛ أي أنفذته؛ أي أتمم (لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ) التي هاجروها من مكَّة إلى المدينة (وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضيَّة، فيخيب قصدهم ويسوء حالهم، ويقال لكلِّ من رجع إلى حال دون ما كان عليه رجعَ على عقبه وحار.
ومنه الحديث (( أعوذُ بك من الحورِ بعد الكور ) )أي من النُّقصان بعد الزِّيادة، وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها، وتركوها لله تعالى مع حبِّهم الإقامة فيها بالطَّبع، فمن ثمَّة خشي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يموت فيها، وتوجَّع النَّبي صلى الله عليه وسلم لسعد بنِ خولة رضي الله عنه لكونه مات بها حيث قال صلى الله عليه وسلم (لَكِنِ الْبَائِسُ) بالموحدة والهمزة آخره سين مهملة، الذي ناله البؤس؛ أي شدَّة الفقر والحاجة، أو الذي عليه أثرُ البؤس، وقد يكون بمعنى المفعول، كقوله عيشةً راضيةً.
(سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ) بالرفع على أنَّه خبر «لكن» ، بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، قيل إنه أسلم ولم يهاجر من مكَّة حتَّى مات، وذكره البخاري فيمن شهد بدرًا وغيرها، وتوفِّي بمكَّة في حجَّة الوداع، وقوله (يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي يرقُّ له (أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) أي لأجل موته بالأرض التي هاجر منها، وكان يهوى أن يموت بغيرها، [وهذا] من كلام الزُّهري.
وقيل من كلام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهو تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم (( لكن البائس سعد بن خولة ) )فباعتبار التَّفسير يطابق الحديث للتَّرجمة.
ولا يَرِدُ ما قاله الإسماعيلي بأنَّ هذا ليس من مراثي الموتى؛ لأنَّ الرثاء في التَّرجمة بمعنى الرِّقة والإشفاق كما تقدَّم [خ¦1295] ، ولا يرد أيضًا أنَّه ليس بمرفوع، وإنَّما هو مدرج من قول الزُّهري؛ لأنَّه تفسير للمرفوع.
ثمَّ قوله (( أن مات ) )، بفتح الهمزة ولا يصحُّ الكسر على إرادة الشَّرط؛ لأنَّ الشرط لما يستقبل وهو قد كان وانقضى، والله أعلم.
قال أبو عمر هذا حديث اتَّفق أهل العلم على صحَّة سنده، وجعله جمهور الفقهاء أصلًا في مقدار الوصيَّة، وأنَّه لا يتجاوز بها الثُّلث إذا ترك ورثة من بنين وعصبة. واختلفوا إذا لم يتركهما ولا وارثًا بنسب أو نكاح، فقال ابن مسعود رضي الله عنهما إذا كان كذلك جاز له أن يوصي بماله كلِّه.
وعن أبي موسى رضي الله عنه مثله، وقال بقولهما قوم منهم مسروق وعبيدة وإسحاق. واختَلف في ذلك قول أحمد،
ج 6 ص 308
وذهب إليه جماعة من المتأخِّرين ممَّن لا يقول بقول زيد بن ثابت رضي الله عنه في هذه المسألة.
وعن عَبيدة إذا مات الرَّجل وليس عليه عقد لأحدٍ ولا عصبة ترثه فإنَّه يوصي بماله كلِّه حيث شاء. وعن مسروق وشريك مثله. وعن الحسن وأبي العالية مثله ذكره في «المصنَّف» ، وقال القرطبي وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق ومالك في أحد قوليهما.
وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه لا يجوز لأحدٍ أن يوصي بأكثر من ثلثه إذا كان [له] بنون أو وَرَّثَ كلالة أو ورثه جماعة المسلمين؛ لأنَّ بيت مالهم عصبةُ من لا عصبة له، وإليه ذهب جماعة.
وأجمع فقهاء الأمصار أنَّ الوصية بأكثر من الثُّلث إذا أجازها الورثة جازت، وإن لم يجزها الورثة لم يجز منها إلَّا الثُّلث. وأبى ذلك أهل الظَّاهر فمنعوها وإن أجازها الورثة وهو قول عبد الرَّحمن بن كيسان، وكذلك قالوا إنَّ الوصية للوارث لا تجوز وإن أجازها الورثة لحديث (( لا وصيَّة لوارث ) )وسائر الفقهاء يجيزون ذلك إذا أجازها الورثة ويجعلونها هبة.
وفي الحديث دَلالة على أنَّ الثُّلث هو الغاية تنتهي إليها الوصيَّة، وأنَّ النقصَ عنه أفضل، ذكره جماعة من أهل العلم.
قال طاوس إذا كانت ورثته قليلًا وماله كثير فلا بأس أن يبلغ الثُّلث. واستحبَّ طائفة الوصيَّة بالرُّبع وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وقال إسحاق السنة الرُّبع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( الثُّلث كثير ) )إلَّا أن يكون رجل يعرف في ماله شبهة، فيجوز له الثُّلث. قال أبو عمر لا أعلم لإسحاق حجَّة في قوله السُّنَّة الرُّبع.
وقال ابن بطَّال أوصى عمر رضي الله عنه بالرُّبع، واختار آخرون السُّدس. وقال إبراهيم كانوا يكرهون أن يوصوا بمثل نصيب أحدِ الورثة حتَّى يكون أقلَّ. رواه عنه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ، وكان السُّدس أحبُّ إليه من الثُّلث.
وأوصى أنس رضي الله عنه فيما ذكره في «المصنف» من حديث عبادة الصيدلاني عن ثابت عنه بمثل نصيبِ أحد ولده، وأجازَ آخرون العشر.
وعن أبي بكر رضي الله عنه أنَّه يفضِّل الوصيَّة بالخمس وبذلك أوصى وقال رضيت لنفسي ما رضي الله لنفسه؛ يعني خمس الغنيمة.
واستحبَّ جماعة الثُّلث محتجِّين بحديث الباب، وبحديثٍ ضعيفٍ رواه ابن وهب عن طلحةَ بن عَمرو، وتفرَّد بذكره مع ضعفه عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( جعلَ الله لكم في الوصيَّة ثلث أموالكُم زيادة في أعمالكُم ) ).
ج 6 ص 309
وفيه جوازُ ذكر المريض ما يجدُه لغرضٍ صحيحٍ من مداواة أو دعاءٍ أو وصيَّة ونحو ذلك، وإنَّما يكره من ذلك ما كان على سبيل التَّسخُّط ونحوه، فإنَّه قادحٌ في أجر مرضه.
وفيه ما ذهب إليه الجمهور في هباتِ المريض وصدقته وعتقه من أنَّ ذلك من ثلثه لا من جميع ماله، وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه ومالك واللَّيث والأوزاعي والثَّوري والشَّافعي وأحمد وإسحاق، وعليه أهل الحديث والرَّأي محتجين بحديث عمران بن حصين رضي الله عنه في الذي أعتق ستَّة أعبد في مرضه ولا مال له غيرهم، ثمَّ توفي فأعتق منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنين وأرقَّ أربعة.
وقال فرقة من أهل النَّظر وأهل الظَّاهر في هبة المريض إنَّها من جميع المال. وقال ابن بطَّال هذا القول لا نعلم أحدًا قال به من المتقدِّمين.
وفيه استحباب عيادة المريض للإمام وغيره.
وفيه إباحة جمع المال، وأنَّه لا عيب في ذلك خلافًا لمن يدَّعيه من بعض المتصوِّفة.
وفيه الحثُّ على صلة الرَّحم والإحسان إلى الأقارب، واستحباب الإنفاق في وجوه الخير، وأنَّ الأعمال بالنِّيَّات، وأنَّ المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة ويثاب به، وقد نبَّه عليه بأحسن الحظوظ الدُّنيوية التي تكون في العادة عند المداعبة، وهو وضع اللُّقمة في فم الزَّوجة، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطَّاعة وجه الله، ويحصل به الأجر فغيره بالطَّريق الأولى.
وفيه من أعلام النبوَّة أنَّه أطلعه الله عزَّ وجلَّ على أنَّ سعدًا لا يموت حتَّى ينتفع به قوم ويضر به آخرون على ما تقدَّم.
وفيه أنَّ الإنفاق إنَّما يحصل فيه الأجر إذا أريد به وجه الله، والنَّفقة على العيال تحتمل وجهين
الأوَّل أنَّ يكون المعنى يكتسب له بذلك أجر الصَّدقة.
الثَّاني أنَّه لمَّا أراد أن يتصدَّق بماله أخبره أنَّ ما يناله العيال فيه أجرٌ كما في الصَّدقة.
قال القرطبي يفيد منطوقه أنَّ الأجر في النَّفقات لا يحصل إلَّا بقصد القربة، وإن كانت واجبة ومفهومه أنَّ من لم يقصد القربة لم يؤجر على شيء منها والمعنيان صحيحان. وهل إذا أنفق نفقة واجبة على الزَّوجة أو الوالد الفقير لم يقصد التقرُّب هل تبرأ ذمَّته أو لا؟
فالجواب أنَّها تبرأ ذمَّته من المطالبة؛ لأنَّ وجوب
ج 6 ص 310
النَّفقة من العبادات المعقولة المعنى، فتجزئ بغير نيَّة كالدُّيون وأداء الأمانات وغيرها من العبادات، لكن إذا لم ينوِ لم يحصل له أجر.
وفيه فضيلة طول العمر للازدياد من الخير.
وفيه حكم الهجرة، ولكنَّه ارتفع وجوبها بعد الفتح. واستبعد القاضي عياض ارتفاع حكمها بعد الفتح فقال حكمها باق بعد الفتح أيضًا بهذا الحديث، وقيل إنَّما لزم المهاجرين المقام بالمدينة بعد الفتح لنصرة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ الشَّريعة عنه وشبه ذلك، فلمَّا انتقل صلى الله عليه وسلم ارتحل أكثرهم منها.
وقال القاضي عياض قيل لا يحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه بمكَّة وموته بها إذا كان لضرورة، وإنَّما يحبطه ما كان بالاختيار. وقال قوم موت المهاجر بمكَّة يحبط هجرته كيف ما كان، وقيل لم يفرض الهجرة إلَّا على أهل مكَّة خاصَّة.
وفيه أنَّ طلب الغنى للورثة أرجحُ على تركهم عالة، ومن هنا أخذ ترجيح الغني على الفقير.
وفيه جواز تخصيص عموم الوصيَّة المذكورة في القرآن بالسنَّة، وهو قول الجمهور، والله أعلم.
ثمَّ هذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4409] ، و «الدَّعوات» [خ¦6373] ، و «الهجرة» [خ¦3936] ، و «الطِّب» [خ¦5659] ، و «الفرائض» [خ¦6733] ، و «الوصايا» [خ¦2742] ، و «النَّفقات» [خ¦5354] . وأخرجه مسلم في «الوصايا» ، وكذا أبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجه.
[1] هكذا في الأصل.