4528 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري، قاله الحافظ العسقلاني، وذكر الحافظ المزِّي أنَّه ابن عُيينة (عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِر) بالنون، هو محمدُ بن المنكدر، أنَّه قال (سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة 223] ) هذا السَّياق يوهم أنَّه مطابق لحديث ابن عمر رضي الله عنهما وليس كذلك، فإنَّه روي بوجوهٍ كلها ترجع إلى معنى واحد، فروى الإسماعيلي من طريق يحيى بن أبي زائدة عن سفيان الثوري بلفظ باركة مدبرة في فرجها من ورائها.
وروى الطَّحاوي من حديث الزُّهري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ يهوديًا قال إذا نكح الرَّجل امرأته مُجَبِّيَةً خرج ولده أحول، فأنزل الله عزَّ وجل {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} إن شئتم مجبية، وإن شئتم غير مجبيةٍ
ج 19 ص 117
إذا كان ذلك في صمامٍ واحد، وأخرجهُ مسلم أيضًا نحوه، وروى الطَّحاوي أيضًا من حديث ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ اليهود قالوا للمسلمين من أتى امرأته وهي مدبرةٌ جاء ولده أحول، فأنزل الله عزَّ وجلَّ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مقبلةً ومدبرة ما كان في الفرج ) ).
وفي روايةٍ لمسلم من طريق سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر بلفظ (( إذا أتى الرَّجل امرأته من دبرها في قبلها ) ). ومن طريق ابن أبي حازم عن ابن المنكدر بلفظ (( إذا أتيت المرأة من دبرها فحملت ) ).
وقوله فحملت، يدلُّ على أنَّ مراده أنَّ الإتيان في الفرج لا في الدبر، وهذا كلُّه يؤيِّد تأويل ابن عبَّاس رضي الله عنهما الذي ردَّ به على ابن عمر رضي الله عنهما.
وقال الطَّحاوي ففي توقيت [1] النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك على الفرج إعلامٌ منه إيَّاهم أنَّ الدُّبر بخلاف ذلك.
أقول لأنَّ تنصيصه على الفرج يُنافي دخول الدُّبر فيه.
وقوله «مجبيةً» من جبى يجبى تجبية كعلى يعلى تعلية، ومادته جيم وباء موحدة وألف، ومعناه مكبَّة على وجهها تشبيهًا بهيئة السُّجود، ثمَّ إنَّ قوله في حديث جابر من طريق الزُّهري إن شئتم مجبية ... إلى آخره يشبه أن يكون من تفسير الزُّهري لعدم مجيئه في رواية غيره من أصحاب ابنِ المنكدر مع كثرتهم.
وقوله صِمَام _ بكسر المهملة وتخفيف الميم _ هو المنفذُ، وعن سعيد بن المسيَّب أُنزلت هذه الآية الكريمة في العزل، أخرجه الدَّارمي ولفظه (( {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} قال إن شئت فاعزل وإن شئتَ فلا تعزل ) )ورواه الطَّحاوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما نحوه.
وعند الطَّبري أنَّ أناسًا من حمير أتوا رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رجلٌ منهم يا رسول الله، إنِّي رجلٌ أحبُّ النِّساء فكيف ترى في ذلك؟ فنزلت.
وعند مقاتل قال حيي بن أخطب ونفر من اليهود للمسلمين إنَّه لا يحلُّ لكم جماع النِّساء إلَّا مستلقياتٍ، وإنَّا نجدُ في كتاب الله عزَّ وجلَّ إنَّ جماعَ المرأة غير مستلقيةٍ دنسٌ عند الله تعالى، فنزلت
ج 19 ص 118
فأباح الله للرجال أن يتمتَّعوا بنسائهم كيف شاؤوا؛ أي فأتوهنَّ كما تأتوا أرضكم الَّتي تريدون أن تحرثوها من أيِّ جهةٍ شئتم لا يحظر عليكم جهةٌ دون جهةٍ.
والمعنى جامعوهنَّ من أيِّ شقٍّ أردتم بعد أن يكون المأتي واحدًا، وهو موضعُ الحرث، وهذا من الكنايات اللَّطيفة والتَّعريضات المستحسنة، قاله الزَّمخشري.
وقال الطِّيبي لأنَّه أبيح لهم أن يأتوها من أيِّ جهةٍ شاؤوا كالأراضي المملوكة، وقيَّد بالحرث ليشير إلى أن لا يتجاوز البتَّة موضع البذر، وأن يتجاوز عن مجرَّد الشَّهوة، فالغرضُ الأصلي طلب النَّسل لا قضاء الشَّهوة، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما الحرثُ منبت الولد.
وقال السُّدِّي هي مزرعةٌ يزرع فيها أو يحرث فيها، وقال ابنُ حزم ما رويت إباحةَ الوطء في دبرها عن أحدٍ إلَّا عن ابن عمر وحده باختلاف عنه، وعن نافع باختلاف عنه، وعن مالكٍ باختلاف عنه فقط، على أنَّ حديث ابن عمر رضي الله عنه مجملٌ، وحديث جابرٍ رضي الله عنه مفسَّرٌ فهو أولى أن يُعملَ به من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وذكر أبو الحسن المرغيناني أنَّ من أتى امرأته في المحلِّ المكروه، فلا حدَّ عليه عند الإمام أبي حنيفة ويعزر، وقال هو كالزِّنا. وقال أبو زكريا اتَّفق العلماء الَّذين يعتد بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها. قال وقال أصحابنا لا يحلُّ الوطء في الدُّبر في شيءٍ من الآدميين ولا غيرهم من الحيوانات على حالٍ من الأحوالِ أعاذنا الله تعالى من ذلك.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجهُ مسلم أيضًا في النِّكاح وغيره والتِّرمذي في التَّفسير والنَّسائي في عشرة النِّساء، وابن ماجه في النِّكاح.
[1] كذا في العمدة، وفي مشكل الآثار للطحاوي (توقيف) .