2215 - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير الدَّوْرَقِي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَحَّاك بن مَخْلَد، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عَيَّاش الأسْدِي المديني (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ خَرَجَ ثَلاَثَةٌ) أي ثلاثة من النَّاس، وفي رواية (( المزارعة ) ) [خ¦2333] (( بينما ثلاثة نفر ) ) (يَمْشُونَ) جملة حاليَّة (فَأَصَابَهُمُ الْمَطَرُ) بالفاء عطفًا على خرج، وفي المزارعة (( أصابهم ) )بدون الفاء، وفي نسخة هنا (( فأخذهم المطر ) )أي في الطَّريق.
(فَدَخَلُوا فِي غَارٍ) كائن (فِي جَبَلٍ) وفي (( المزارعة ) ) (( فأووا إلى غار ) )بقصر الهمزة؛ أي انضموا إلى غار وجعلوه لهم مأوى (فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ) أي على باب غارهم، وفي (( المزارعة ) ) (( فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل ) ) [خ¦2333] .
(قَالَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ادْعُوا اللَّهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ) وفي (( المزارعة ) ) (( فقال بعضُهم لبعض انظروا أعمالًا عملتموها صالحة لله تعالى فادعوا الله بها لعلَّه يفرجها عنكم ) ) (فَقَالَ) وفي (( المزارعة ) ) [خ¦2333] (( قال ) )بدون الفاء (أَحَدُهُمُ) أي أحد الثَّلاثة (اللَّهُمَّ) لفظة اللَّهم تُستعمل في كلام العرب على ثلاثة أنحاء للنِّداء المحض، وهو ظاهر، وللإيذان بندرة المستثنى بعده كقولك اللَّهم إلا إذا كان كذا، وليدلَّ على تيقُّن المجيب في الجوابِ المقترن هو به كقولك لمن قال أزيد قائمٌ اللَّهم نعم أو اللَّهم لا، كأنَّه يناديه مستشهدًا على ما قاله من الجواب، واللَّهمَّ هذا من الأوَّل، وقيل من الثَّالث، فتأمَّل.
(إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ) هذا من باب التَّغليب، فإنَّ المقصود الأب والأم، وفي (( المزارعة ) )
ج 10 ص 370
(( اللَّهم إنَّه كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية صغار وكنت أرعى عليهم ) ). ورواية الباب (فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى) يعني كنت أخرج إلى المرعى فأرعى؛ أي إبلي (ثُمَّ أَجِيءُ) من المرعى (فَأَحْلُبُ) أي التي تحلب منها، وفي (( المزارعة ) ) (( فإذا أرحتُ عليهم حلبت ) ) (فَأَجِيءُ بِالْحِلاَبِ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف اللام، وهو الإناء يحلبُ فيه ويراد به هنا اللَّبن المحلوب فيه.
(فَآتِي) بمدِّ الهمزة وكسر التاء (بِهِ أَبَوَيَّ) والباء في به للتَّعدية (فَيَشْرَبَانِ) أي فأناولهما إيَّاه فيشربان (ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ) بكسر الصاد، جمع صبي، وكذلك الصِّبْوة وهو القياس، والياء أكثر استعمالًا، وفي (( المزارعة ) ) (( فبدأت بوالدي أسقيهما قبل بني ) )أي قبل أن أسقِي بني (وَأَهْلِي) والمراد بالأهل هنا الأقرباء نحو الأخ والأخت حتَّى لا يكون عطف قوله (وَامْرَأَتِي) عليه عطف الشَّيء على نفسه.
(فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً) أي تأخَّرت ليلة من اللَّيالي بسبب أمر عرض لي، وفي (( المزارعة ) ) (( وإنِّي استأخرت ذات يوم فلم آت حتَّى أمسيت ) )، يقال استأخرت وتأخَّرت بمعنًى، وليس السين فيه للطَّلب، وقوله ذات يوم، من قبيل إضافة المسمَّى إلى الاسم؛ أي قطعة من زمان هذا اليوم؛ أي من صاحبة هذا الاسم.
(فَجِئْتُ، فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ) كلمة إذا للمفاجأة؛ أي ففاجأ مجيئي نومهما، وفي (( المزارعة ) ) [خ¦2333] (( فوجدتهما ناما فحلبت كما كنت أحلب ) ) (قَالَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا) وفي (( المزارعة ) ) (( فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما، وأكره أن أسقي الصِّبية ) ) (وَالصِّبِيْةُ يَتَضَاغَوْنَ) أي يصيحون وهو من باب التفاعل من الضُّغاء _ بالمعجمتين _ وهو الصِّياح بالبكاء، يقال ضَغَا الثَّعلب ضُغاء؛ أي صاح، وكذلك السِّنور، ويقال أيضًا ضَغَا يَضْغوا ضَغْوًا وضُغَاء، إذا صاح وضجَّ.
(عِنْدَ رِجْلَيَّ) وفي (( المزارعة ) ) (( عند قدمي ) ) (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا) الدَّأب العادة والشَّأن، وقال الفرَّاء أصله من دأبت إلَّا أن العرب حوَّلت معناه إلى الشَّأن (حتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ) فإن قيل نفقة الفروع
ج 10 ص 371
مقدَّمة على نفقة الأصول فلم تركهم جائعين؟ فالجواب أنَّه لعل في دينهم نفقة الأصول مقدمة، أو كانوا يطلبون الزَّائد على سدِّ الرَّمق.
(اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) أي طلبًا لمرضاتك، والمراد بالوجه الذَّات؛ يعني إن كنت فعلت ذلك لرضاك فأنت تعلمه، فالمراد أنَّك تعلم أنِّي فعلت ذلك لطلب رضاك فانتقل من الملزوم إلى اللَّازم. وفي (( المزارعة ) ) (( فإن كنت تعلم أنِّي فعلته ) )وليس فيه لفظ اللَّهم.
(فَافْرُجْ عَنَّا) أمر من فرَج يفرُج من باب نصَر ينصُر. قال ابن التِّين هو بضم الراء في أكثر الأمهات، وقال الجوهري إنه بكسرها وهو دعاء في صورة الأمر، وفي (( المزارعة ) ) (( فافرج لنا ) ).
(فرْجَةً) بضم الفاء وفتحها، والفرجة في الحائط كالشَّق، والفرجة انفراجُ الكروب، وقال النَّحاس الفرجة في الأمر، والفرجة بالضم فيما يرى من الحائط ونحوه. وقال العيني الفُرجة هنا بالضم قطعًا على ما لا يخفى.
(نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفُرِجَ عَنْهُمْ) أي فرج بقدر ما دعاه وهي التي بها يرى السَّماء، وفي (( المزارعة ) ) [خ¦2333] (( ففرج الله لهم فرأوا السَّماء ) ) (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ عَمِّي كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ) الكاف زائدة، أو أراد تشبيه محبَّته بأشدِّ المحبَّات، وفي (( المزارعة ) ) (( اللَّهم إنَّها كانت لي بنت عم أحببتها كأشدِّ ما يحب الرَّجل النِّساء ) ).
(فَقَالَتْ) أي بنت عمه (لاَ تَنَالُ ذَلِكَ مِنْهَا) أي لا تنال مرادك منها (حتَّى تُعْطِيَهَا مِائَةَ دِينَارٍ) وفيه التفات؛ لأن مقتضى الكلام لا تنال منِّي حتَّى تعطيني، وفي (( المزارعة ) ) (( فطلبت منها _ أي ما يطلب الرَّجل من النِّساء _ فأبت حتَّى أتيتها بمائة دينار _ أي فامتنعت _ وقالت حتَّى تعطيني مائة دينار فجمعتها حتَّى أتيتها بمائة دينار التي طلبتها ) ).
(فَسَعَيْتُ فِيهَا) أي في جمع مائة دينار (حَتَّى جَمَعْتُهَا) وفي (( المزارعة ) ) (( فبغيت حتَّى جمعتها ) )أي فطلبت، من البغي، وهو الطَّلب،
ج 10 ص 372
هكذا في رواية السِّجْزِي. وفي رواية العُذْرِي والسَّمَرْقَنْدِيّ وابن مَاهَان (( فبعثت حتَّى جمعتها ) ). وفي «المطالع» والأوَّل هو المعروف؛ يعني من البغي لا من البعث.
(فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا) وفي (( المزارعة ) ) (( فلما وقفت [1] بين رجليها ) ) (قَالَتِ اتَّقِ اللَّهَ) وفي (( المزارعة ) ) (( قالت يا عبد الله اتَّق الله ) )أي خف الله ولا ترتكب الحرام (وَلاَ تَفُضّ الْخَاتمَ) بفتح الضاد المعجمة وكسرها. والخاتَم _ بفتح التاء وكسرها _ كناية عن بكارتها؛ أي لا تزل البكارة.
(إِلاَّ بِحَقِّهِ) أي إلَّا بوجه الحلال الذي هو النِّكاح (فَقُمْتُ وَتَرَكْتُهَا) أي قمت من بين رجليها ولم أفعل بها شيئًا، وليس في رواية (( المزارعة ) )قوله وتركتها (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً) والشرطية الثانية جواب الشَّرط الأول، وقد عرفت معنى الشرط فيما سبق.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَفَرَجَ عَنْهُمُ الثُّلُثَيْنِ) أي ففرَّج الله عنهم ثلثي الموضع الذي عليه الصَّخرة، وليس في رواية (( المزارعة ) ) [خ¦2333] إلا قوله ففرج (وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ) وفي (( المزارعة ) ) (( اللَّهم إني استأجرت أجيرًا بفَرَق أرز ) )والفرَق _ بفتح الراء وسكونها _ مكيال البيع ثلاثة آصع. وقال ابن قُرْقُول روِّيناه بالإسكان والفتح عن أكثر شيوخنا والفتح أكثر، قال البَاجِيّ وهو الصَّواب، وكذا قيَّده أهل اللُّغة، وكذا حكى النَّحاس. وذكر ابن دُرَيْدٍ أنَّه قد قيل بالإسكان.
والذُّرَة _ بضم المعجمة وتخفيف الراء _ حبٌّ معروف، يقال له بالتركي دارو، وأصله ذرو وذري، والهاء عوض.
والأرُزُّ _ بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي _ معروف. وفيه ستُّ لغات أَرُزُّ، وأُرُزٌّ باتباع الضمة الضمة، وأُرْزٌ وأُرُزٌ، مثل رُسْل ورُسُل، ورُزٌ، ورُنْزٌ، وهي لغة عبد القيس.
(فَأَعْطَيْتُهُ، وَأَبَى ذَاكَ أَنْ يَأْخُذَ) أي أعطيته الفرق وامتنع الأجير من الأخذ، وفي (( المزارعة ) )
ج 10 ص 373
(( فلمَّا قضى عمله قال أعطني حقِّي، فعرضت عليه فرغب عنه ) )أي أعرض عنه فلم يأخذه (فَعَمَدْتُ) بفتح الميم، يقال عمدت إليه وعمدت له أعمد عمدًا؛ أي قصدت (إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ) أي الفرق المذكور؛ يعني فأرباه الله تعالى.
(حَتَّى اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا) ويروى بضم الراء، جمع راع، وفي (( المزارعة ) ) (( فرغب عنه فلم أزل أزرعه حتَّى جمعت منه بقرًا وراعيها ) ) (ثُمَّ جَاءَ) أي الأجير المذكور (فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَعْطِنِي حَقِّي) وفي (( المزارعة ) ) (( فجاءني فقال اتَّق الله ) ) (فَقُلْتُ انْطَلِقْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَإِنَّهَا لَكَ) وفي (( المزارعة ) ) [خ¦2333] (( فقلت اذهب إلى تلك البقر ورعاتها ) )، ويروى .
(فَقَالَ) ويروى بدون الفاء (أَتَسْتَهْزِئُ بِي) من استهزأ بفلان إذا سخر منه، وفي (( المزارعة ) ) (( فقال اتَّق الله ولا تستهزئ بي ) ) (فَقُلْتُ مَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، وَلَكِنَّهَا لَكَ) وفي (( المزارعة ) ) (( فقال إنِّي لا أستهزئ بك فخذ وأخذه ) )، ويروى (( فقلت إنِّي إلى آخره ) ).
(اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا، فَكُشِفَ عَنْهُمْ) أي فكُشِفَ بابُ الغار، وفي (( المزارعة ) ) (( فافرج ما بقي ففرج ) )أي ففرج الله ما بقي من باب الغار.
وفي الحديث الإخبار عن الأمم المتقدَّمة، وذكر أعمالهم ليرغب أمَّته في مثلها، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يتكلَّم بشيء إلَّا لفائدة، وإذا كان مزاحه حقًّا فما ظنُّك بأخباره.
وفيه جواز بيع الإنسان مال غيره بطريق الفضول والتصرُّف فيه بغير إذن مالكه إذا أجازه المالك بعد ذلك كما في قصَّة الأجير من هذا الحديث، ولهذا عقد البخاري التَّرجمة، وبها يطابقها الحديث. وقال الحافظ العسقلاني وطريق الاستدلال به يبتنى على أنَّ شرع من قبلنا لنا؛ وذلك لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ساقه سياق المدح والثَّناء على فاعله، وأقرَّه على ذلك من غير نكير، ولو كان لا يجوز لبيَّنه، فبهذا الطَّريق يصحُّ الاستدلال به بمجرَّد كونه شرع من قبلنا.
ج 10 ص 374
ولقائل أن يقول إنَّه يحتمل أنَّه استأجره بفرق في الذِّمة ولم يسلمه إليه، ولما عرض عليه الفرق فلم يقبضه لرداءته استمرَّ في ذمَّة المستأجر؛ لأنَّ الذي في الذمَّة لا يتعين إلَّا بالقبض، فلمَّا تصرف فيه المالك صحَّ تصرفه سواء اعتده لنفسه أو للأجير، ثمَّ إنَّه تبرَّع بما اجتمع منه على الأجير برضًا منه، والله أعلم.
وقال ابن بطَّال وفيه دليل على صحَّة قول ابن القاسم إذا أودع رجل رجلًا طعامًا فباعه المُودَع بثمن فرضي المُودِع فله الخيار إن شاء أخذ الثَّمن الذي باعه به، وإن شاء أخذ مثل طعامه، ومنع أشهب قال لأنَّه طعام بطعام فيه خيار. واستدلَّ به لأبي ثور في قوله أنَّ من غصب قمحًا فزرعه أن كل ما أخرجت الأرض من القمح فهو لصاحب الحنطة.
وقال الخطَّابِيُّ استدلَّ به أحمد على أنَّ المُستودَع إذا اتجر في مال الوديعة وربح أن الرِّبح إنَّما يكون لربِّ المال، قال وهذا لا يدلُّ على ما قال، وذلك أنَّ صاحب الفَرَق إنَّما تبرَّع بفعله وتقرب به إلى الله تعالى، ولكن توسَّل به للخلاص ولم يكن يلزمه في الحكم أن يعطيه أكثر من الفَرَق الذي استأجره عليه، فلذلك حمد عليه.
والحاصل أنَّه تصرف في أمر لم يُوَكِّلْه به فلا يستحقُّ عليه ربحًا، وأنَّه قد تصدَّق بهذا المال بعد أن اتجر فيه وأنماه. والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء في المُستودَع إذا اتجر بمال الوديعة، والمضارَب إذا خالف ربَّ المال فربحا أنَّه ليس لصاحب المال من الرِّبح شيء. وعند أبي حنيفة المضارَب ضامن لرأس المال والرِّبح له، ويتصدَّق به والوضيعة عليه.
وقال الشَّافعي إن كان اشترى السلعة بعين المال فالبيع باطل، وإن كان اشترى بغير عينه فالسِّلعة ملك المشتري وهو ضامن للمال.
وقال ابن بطَّال وأمَّا مَنْ اتجر في مال غيره فقالت طائفة يطيب له الرِّبح إذا ردَّ رأس المال إلى صاحبه سواء كان غاصبًا للمال أو كان وديعة عنده، هذا قول عُطَاء ومالك واللَّيث والثَّوري والأَوْزَاعِي وأبي يوسف. واستحبَّ مالك والثَّوري والأَوْزَاعِي تنزُّهه عنه ويتصدَّق به.
وقالت طائفة يردُّ المال ويتصدَّق بالرِّبح كلِّه، ولا يطيب له منه شيء، هذا قول أبي حنيفة
ج 10 ص 375
ومحمَّد بن الحسن وزفر. وقالت طائفة الرِّبح لربِّ المال وهو ضامن لِمَا تعدى فيه، هذا قول ابن عمر وأبي قِلَابَة، وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال ابن بَطَّال وأصحُّ هذه الأقوال قول من قال إنَّ الرِّبح للغاصب والتعدِّي عليه، والله أعلم.
وفي الحديث إثبات كرامات الأولياء والصَّالحين. وفيه فضل برِّ الوالدين ووجوب النَّفقة عليهما وعلى الأولاد والأهل. وفيه إيثار الوالدين على من سواهما من الأهل والأولاد. وفيه أنَّه يُسْتَحَبُّ الدُّعاء في حال الكرب والتوسُّل بصالح الأعمال إلى الله تعالى كما في الاستسقاء.
وفيه فضل العفاف والانكفاف عن المحرَّمات لا سيَّما بعد القدرة عليها، قال الله تعالى {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن 46] . وفيه جواز الإجارة بالطَّعام. وفيه فضيلة أداء الأمانة. وفيه قبول التَّوبة، وأنَّ من صلح فيما بقي غفر له، وإنَّ همَّ بسيئة فتركها ابتغاء وجهه كتبَ له أجرها كما سبق في آية الرَّحمن. وفيه سؤال الرَّب جلَّ جلاله بإنجاز وعده قال تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق 2] ، وقال تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق 4] .
والحديث أخرجه المؤلِّف في (( المزارعة ) )أيضًا [خ¦2333] . وأخرجه مسلم في (( التَّوبة ) )، والنَّسائي في (( الرِّقاق ) ).
[1] في هامش الأصل في نسخة وقعت.