فهرس الكتاب

الصفحة 4012 من 11127

4 - (بابُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ) وفي رواية السَّرخسي والمستملي والأول أصحُّ لقوله (إِذَا رَضِيَ) بالبيع ولو لم يعجز نفسه، وهذا اختيار منه لأحد الأقوال في مسألة بيع المكاتب إذا رضي بذلك، وهو قول أحمد وربيعة والأوزاعي واللَّيث وأبي ثور ومالك والشَّافعي في قول، واختاره ابن جرير وابن المنذر، ومنعه أبو حنيفة والشَّافعي في أصحِّ القولين، وبعض المالكيَّة.

ج 11 ص 625

وأجابوا عن قصَّة بريرة بأنَّها عجزت نفسها، واستدلُّوا باستعانة بريرة عائشة في ذلك، وليس في استعانتها ما يستلزم العجز، ولا سيَّما مع القول بجواز كتابة من لا مال عنده ولا حرفة له.

قال ابن عبد البرِّ ليس في شيء من طرق حديث بريرة أنَّها عجزت عن أداء النَّجم، ولا أخبرت بأنَّه قد حلَّ عليها شيء، ولم يَرِدْ في شيءٍ من طرقه استفصال النَّبي صلى الله عليه وسلم لها عن شيء من ذلك، ومنهم من أوَّل قولها كاتبت أهلي. فقال معناه راضيتهم واتَّفقت معهم على هذا القدر، ولم يقع العقد بعد، ولذلك بيعت فلا حجَّة فيه على بيع المكاتَب مطلقًا، وهو خلافُ ظاهر سياق الحديث، قاله القرطبي.

ويقوِّي الجواز أيضًا أنَّ الكتابة عتق بصفة، فيجب أن لا يعتق إلَّا بعد أداء النُّجوم، كما لو قال أنت حرٌّ إن دخلت الدَّار، فلا يعتق إلَّا بعد تمام دخولها، ولسيِّده بيعه قبل دخولها.

والذي يظهر أنَّ في قصَّة بريرة، وإن لم يوجد ما يقتضي التَّعجيز لم يوجد أيضًا ما يمنعه، فتحملُ عليه بدليل منفصل، والله أعلم.

ومن المالكيَّة من زعم أنّ الذي اشترته عائشة رضي الله عنها كتابة بريرة لا رقبتها، وقد تقدَّم ردُّه، وقيل إنَّهم باعوا بريرة بشرط العتق، وإذا وقع البيع بشرط العتق صحَّ على أصحِّ القولين عند الشَّافعية والمالكيَّة. وعن الحنفيَّة يبطل كما تقدَّم.

وقال أبو عمر بن عبد البرِّ في «التَّمهيد» قال مالك لا يجوز بيع المكاتب إلَّا أن يعجزَ عن الأداء، فإن لم يعجزْ عن الأداء فليس له ولا لسيِّده بيعه. وقال ابنُ شهاب وأبو الزِّناد وربيعة لا يجوز بيعه إلَّا برضاه، فإن رضيَ بالبيع فهو عجزٌ منه.

وقال إبراهيم النَّخعي وعطاء واللَّيث وأحمد وأبو ثور يجوزُ بيعه على أن يمضيَ في كتابته، فإن أدَّى عتق، وكان ولاؤه للذي ابتاعه وإن عجز فهو عبد له.

وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز بيع المكاتَب ما دام مكاتَبًا حتَّى يعجز، ولا يجوز بيع كتابته، قال وهو قول الشَّافعي بمصر، وكان بالعراق يقول يجوز بيعه، وأمَّا بيع كتابته فغير جائز بحال، والله أعلم.

(وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هُوَ عَبْدٌ

ج 11 ص 626

مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) هذا التَّعليق وصله ابن أبي شيبة وابن سعد من طريق عمرو بن ميمون عن سليمان بن يسار قال استأذنتُ على عائشة رضي الله عنها فرفعتُ صوتي فقالت سليمان؟ فقلت سليمان، فقالت أدَّيت ما بقي عليك من كتابتك؟ قلت نعم إلَّا شيئًا يسيرًا، قالت ادخل فإنَّك عبد ما بقي عليك شيءٌ.

وروى الطَّحاوي من طريق ابن أبي ذئب، عن عمران بن بشير، عن سالم هو مولى النَّصريِّين أنَّه قال لعائشة ما أراكِ إلَّا تستحجبين منِّي فقالت ما لك؟ فقال كاتبت فقالت إنَّك عبد ما بقي عليكَ شيءٌ.

وروى الطَّحاوي أيضًا قال حدَّثنا أبو بشر ثنا أبو معاوية وشجاع، عن ابن الوليد، عن عَمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار قال استأذنت على عائشة رضي الله عنها فقالت كم بقي عليك من كتابتك؟ قلت عشر أواقٍ، قالت ادخل فإنَّك عبد ما بقيَ عليك شيءٌ.

وفي رواية البيهقي ما بقي عليك درهم. هذا وسليمان بن يسار هو أبو أيُّوب الهلالي المدني مولى ميمونة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن سعد ويُقال إنَّ سليمان بن يسار كان مكاتبًا لأمِّ سلمة رضي الله عنها.

وأمَّا سالم الذي في رواية الطَّحاوي فهو سالمُ بن عبد الله النَّصري _ بالنون والصاد المهملة _ أبو عبد الله المدني مولى مالك بن أوس النَّصري، روى عن جماعة من الصَّحابة منهم عائشة رضي الله عنها.

(وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ) هذا التَّعليق وصله الشَّافعي وسعيد بن منصور من طريق ابن أبي نَجيح عن مجاهد أنَّ زيد بن ثابت رضي الله عنه قال في المكاتَب هو عبدٌ ما بقي عليه درهم.

وقال الطحَّاوي حدَّثنا علي بن شيبة ثنا يزيد بن هارون أنبأ سفيان، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد كان زيد بن ثابت رضي الله عنه يقول المكاتب عبدٌ ما بقي عليه شيءٌ من كتابته.

(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ عَبْدٌ إِنْ عَاشَ وَإِنْ مَاتَ وَإِنْ جَنَى، مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) هذا التَّعليق

ج 11 ص 627

وصله مالك عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول في المكاتب هو عبد ما بقي عليه شيء.

ووصله ابن أبي شيبة من طريق عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال المكاتب عبدٌ ما بقيَ عليه درهم.

وأخرجه الطحَّاوي أيضًا عن يونس أنبا ابن وهب أخبرني أسامة بن زيد ومالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال المكاتب عبدٌ ما بقيَ عليه من كتابته شيءٌ.

ذُكِرَ في أثر ابن عمر رضي الله عنهما ثلاثة أشياء حياة المكاتب وموته وجنايته، أمَّا في حياته فإنَّه عبد ما بقي عليه شيء من مال الكتابة، ولا يعتق إلَّا بأداء كلِّ البدل عند جمهور العلماء إلَّا عند ابن عبَّاس رضي الله عنهما فإنَّه يعتق بنفس العقد، وهو غريمُ المولى بما عليه من بدل الكتابة، وعند علي رضي الله عنه يعتقُ بقدر ما أدَّى، وبه قالت الظَّاهرية.

وعن عليٍّ رضي الله عنه أيضًا إذا أدَّى الشَّطر فهو غريمٌ. وعن ابنِ مسعود رضي الله عنه لو كاتبه على مائتين وقيمته مائة فأدَّى المائة عتق. وعن عطاء إذا أدَّى ثلاثة أرباع كتابته عتق. وروى النَّسائي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( المكاتَب يعتق بقدر ما أدَّى ) ).

ورجال إسنادهِ ثقاتٌ، لكن اختلف في إرساله ووصله. وحجَّة الجمهور حديث عائشة رضي الله عنها وهو أقوى. ووجه الدَّلالة منه أنَّ بريرة بيعتْ، ولو كان المكاتَب يصير بنفس الكتابة حرًّا لامتنع بيعها، ويعتق بأدائه جميع بدل الكتابة عندنا وإن لم يقل المولى إذا أدَّيتها فأنت حرٌّ، وبه قال مالك وأحمد، وقال الشَّافعي لا يعتق ما لم يقل كاتبتك على كذا إن أدَّيته فأنت حرٌّ.

وأمَّا في موته فإنَّه إذا مات وله مال لم تنفسخِ الكتابة، وقضى ما عليه من بدل الكتابة وحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته، وما بقي من ذلك فهو لورثته، ويعتق أولاده المولودون في الكتابة، وكذا المشترون فيها، وهذا عندنا وهو قولُ علي وابن مسعود والحسن وابن سيرين والنَّخعي والشَّعبي وبه قال أحمد، وهو قول قتادة وأبي سليمان، وإذا مات المولى لا يبطلُ الكتابة، ويُقال للمكاتَب أدِّ المال إلى ورثة المولى على نجومه.

وأمَّا في جنايته فإنَّ المولى يدفع قيمة واحدة ولا يزاد عليها وإن تكرَّرت الجناية. وكذا في أمِّ الولد والمدبَّر بخلاف القنِّ، فإنَّ الدَّفع يتكرَّر بتكرُّر الجناية.

ومطابقة الآثار الثَّلاثة للتَّرجمة من حيث إنَّه إذا كان عبدًا ما بقي عليه درهم فيجوز بيعه برضاه.

ج 11 ص 628

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت