فهرس الكتاب

الصفحة 6502 من 11127

4526 - 4527 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ راهويه، قال (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بسكون الضاد المعجمة (ابْنُ شُمَيْلٍ) بضم الشين المعجمة، مصغَّر شمل، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عَوْن _ بفتح المهملة وبالنون _ الفقيه المشهور (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر، أنَّه (قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا) أي أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلب، وجاء ذلك صريحًا في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع قال (( قال لي ابن عمر رضي الله عنهما أمسكْ علي المصحف يا نافع فقرأَ سورة البقرة ) )الحديث أخرجه الدَّارقطني في «غرائب مالك» .

(فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ) هو قوله تعالى {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة 223] (قَالَ) أي ابن عمر رضي الله عنهما (تَدْرِي فِيمَا) بألف بعد الميم، وفي رواية أبي ذرٍّ بدون ألف (أُنْزِلَتْ) أي هذه الآية، قال نافع (قُلْتُ لاَ، قَالَ أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ مَضَى) أي في قراءته، هكذا أورده مبهمًا لمكان الآية والتَّفسير، وقد أخرج إسحاق بن راهويه هذا

ج 19 ص 109

الحديث في «مسنده» ، وفي «تفسيره» بالإسناد المذكور هنا، وقال بدل قوله حتَّى انتهى إلى مكان (( حتَّى انتهى إلى قوله {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ) )فقال تدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت لا، قال نزلت في إتيان النِّساء في أدبارهنَّ، فبيَّن فيه ما أُبهم هنا.

وهكذا أورده ابنُ جرير من طريق إسماعيل بن عليَّة عن ابن عون مثله. ومن طريق إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي عن ابن عون نحوه.

- (وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ) هو ابنُ عبد الوارث بن سعيد التَّنُّوري المصري، وهو معطوفٌ على قوله «أخبرنا النَّضر بن شُميل» ؛ يعني أنَّ إسحاق بن راهويه يروي أيضًا عن عبد الصَّمد، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) أي عبد الوارث بن سعيد، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَيُّوبُ) هو السَّختياني (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، أنَّه قال في قوله تعالى ( {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة 223] قَالَ يَأْتِيهَا) أي زوجها (فِي) كذا وقع في جميع النُّسخ بحذف المجرور، وهو الظَّرف ولم يذكر في أيِّ شيءٍ، وهذه الرِّواية رواها ابنُ جرير في «التَّفسير» عن أبي قلابة الرَّقاشي عن عبد الصَّمد بن عبد الوارث حدَّثني أبي فذكره بلفظ يأتيها في الدُّبر. قيل وأسقط البُخاري ذلك لاستنكاره، ولكن وقع في (( الجمع بين الصحيحين ) )للحميدي يأتيها في الفرج، بهذا قد تبيَّن أنَّ مجرور كلمة «في» هو قوله «الفرج» .

وقال الحافظُ العسقلاني وهو من عنده بحسب ما فهمه، وليس مطابقًا لما في نفسِ الأمر [1] . وقد قال أبو بكر ابن العربي في «سراج المريدين» أورد البُخاري هذا الحديث في التَّفسير فقال يأتيها في، وترك بياضًا. والمسألة مشهورةٌ صنَّف فيها محمد بن سُحنون جزءًا، أو صنَّف فيها محمد بن شعبان كتابًا، وبيَّن أنَّ حديث ابن عمر رضي الله عنهما في إتيان المرأة في دبرها، انتهى.

وتعقَّبه العيني بأنَّا لا نسلم عدم مطابقتهِ لما في نفس الأمر؛ لأنَّ ما في نفسِ الأمر عند من لا يرى إباحة إتيان النِّساء في أدبارهنَّ أن يقدِّر بعد كلمة في إمَّا لفظ الفرج، أو القبل، أو موضع الحرث، والظَّاهر من حال البُخاري أنَّه لا يرى إباحة ذلك،

ج 19 ص 110

ولكن لما ورد من حديث أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه ما يفهمُ منه إباحة ذلك.

ووردت أحاديث كثيرة في منع ذلك تأمَّل في ذلك، ولم يترجَّح عنده في ذلك الوقت أحدُ الأمرين فترك بياضًا بعد «في» ؛ ليكتب فيه ما يترجَّح عنده من ذلك. والظَّاهر أنَّه لم يُدركه، فبقي البياض بعده مستمرًا، فجاء الحميدي، وقدَّر ذلك حيث قال يأتيها في الفرج، نظرًا إلى حال البُخاري أنَّه لا يرى خلافه، ولو كان الحميديُّ علم من حال البُخاري أنَّه يُبيح الإتيان في أدبارِ النِّساء لم يُقدر هذا التَّقدير؛ بل كان يقدِّر يأتيها في أيِّ موضعٍ شاء، كما صرَّح به في رواية ابن جرير في نفسِ حديث عبد الصمد يأتيها في دبرها، انتهى.

وقال الكرماني وهذا دليلٌ على جواز حذف المجرور والاكتفاء بالجار، وفيه أنَّ هذا لا يجوز إلَّا عند بعض النَّحويين في ضرورة الشِّعر. وقال الحافظُ العسقلاني وهذا الَّذي استعمله البُخاري نوعٌ من أنواعِ البديع يُسمَّى الاكتفاء، ولا بُدَّ له من نكتةٍ يحسُن بسببها استعماله، انتهى.

وتعقَّبه العيني، وقال ليت شعري من قال من أهلِ صناعة البديع أنَّ حذف المجرور وذكر الجار وحدَه من أنواع البديع، والاكتفاء إنَّما يكون في شيئين متضادَّين يذكر أحدهما، ويكتفي به عن الآخر، كما في قوله تعالى {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ} [النحل 81] والتَّقدير والبرد، ولم يُبين أيضًا ما هو المحسن لذلك على أنَّ جمهور النُّحاة لا يجوزون حذف المجرور إلَّا أنَّ بعضهم قد جوَّز ذلك في ضرورة الشِّعر، انتهى.

وأجيب بأنَّ ما ذكره العيني هو أحدُ أنواع الاكتفاء، والنَّوع الثَّاني الاكتفاء ببعض الكلام وحذف باقيه، والثَّالث أشذُّ منه وهو حذفُ بعض الكلمة، وقيل هذا المعترض لا يدري وينكر على من يدري، انتهى.

(رَوَاهُ) أي الحديث المذكور (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) القطَّان أبو صالح البصري (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن سعيد بن فَرُّوْخ _ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون

ج 19 ص 111

الواو وبالخاء المعجمة _ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) أي ابن عمر (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، وهذه الرِّواية وصلها الطَّبراني في «الأوسط» من طريق أبي بكر الأعين عن محمد بن يحيى المذكور بالسَّند المذكور إلى ابن عمر رضي الله عنهما قال إنَّما نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} رخصةً في إتيان الدُّبر. قال الطَّبراني لم يروه عن عُبيد الله بن عمر إلَّا يحيى بن سعيد تفرَّد به عن أبيه. قال الحافظُ العسقلاني لم يتفرَّد به يحيى بن سعيد، فقد رواه عبد العزيز الدَّراوردي عن عبيد الله بن عمر أيضًا عن نافع، كما عند الدَّارقطني في «غرائب مالك» ، ورواه الدَّارقطني أيضًا في «الغرائب» من طريق الدَّراوردي عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقد روى هذا الحديث عن نافع أيضًا جماعة غير من ذكروا ورواياتهم بذلك ثابتة عند ابن مردويه في «تفسيره» وفي «فوائد الأصبهانيين» لأبي الشيخ و «تاريخ نيسابور» للحاكم وغيرها.

وقد عاب الإسماعيلي صنيع البُخاري ذلك فقال جميع ما أخرج عن ابن عمر رضي الله عنهما مبهمٌ لا فائدة فيه، وقد رُوِّيناه عن عبد العزيز _ يعني الدَّراوردي _ عن مالكٍ وعبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب ثلاثتهم عن نافعٍ بالتَّفسير، وعن مالك من عدة أوجه انتهى كلامه، ورواية الدَّراوردي المذكورة قد أخرجها الدارقطني في «غرائب مالك» من طريقه عن الثَّلاثة عن نافعٍ نحو رواية ابن عون، عنه، ولفظه نزلت في رجلٍ من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم النَّاس ذلك، فنزلت قال فقلت له من دبرها في قبلها، قال لا إلَّا في دبرها.

لكن قال الحافظُ ابن كثير لا تصحُّ، وقال الحافظُ العسقلاني وتابع نافعًا على ذلك زيد بن أسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، وروايته عند النَّسائي بإسنادٍ صحيحٍ، وتكلَّم الأزدي في بعض رواته، وردَّ عليه ابن عبد البرِّ وأصاب قال ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحةٌ مشهورةٌ من رواية نافع عنه، بغير نكيرٍ أن يرويها عنه زيد بن أسلم.

قال ابن أبي حاتم الرَّازي لو كان هذا عند زيد بن أسلم عن ابن عمر لما أولع النَّاس بنافعٍ، قال ابنُ كثير وهذا تعليلٌ منه لهذا الحديث، وقد رواه عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا ابنه عبد الله، أخرجه النَّسائي أيضًا وسعيد بن يسار، وسالم بن عبد الله بن عمر وروايتهما عنه عند النَّسائي وابن جرير، ولفظه عن عبد الرَّحمن بن القاسم قلت لمالك إنَّ ناسًا يروون عن سالم كَذَبَ العبد على أبي، فقال مالك أشهد على يزيد بن رومان أنَّه أخبرني عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه مثل ما قال نافع،

ج 19 ص 112

فقلت له إنَّ الحارث بن يعقوب يروي عن سعيد بن يسار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال أويفعل ذلك مسلم؟ فقال مالك أشهدُ على ربيعة لأخبرني عن سعيد بن يسار عن ابنِ عمر رضي الله عنهما مثل ما قالَ نافع.

وأخرجه الدَّارقطني من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم عن مالك، وقال هذا محفوظٌ عن مالك صحيح، وقد نقل إباحة ذلك عن جماعة من السَّلف لهذه الأحاديث، وظاهر الآية.

ونسبه ابن شعبان من المالكيَّة لكثيرٍ من الصَّحابة والتَّابعين ولإمام الأئمَّة مالك في روايات كثيرة.

قال أبو بكر الجصَّاص في «أحكام القرآن» له المشهور عن مالك إباحته، وأصحابه ينفون هذه المقالة عنه لقبحهَا وشناعتها، وهي عنه أشهرُ من أن تندفعَ بنفيهم عنه.

وقد روى محمد بن سعد عن أبي سليمان الجَوْزجاني قال كنت عند مالك بن أنسٍ فسُئل عن النِّكاح في الدُّبر، فضرب بيده على رأسه، وقال السَّاعة اغتسلت منه، انتهى.

لكن روى الخطيب عن مالكٍ من طريق إسرائيل بن روح قال سألت مالكًا عن ذلك فقال ما أنتم قومٌ عرب، هل يكون الحرث إلَّا في موضع الزَّرع؟ لا تعدوا الفرج، قلت يا أبا عبد الله إنَّهم يقولون إنَّك تقول ذلك قال يكذبون عليَّ يكذبون.

فالظَّاهر أنَّ أصحابه المتأخِّرين اعتمدوا على هذه القصَّة، فلعلَّ مالكًا رجعَ عن قوله الأوَّل، أو كان يرى العمل على خلافِ حديث ابن عمر رضي الله عنهما فلم يعمل به وإن كانت الرِّواية فيه صحيحةً على قاعدته، ولذا قال بعض المالكيَّة إنَّ ناقلَ إباحته عن مالك مفترٍ كاذب، ونقل عن ابنِ وهب أنَّه قال سألت مالكًا فقلت حكوا عنك أنَّك تراه؟ قال معاذ الله وتلا {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} قال ولا يكون الحرث إلَّا موضع الزَّرع، وإنَّما نسب هذا للكتاب «السر» وهو كتابٌ مجهولٌ لا يُعتمد عليه.

قال القُرطبي ومالك أجل من أن يكون له كتاب سرٍّ هذا، ثمَّ إنَّه لم ينفرد ابن عمر رضي الله عنهما بذلك فقد أخرج أبو يعلى وابن مردويه وابن جرير والطَّحاوي من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه أنَّ رجلًا أصاب امرأته في دبرها، فأنكرَ النَّاس ذلك عليه، وقالوا أَثْفَرها، فأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية. وعلَّقه النَّسائي عن هشام بن سعد عن زيد.

ج 19 ص 113

وهذا السَّبب في نزول هذه الآية مشهورٌ، وكأنَّ حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه لم يبلغ ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وبلغه حديث ابن عمر رضي الله عنهما فوهمه فيه، فروى أبو داود من طريق مجاهدٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال إنَّ ابنَ عمر وهمَ، والله يغفر له، إنَّما كان هذا الحيُّ من الأنصار، وهم أهل وثنٍ مع هذا الحيِّ من يهود وهم أهل كتاب، وكانوا يأخذون بكثيرٍ من فعلهم، وكان أهل الكتاب لا يأتون النساء إلَّا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة فأخذَ ذلك الأنصار عنهم، وكان هذا الحيُّ من قريشٍ يتلذَّذون بنسائهم مقبلات ومدبراتٍ مستلقيات في الفرج.

وأخرج أحمد والتِّرمذي من وجهٍ آخر صحيح عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال جاء عمر رضي الله عنه فقال يا رسول الله، هلكت حولت رحلي البارحة، فأنزل الله هذه الآية {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة 223] الحديث. وهذا الَّذي حمل عليه ابن عبَّاس رضي الله عنهما الآية موافقٌ لحديث جابر رضي الله عنه المذكور في الباب [خ¦4528] في سبب نزولِ الآية، وقد عرفت مذهب مالكٍ في هذا الباب.

وأمَّا مذهب الشَّافعي فيه، فالصَّحيح أنَّه حرامٌ عنده أيضًا لما سيأتي من الأدلَّة الَّتي تدلُّ على التَّحريم، وأمَّا ما حكاه الطَّحاوي، وكذا رواه الحاكم في «مناقب الشافعي» من طريق محمد بن عبد الحكم أنَّه سمع الشَّافعي يقول ما صحَّ عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تحليله ولا تحريمه شيء، والقياس أنَّه حلالٌ، فقال الحاكم لعلَّ الشَّافعي كان يقول ذلك في القديم، وأمَّا في الجديد فقد صرَّح بالتَّحريم.

وقال الطَّحاوي وكان أبو نصر بن الصباغ يحلفُ بالله الَّذي لا إله إلا هو لقد كذب، يعني ابن عبد الحكم على الشَّافعي في ذلك، فإنَّ الشَّافعي نصَّ على تحريمه في ستَّة كتبٍ من كتبه.

وأمَّا ما ذكره الحاكم في «مناقب الشافعي» من طريق ابن عبد الحكم أيضًا أنَّه حكى عن الشَّافعي مناظرةً جرت بينه وبين محمد بن الحسن في ذلك، وأنَّ محمد بن الحسن احتجَّ عليه بأنَّ الحرث إنَّما يكون في الفرج فقال فيكون ما سوى الفرج محرمًا فألتَزَمه، فقال أرأيت

ج 19 ص 114

لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها أفي ذلك حرثٌ؟ قال لا، قال أفيحرم؟ قال لا، فكيف تحتجُّ بما لا تقول به، فيحتمل أن يكون ألزم محمدًا بطريق المناظرة وإن كان لا يقول بذلك، والحجَّة عنده في التَّحريم غير المسلك الَّذي سلكه محمَّد كما يشير إليه كلامه في «الأم» من حديث خزيمة، وغيره كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وأمَّا مذهبُ الجمهور فتحريمه، فمن الصَّحابة عليُّ بن أبي طالبٍ وابن عبَّاس وابن مسعود وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عَمرو بن العاص وأبو الدَّرداء وخزيمة بن ثابت وأبو هريرة وعلي بن طلق وأم سلمة رضي الله عنهم. وقد اختلف عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والأصحُّ عنده أيضًا المنع.

ومن التَّابعين سعيد بن المسيَّب ومجاهد وإبراهيم النَّخعي وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن وعطاء بن أبي رباح، ومن الأئمَّة سفيان الثَّوري وأبو حنيفة الشَّافعي في الصَّحيح وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وآخرون كثيرون، واحتجُّوا في ذلك بأحاديث كثيرة منها حديث خُزيمة بن ثابت عند أحمد (( نهى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأتيَ الرَّجل امرأته في دُبرها ) ). ومنها حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند التِّرمذي مرفوعًا (( لا ينظر الله إلى رجلٍ أتى امرأةً في دبرها ) ). ومنها حديث خزيمة أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ، لا تأتوا النِّساء في أدبارهنَّ ) )أخرجه الطَّحاوي والطَّبراني وإسناده صحيحٌ. ومنها حديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( هي اللِّواطة الصُّغرى؛ يعني وطء النِّساء في أدبارهنَّ ) )أخرجه الطَّحاوي بإسنادٍ صحيحٍ والطَّيالسي والبيهقي.

ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا ينظرُ الله إلى رجلٍ وطئ امرأته في دبرها ) )أخرجه الطَّحاوي وابن أبي شيبة وابن ماجه وأحمد. ومنها حديث جابر بن عبد الله نحو حديث خزيمة، وفي رواية (( لا يحلُّ ما إتيان النِّساء في حُشُوشهنَّ ) )وفي رواية (( في مَحَاشهنَّ ) )أخرجه

ج 19 ص 115

الطَّحاوي.

ومنها حديث طلق بن علي أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( إنَّ الله لا يستحي من الحقِّ لا تأتوا النِّساء في أعجازهنَّ ) )أخرجه الطَّحاوي وابن أبي شيبة، وفي رواية (( في أعجازهنَّ ) )أو قال (( أدبارهنَّ ) )، وحملوا ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما على أنَّه يأتيها في قبلها من دُبرها.

وقد روى النَّسائي بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي النَّضر أنَّه قال لنافع أنَّه قد أكثر عليك القول أنَّك تقول عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه أفتى أن يُؤتى النِّساء في أدبارهنَّ قال كذبوا عليَّ، ولكن سأحدِّثك كيف كان الأمر، إنَّ ابن عمر رضي الله عنهما عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتَّى بلغ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة 223] فقال يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت لا قال إنَّا كنَّا معشر قريشٍ نُجَبِّي [2] النِّساء، فلمَّا دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهنَّ مثل ما كنَّا نريد، فإذا هنَّ قد كرهنَ ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذنَ بحال اليهود إنَّما يؤتين على جنوبهنَّ، فأنزل الله تعالى {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} الآية.

وقد روى أبو جعفر الفريابي عن أبي عبد الرَّحمن الجيليّ عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( سبعةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكِّيهم ويقول ادخلوا النَّار مع الدَّاخلين الفاعل والمفعول به، والنَّاكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، والجامع بين المرأة وابنتها، والزَّاني بحليلة جاره، والمؤذي جاره حتَّى يلعنه ) ).

وأمَّا الآية فتأولها {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} مستقبلين أو مستدبرين، ولكن في موضع الحرث وهو الفرج.

وقال المازري اختلف النَّاس في هذه المسألة، وتعلَّق من قال بالحلِّ بهذه الآية، وانفصل عنها من قال يحرم بأنَّها نزلت بالسَّبب الوارد في حديث جابر رضي الله عنه في الرَّدِّ على اليهود؛ يعني كما في حديث الباب الآتي [خ¦4528] ، قال والعموم إذا خرج على سببٍ قُصِر عليه عند بعض الأصوليين، وعند الأكثر العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وهذا يقتضي أن تكون الآية حجَّةً في الجواز لكن وردت

ج 19 ص 116

أحاديث كثيرة بالمنع، فتكون مخصِّصةً لعموم الآية، وفي تخصيص عموم القرآن ببعض أخبار الآحاد خلاف، انتهى.

وقد ذهب جماعةٌ من أئمَّة الحديث كالبُخاري والذُّهلي والبزار والنَّسائي وأبي علي النَّيسابوري إلى أنَّه لا يثبت فيه شيءٌ. قال الحافظُ العسقلاني لكن طرقها كثيرةٌ فمجموعها صالحٌ للاحتجاج به، ويؤيِّد القول بالتَّحريم أنَّا لو قدَّمنا أحاديث الإباحة للزم أنَّه أُبيح بعد أن حَرُم والأصل عدمه، فمن الأحاديث الصَّالحة الإسناد حديث خزيمة بن ثابت أخرجه أحمد والنَّسائي وابن ماجه وصححه ابن حبَّان أيضًا، وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وقد تقدَّمت الإشارة إليه، وأخرجه التِّرمذي من وجهٍ آخر بلفظ (( لا ينظر الله إلى رجلٍ أتى رجلًا أو امرأةً في الدُّبر ) )وصحَّحه ابن حبان أيضًا.

وإذا كان ذلك صلح أن يُخصِّص عموم الآية، وتحمل على الإتيان في غير هذا المحلِّ بناءً على أنَّ معنى {أَنَّى} حيث، وهو المتبادر من السِّياق، ويُغني ذلك عن حملها على معنى آخر غير المتبادر، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله «في قوله في كذا وكذا» ؛ لأنَّ المراد به في إتيان النِّساء في أدبارهنَّ.

[1] كذا في العمدة، وفي الفتح (الرواية عن ابن عمر) .

[2] في هامش الأصل قوله نجبي، من التجبية؛ أي كنا ننكح المرأة مكبة على وجهها تشبيها بهيئة السجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت