فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 11127

190 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ) أبو مسلم البغدادي المُسْتَمْلي لسفيان بن عُيينة وغيره، وهو أحد الحفاظ طلب الحديث ورحل فيه وسمع سماعًا كثيرًا، مات فجأة سنة أربع وعشرين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ) بالحاء المهملة والتاء المثناة الفوقية المكسورة (بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الكوفي نزيل المدينة المتوفى بها سنة ست وثمانين ومئة في خلافة هارون الرشيد (عَنِ الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون المهملة، وفي رواية بالتصغير وهو المشهور، وهو ابن عبد الرحمن بن أوس الكندي المدني.

(قَالَ) أي إنَّه قال (سَمِعْتُ السَّائِبَ) اسم فاعل من السيب بالمهملة والياء المثناة التحتية وبالموحدة (بْنَ يَزِيدَ) من الزيادة الكندي من صغار الصحابة قال «حَجَّ بي أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين» ، وولد في السنة الثانية من الهجرة، وخرج مع الصبيان إلى ثنية الوداع لتلَقي النبي صلى الله عليه وسلم مَقْدَمَه من تبوك، قال جُعَيْد رأيت السَّائب ابن أربع وتسعين جَلْدًا معْتَدِلًا قال «لقد علمت ما مُتِّعت بسمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، روي له خمسة أحاديث أخرجها كلها البخاري رحمه الله، قيل توفي سنة إحدى وتسعين بالمدينة، وفيه نظر، فانظر، ورجال هذا الإسناد ما بين بغدادي وكوفي ومدني، وفيه الرواية من صغار الصحابة رضي الله عنهم، وقد أخرج متنه المؤلِّف في صفة النبي صلى الله عليه وسلم [خ¦3541] ، وفي الطبِّ [خ¦5670] ، وفي الدعوات أيضًا [خ¦6352] ، وأخرجه مسلم في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، والترمذي في المناقب وقال حَسَنٌ غريب من هذا الوجه،

ج 2 ص 203

والنسائي في الطب.

(يَقُولُ ذَهَبَتْ) أي مضت (بِي) الباء للتعدية؛ أي أذهبتني، قيل والفرق بينهما أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهب، ومعنى ذهب به استصحبه ومضى به معه أو للمصاحبة (خَالَتِي) ولم تسمَّ (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي) هي عُلْبة بالعين المهملة المضمومة وباللام الساكنة وبالموحدة بنت شريح.

(وَقِعٌ) بفتح الواو وكسر القاف والتنوين؛ أي أصابه وجع في قدميه، أو يشتكي لحم رجليه من الحَفَا لغلظ الأرض والحجارة، يقال وقع الرجل والفرس وقعًا فهو وَقِعٌ إذا حفي من الحجارة والشوك، وقد وقعه الحجر، وحافر وقيع وقعته الحجارة، وفي رواية بلفظ الماضي؛ أي وقع في المرض، وفي أخرى بفتح الواو وكسر الجيم وبالتنوين، وعليه الأكثرون، والعرب تسمِّي كل مرض وجعًا.

قال السائب رضي الله عنه (فَمَسَحَ) صلى الله عليه وسلم (رَأْسِي) بيده المباركة (وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) بفتح الواو؛ أي من الماء المتقاطر من أعضائه الشريفة، ففيه دلالة على طهارة الماء المستعمل على هذا المعنى (ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) صلى الله عليه وسلم، إذ من عادة الصبيان أن لا يقرَّ لهم قرار، أو لقصد النظر إلى ما قرع سمعه من أن بين كتفيه خاتم النبوة، وهو الظاهر.

(فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتِمِ النُّبُوَّةِ) بكسر التاء بمعنى فاعل الختم وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتحها بمعنى الطابع، وهو ما يطبع به الشيء، ومعناه هنا شيء ختم به النبوة أو لا نبيَّ بعده، وفيه دلالة على صيانة نُبوَّته صلى الله عليه وسلم عن تطرق القَدْح إليها صيانة الشيء المستوثق بالخاتم.

(بَيْنَ كَتِفَيْهِ) قال القاضي البيضاوي خاتم النبوة أَثَرٌ بين كتفيه نُعِتَ به في الكتب المتقدمة (مِثْلِ) بكسر الميم نصب على أنه حال من خاتم النبوة أو مجرور على أنه بدل منه (زِرِّ الْحَجَلَةِ) الزر بكسر الزاي المعجمة وتشديد الراء، واحد الأزرار كأَزرار القميص وغيره، والحجلة بفتح الحاء المهملة والجيم، واحدة حجال العروس وهي بيوت تُزَيَّن بالثياب والأسرَّة والستور، لها عُرَى وأزرار.

وقال ابن الأثير الحَجَلة بالتحريك بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كبار، ويجمع على حجال، وقيل المراد بالحجلة الطير وهي التي تسمَّى القبحة،

ج 2 ص 204

وتسمى الأنثى حجلة، والذكر يعقوب، وزرُّها بيضُها، ويؤيد هذا أن في حديث آخر (( مثل بيضة الحمامة ) ).

وعن محمد بن عبد الله شيخ البخاري الحجلة من حجل الفرس الذي بين عينيه، وفي بعض نسخ المغاربة الحُجْلة بضم الحاء المهملة وسكون الجيم، وقد روي أيضًا بتقديم الراء على الزاي فيكون المراد منه البيض يقال أرَزَّت الجرادة بفتح الراء وتشديد الزاي إذا كنست ذنبها في الأرض فباضت، وجاءت فيه روايات كثيرة، وفي رواية مسلم عن جابر بن سمرة (( ورأيت الخاتم عند كتفيه مثل بيضة الحمامة تشبه جَسَدَه ) ).

وفي رواية أحمد من حديث عبد الله بن سرجس (( ورأيت خاتم النُّبُوة في نُغْضِ كَتِفِه اليسرى كأنه جُمْعٌ فيه خِيلاَنٌ سُود كأنها الثَّآليل ) ). قال ابن الأثير النُغض والنَغض والناغض أعلى الكتف، وقيل هو العظم الرقيق الذي على طرفه، ويقال هو الموضع الذي يدخل منه الشيطان إلى باطن الإنسان، فكان هذا عصمة له عليه السلام من الشيطان، والجُمْع بضم الجيم وسكون الميم، معناه مثل جمع الكف وهو أن تجمع الأصابع وتضمها، ومنه يقال ضربه بجُمْع كفِّه، والخِيْلان بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء جمع خال، والثآليل جمع ثؤلول وهي الحبة التي تظهر في الجلد كالحمصة [1] فما دونها.

وفي رواية أحمد أيضًا من حديث أبي رِمْثَة التَّيْمي قال خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت برأسه رَدع حِنَّاء، ورأيت على كَتفه مثل التفاحة، فقال أبي إني طبيب ألا أبطُّها لك؟ قال (( طبيبها الذي خلقها ) )، الرَدْع بفتح الراء وسكون الدال وفي آخره عين مهملة، اللطخ، والحِنَّاء بالكسر والتشديد والمد معروف، وقوله ألا أبطها من البَط، وهو شقُّ الدُّمَّل والخُرَاج.

وفي (( صحيح الحاكم ) ) «شعر مجتمع» ، وفي «كتاب البيهقي» «مثل السَّلعة» ، وفي (( الشامل ) ) «بضعة ناشزة» ، البَضعة بفتح الموحدة، القطعة من اللحم، وناشزة بالنون والشين والزاي المعجمتين؛ أي مرتفعة عن الجسم، وفي حديث عمرو بن أحطب «كشيء يختم به» .

وفي (( تاريخ ابن عساكر ) ) «مثل البُنْدقة» ، وفي الترمذي «كالتفاحة» ، وفي (( الروض ) ) «كأثر المِحْجم الغائص على اللحم» ، وفي (( تاريخ ابن أبي خيثمة ) )شامة خضراء محتفرة في اللحم؛ أي غائصة، وأصله من حفر الأرض، وفيه أيضًا شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عُرْف الفَرَس.

وفي (( تاريخ القضاعي ) )ثلاثٌ مُجْتَمِعات، وفي كتاب (( المولد ) )لابن عائذ كان نورًا يتلألأ، وفي تاريخ (( نيسابور ) )مثل البندقة من لحم

ج 2 ص 205

مكتوب فيه باللحم محمد رسول الله، وعن عائشة رضي الله عنها «كتِيْنَة صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكانت ممَّا يلي القفا» ، قالت «فلمسته حين توفي فوجدته قد رفع» .

وذكر الحافظ أبو دحية في (( كتاب التنوير ) )كان الخاتم الذي بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها (الله وحده) ، وفي ظاهرها (توجه حيث شئت فإنك منصور) ، ثمَّ قال هذا حديث غريب أستنكره.

وقال القاضي عياض هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه، وقال النووي هذا باطل؛ لأن شق الملكين إنما كان في صدره صلى الله عليه وسلم، ثمَّ إنه هل وضع الخاتم بعد مولده عليه السلام أو ولد به؟ فيه خلاف.

ففي (( الدلائل ) )لأبي نعيم أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثمَّ أخرج صرَّة من حرير أبيض فإذا فيها خاتم فضرب به على كتفه كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة.

وعن ابن [2] عائذ في (( مغازيه ) )بسنده إلى شداد بن أوس فذكر حديث الرضاع وشق الصدر وفيه (( وأقبل الثالث _ يعني الملك _ وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه ووجد برده زمانًا ) )وقيل ولد به، والله أعلم، وفي الحديث استحباب مسح رأس الصغير، وفيه أيضًا دلالة على طهارة الماء المستعمل إن كان المراد من قول السائب بن يزيد فشربت من وضوئه الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة.

وقال الحافظ العسقلاني هذه الأحاديث؛ أي التي في الباب ترُدُّ على أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن النَّجِس لا يُتَبَرَّكُ به. انتهى.

وفيه أنه ليس في الأحاديث المذكورة ما يدل صريحًا على أن المراد من فضل وضوئه هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة، وكذا قوله «كانوا يقتتلون على وضوئه» ، وكذا قول السائب «فشربت من وضوئه» ، ولئن سلمنا أن المراد هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة فأبو حنيفة رحمه الله لا يقول بنجاسة ذاك حاشاه، وكيف يقول ذلك وهو يقول بطهارة بوله وسائر فضلاته؟.

ومع هذا، قد سبق أنه لم يصح عن أبي حنيفة القول بنجاسة الماء المستعمل ولا فتوى الحنفية عليه، هذا، وقال ابن المنذر وفي إجماع أهل العلم على أن البلل الباقي على أعضاء المتوضئ وما قطر منه على ثيابه دليل قوي على طهارة الماء المستعمل، هذا، وفيه أن الماء الباقي على أعضاء المتوضئ لا خلاف لأحد في طهارته؛ لأن

ج 2 ص 206

من يقول بعدم طهارته إنما يقول بالانفصال عن العضو، بل بعضهم بالانفصال والاستقرار في مكان، وأمَّا الماء الذي قطر منه على ثيابه فقد سقط حكمه للضرورة؛ لتعذر الاحتراز عنه، والله أعلم.

[1] في (خ) (( كالخرمة ) ).

[2] في (خ) (( أبي ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت