ج 19 ص 107
عن الحرث بالمصدر إمَّا للمبالغة أو على حذف مضاف من الأوَّل؛ أي وطء نساؤكم حرث؛ أي كحرث، أو من الثَّاني؛ أي نساؤكم ذواتُ حرث أو مواضع حرث، ولكم في موضع رفع صفة لحرث فيتعلَّق بمحذوف، وأفرد الخبر مع كون المبتدأ جمعًا؛ لأنَّه مصدر، والأفصحُ فيه الإفراد والتَّذكير حينئذٍ.
وقال في «الكشاف» {حَرْثٌ لَكُمْ} مواضعُ حرثٍ لكم، وهذا مجاز شبَّههنَ بالمحارث تشبيهًا لما يلقى في أرحامهنَّ من النَّطف التي منها النَّسل بالبذور، انتهى.
قوله وهذا مجازٌ، قيل باعتبار إطلاق الحرث على مواضعِ الحرث. وقيل باعتبار تغيُّر حكم الكلمة في الإعراب من جهةِ حذف المضاف كما في {وَاسْأَلِ القَرْيَةَ} [يوسف 82] ، وقيل باعتبار حمل المشبه به على المشبه بعد حذف الأداة، كما في زيد أسد، وكثيرًا ما يُقال له المجاز، وإن لم يكن استعارة، وكأن التَّجوُّز في ظاهر الحكم بأنَّه هو، ثمَّ أشار إلى أنَّ هذا التَّشبيه متفرِّعٌ على تشبيه النُّطف الملقاة في أرحامهنَّ بالبذور إذ لولا اعتبار ذلك لم يكن بهذا الحسن. وقيل المراد بالمجاز الاستعارة بالكناية؛ لأنَّ في جعل النِّساء محارث دَلالةٌ على أنَّ النُّطف بذورٌ على ما أشار إليه بقوله تشبيهًا لما يُلقى إلى آخره كما تقول إنَّ هذا الموضع لمفترس الشُّجعان.
قال المحقق التَّفتازاني ولا أرى ذلك جاريًا على القانون إلَّا أن يُقال التَّقدير نساؤكم حرثٌ لنطفكم ليكون المشبه مصرَّحًا، والمشبَّه به مكنيًا، انتهى. وقد روي عن مقاتل فروجُ نسائكم مزرعة للولد.
( {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} ) أي فأتوهنَّ كما تأتون المحارث ( {أَنَّى شِئْتُمْ} ) اختلف في معنى أنى، فقيل كيف، وقيل حيث، وقيل متى، وبحسب هذا الاختلاف جاء الاختلاف في تأويل الآية.
وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما أُنزلت هذه الآية {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} في أناسٍ من الأنصار أتوا النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألوه، فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ائتها على كلِّ حالٍ إذا كان في الفرج ) ). وروى أيضًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال جاء عمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه
ج 19 ص 108
إلى رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا رسول الله هلكت قال (( ما الَّذي أهلككَ؟ قال حوَّلت رَحْلي البارحة، فلم يرد عليه شيئًا ) )قال وأوحى الله إلى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الآية {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة 223] أقبل وأدبر واتَّق الدُّبر والحيضة. ورواه التِّرمذي وقال حسنٌ غريبٌ، وقوله {أَنَّى شِئْتُمْ} ؛ أي كيف شئتُم مقبلة أو مدبرة في صمامٍ واحدٍ؛ أي في مسلكٍ واحدٍ، والصِّمام _ بكسر الصاد المهملة وتخفيف الميم، ويروى بالسين المهملة _ ما يُسَد به الفُرْجة، فسُمِّي به الفرج، ويجوز أن يكون المعنى في موضعِ صمَّام على حذف مضاف.
( {وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ} ) أي ما يُدَّخر لكم [من الثواب] ، وقيل هو طلبُ الولد، وعند ابن جرير عن عطاء قال أُراه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما {وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} قال يقول بسم الله، التسمية عند الجماع (الآيَةَ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله < {وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} >.