فهرس الكتاب

الصفحة 6400 من 11127

87 - (بابُ بَعْثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ) أسامة بن زيد بن حارثة مولى النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أبويهِ، وإنما أخَّر المصنف هذه التَّرجمة لما جاء أنَّه كان تجهيز أسامة رضي الله عنه يوم السبت قبل موت النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيومين؛ لأنَّه كان موته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الاثنين.

قال ابنُ إسحاق لمَّا كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر بدئ برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 18 ص 578

وجعه فحُمَّ وصدع، فلمَّا أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءً بيده، ويُروى أنَّه كان ابتداء ذلك قبل مرض النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فندب النَّاس لغزو الرُّوم في أواخر صفر ودعا أسامة رضي الله عنه فقال (( اغزُ بسم الله، فقاتلْ من كفر بالله، وسرْ إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد ولَّيتك على هذا الجيش فاغزُ صباحًا على أهل أُبْنَى_وهي أرضُ الشُّراة ناحية البلقاء_وحرِّق عليهم، وأسرع السَّير تسبق الخبر، فإن ظفَّرك الله بهم، فأقلل اللَّبث فيهم ) )فخرج بلوائه معقودًا، فدفعه إلى بُريدة بن الحُصيب الأسلمي، وعسكر بالجرف، فلم يبق أحدٌ من المهاجرين الأولين والأنصار إلَّا انتدبَ في تلك الغزوة منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرَّاح وسعد وسعيد وقتادة بن النُّعمان وسلمة بن أسلم رضي الله عنهم، فتكلم قوم في ذلك منهم عيَّاش بن أبي ربيعة المخزومي وهو الذي باشرَ القول ممَّن نسب إليهم الطعن في إمارته وقالوا يستعملُ هذا الغلام على المهاجرين الأولين، فردَّ عليهم عمر رضي الله عنه وأُخبر النَّبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغضب غضبًا شديدًا، فخرج وقد عَصَب على رأسه عِصَابة وعليه قطيفة، فصعدَ المنبر، فحمدَ الله وأثنى عليه، ثمَّ قال (( أيَّها النَّاس فما مَقالة بلغتني عن بعضكُم في تأميرِي أسامة؟ وإن طعنتُم في تأميري أسامة فقد طعنتُم في إمارةِ أبيه من قبلهِ، وايم الله إن كان خليقًا بالإمارةِ، وإنَّ ابنه بعده لخليقٌ بالإمارة ) )ثمَّ نزلَ فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. قال ابنُ هشام إنما طعنوا في إمارة أسامة؛ لأنَّه ابن مولى وكان صغير السِّن، وقيل إنما قال ذلك المنافقون.

ولمَّا كان يوم الأحد اشتدَّ برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعه فقال (( أَنفذوا بعثَ أسامة ) )فجهَّزه أبو بكر رضي الله عنه بعد أن استُخلفَ، فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أمرَ بها، وقتل قاتلَ أبيه، ورجع بالجيشِ سالمًا، وقد غنموا. ويُروى أنَّه لمَّا اشتد برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعه دخلَ أسامة

ج 18 ص 579

من معسكره والنَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مغمورٌ فطأطأَ أسامة رأسه فقبَّله والنَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يتكلَّم، ورجعَ أسامة إلى معسكرهِ، ثمَّ دخل يوم الاثنين فأصبحَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفيقًا، وأمر أسامة النَّاس بالرحيل، فبينما هو يريدُ الرُّكوب إذا رسول أمِّ أيمن قد جاء يقول إنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يموتُ، فأقبل أسامةُ وأقبلَ معه عمر وأبو عُبيدة فانتهوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يموتُ فتوفي حين زاغت الشَّمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من ربيع الأول، ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بُريدة بن الحصيب بلواء أسامة معقودًا حتَّى أتى به إلى باب رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغرزَهُ عنده، فلمَّا بُويع لأبي بكر رضي الله عنه أمرَ أسامة أن يمضيَ إلى وجهه، وسار عشرين ليلة، فشنَّ عليهم الغارة، فقتلَ من أشرف له، وسبى من قدر عليه، وحرَّق منازلهم وحرثَهم ونخيلَهم، وكان أسامةُ على فرسِ أبيه سبحة، وقتل قاتل أبيه في الغارة، ثمَّ قسَّم الغنيمة، ثمَّ قصد المدينة، وما أُصيب من المسلمين أحدٌ، وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونهم، وكان أسامة دخل على فرس أبيه سَبْحة واللِّواء أمامه يحملُه بُريدة بن الحصيب، وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامةُ فبعث رابطةً يكونون بالبلقاء، فلم تزلْ هناك حتَّى قدمت البُعوث إلى الشَّام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

وقد قصَّ أصحابُ المغازي هذه القصَّة مطوَّلة فهذا ملخَّصها، وقد أنكر ابنُ تيمية في كتاب (( الرد على ابن المطهر ) )أن يكون أبو بكر وعمر رضي الله عنهما كانا في بعث أسامة، ومستند من ذكره ما أخرجه الواقدي بأسانيده في (( المغازي ) ).

وذكره ابنُ سعد في أواخر التَّرجمة النبوية بغير إسناد، وذكره ابن إسحاق في (( السيرة ) )المشهورة، والله تعالى أعلم.

ج 18 ص 580

وذكر ابن الجوزي في «المنتظم» أنَّه لمَّا جهزه أبو بكر رضي الله عنه بعد أن استُخلفَ سأله أبو بكر رضي الله عنه أن يأذنَ لعمر رضي الله عنه بالإقامة فأذن له. وذكر الواقديُّ وابن عَساكر من طريقه مع أبي بكر وعمر أبا عُبيدة وسعدًا وسعيدًا وسلمة بن أسلم وقتادة بن النعمان أيضًا. وعند الواقدي أيضًا أنَّ عدة ذلك الجيش كان ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة من قريش. وعنده عن أبي هريرة رضي الله عنه كان عدَّة الجيش سبعمائة، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت