16 - (بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ) هكذا ثبتت البسملة هنا في رواية كريمة، وسقطت في غيرها.
(أَبْوَابُ الكُسُوفِ) وفي بعض النسخ ، والكتاب يجمع الأبواب، والكسوف هو التغير. يقال
ج 5 ص 324
كسف وجهه؛ أي تغيَّر، ويقال كَسفت الشَّمس والقمر _ بالفتح_، وكُسفا _ بالضم _، وانكسفا، وخَسفا _ بفتح الخاء وضمها _، وانخسفا كلها بمعنى واحد. وأصل الخسوف النُّقصان، ثمَّ الجمهور على أنَّهما ذهاب ضوء الشَّمس والقمر بالكليَّة. وقيل بالخاء ذهاب كل اللون، وبالكاف ذهاب بعضِهِ؛ أي تغيره، وقيل بالكاف للشَّمس، وبالخاء للقمر، وبالعكس.
وزعم علماء الهيئة أنَّ كسوف الشَّمس لا حقيقةَ له، فإنَّها لا تتغير في نفسها، وإنَّما القمر يحول بيننا وبينها، ونورها باق، وأمَّا كسوف القمر فحقيقة، فإنَّ ضوءه مستفاد من الشَّمس، وكسوفه بحيلولة الأرض بين الشَّمس وبينه بنقطة التَّقاطع، فلا يبقى فيه ضوء أصلًا، فخسوفه ذهاب ضوءه حقيقة.
وأبطله ابن العربي بأنَّهم يزعمون أنَّ الشَّمس أضعاف القمر، فكيف يحجب الأصغر الأكبر إذا قابله، ولا يأخذ منه عُشْره؟
وأيضًا إنَّ الشَّمس إذا كانت تعطيه نورها، فكيف يحجب نورها ونوره من نورها؟ هذا خباط.
وأيضًا قالوا إنَّ الشَّمس أكبر من الأرض بتسعين ضعفًا أو نحوها، وقالوا إنَّ القمر أكبر منها بأقل من ذلك، فكيف يقع الأعظم في ظلِّ الأصغر، وكيف يحجب الأرض نور الشَّمس، وهي في زاوية منها؟
وأيضًا الشَّمس لها فلك ومجرى، والقمر له فلك ومجرى، ولا خلاف أنَّ كل واحد لا يعدو مجراه كل يوم إلى مثله من العامِّ، فيجتمعان ويتقابلان، فلو كان الكسوف لوقوعه في ظلِّ الأرض في وقت؛ لكان ذلك الوقت محدودًا معلومًا؛ لأنَّ المجرى منهما محدودٌ معلوم، فلمَّا كان ذلك في الأوقات المختلفة، والمجرى واحد، والحساب واحد عُلِم قطعًا فساد قولهم.
والحقُّ أنَّه تغيُّرٌ يخلقه الله عزَّ وجلَّ فيهما لأمر يشاؤه، ولا يُدرى ما هو، ويكون تخويفًا للاعتبار بهما مع عظم خلقهما، وكثرة نورهما، فكيف بابن آدم الضَّعيف الخلق؟
وقيل يحتمل أن يكون الكسوف فيهما عند تجلِّي الله سبحانه لهما، ففي حديث قَبيصة الهلالي رضي الله عنه عند أبي داود والنَّسائي إشارة إلى ذلك حيث قال فيه (( إنَّ الشَّمس والقمر لا يخسفان لموت أحد، ولكنَّهما خلقان من خلقه، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يُحدِث في خلقه ما يشاء، وإنَّ الله عزَّ وجلَّ إذا تجلَّى لشيء من خلقه خشع له ... ) )الحديث. ويؤيِّده قوله تعالى {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} [الأعراف 143] .
وفي «أحكام» الطَّبري في الكسوف حِكَمٌ ... ظهور النُّقصان في هذين الخلقين العظيمين فلا يستأهلان لأن يعبدا، وإزعاج القلوب الغافلة وإيقاظها، وليرى النَّاس أنموذج القيامة حين جمع الشَّمس والقمر، وكونهما يفعل بهما ذلك، ثمَّ يعادان، فيكون تنبيهًا على خوف المكر، ورجاء العفو، والإعلام بأنَّه قد يُؤاخذ من لا ذنب له، فكيف من له ذنب؟
وكون الصَّلوات المفروضة عند كثير من الخلق عادة لا انزعاج لهم فيها، ولا وجود هيبة، فأتى بهذه الآية، وسُنَّت لها الصَّلاة؛ ليصلُّوا صلاةً على انزعاج وهيبة.
1 -بابُ الصَّلاةِ في كُسُوفِ الشَّمْسِ
(بابُ) مشروعيَّة (الصَّلاةِ في كُسُوفِ الشَّمْسِ) واعلم أنَّه لا خلاف في مشروعيَّة صلاة الكسوف والخسوف، وأصل مشروعيَّتها بالكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة.
أمَّا الكتاب فقوله تعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء 59] ، والكسوف آية من آيات الله المخوِّفة، والله تعالى يخوِّف عباده ليتركوا المعاصي، ويرجعوا إلى طاعة الله التي فيها لهم فوز.
وأمَّا السنَّة فقوله صلى الله عليه وسلم (( إذا رأيتم شيئًا من هذه الآيات فافزعوا إلى الصَّلاة ) ) [خ¦1059] .
وأمَّا الإجماع فلأن الأمَّة قد أجمعت عليها من غير نكير، وشُرِط لجوازها ما يُشترط لسائر الصَّلوات، وأنَّها سنَّة مؤكَّدة لفعله صلى الله عليه وسلم، وأمره بها كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وليست بواجبة [خ¦1040] .
وقال بعض مشايخنا الحنفيَّة إنَّها واجبة، ونصَّ في «الأسرار» على وجوبها، وصرَّح أبو عَوانة في «صحيحه» بوجوبها أيضًا.
وعن مالك أنَّه أجراها مجرى الجمعة. وقيل إنَّها فرض كفاية، واستُبعد ذلك، وأنَّها تصلَّى في المسجد الجامع، أو في مصلَّى العيد، وأنَّ وقتها هو الوقت الذي يستحبُّ فيه
ج 5 ص 325
سائر الصَّلوات دون الأوقات المكروهة، وبه قال مالك.
وقال الشَّافعي لا يكره في الأوقات المكرهة.
وأمَّا عدد ركعاتها؛ فعند اللَّيث بن سعد ومالك والشَّافعي وأحمد وأبي ثور ركعتان في كلِّ ركعة ركوعان وسجودان، فتكون الجملة أربع ركوعات، وأربع سجدات في ركعتين. وعند طاوس، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك بن جُريج ركعتان في كلِّ ركعة أربع ركوعات وسجدتان، فتكون الجملة ثمان ركوعات، وأربع سجدات. وحكي هذا عن عليٍّ، وابن عبَّاس رضي الله عنهما. وعند قتادة، وعطاء بن أبي رباح، وإسحاق، وابن المنذر ركعتان في كلِّ ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان، فتكون الجملة ست ركوعات، وأربع سجدات.
وعند سعيد بن جُبير، وإسحاق بن راهويه في رواية، ومحمَّد بن جرير الطَّبري وبعض الشَّافعية لا توقيت فيها بل يطيل أبدًا، ويسجد إلى أن تنجلي الشَّمس.
وقال القاضي عياض قال بعض أهل العلم إنَّما ذاك بحسب مكث الكسوف، فما طال مكثه زاد تكرير الرُّكوع فيه، وما قصر اقتصر فيه، وما توسَّط اقتصد فيه. قال وإلى هذا نحا الخطَّابي ويحيى وغيرهما.
وقد يُعتَرض عليه بأنَّ طولها وقصرها لا يُعلم من أوَّل الحال، ولا في الرَّكعة الأولى.
وعند إبراهيم النَّخعي وسفيان الثَّوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمَّد رحمهم الله هي ركعتان كسائر صلاة التطوُّع في كلِّ ركعة ركوع واحد وسجدتان. ويُروى ذلك عن ابن عمر، وأبي بكرة، وسَمُرة بن جندب، وعبد الله بن عمرو، وقَبيصة الهلالي، والنُّعمان بن بشير، وعبد الرَّحمن بن سَمُرة، وعبد الله بن الزُّبير. ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وفي «المحيط» عن أبي حنيفة إن شاؤوا صلُّوها ركعتين وإن شاؤوا أربعًا.
وفي «البدائع» وإن شاؤوا أكثر من ذلك، هكذا رواه الحسن عن أبي حنيفة.
وعند الظاهريَّة يصلِّي لكسوف الشَّمس خاصَّة إن كسفت في طلوعها إلى أن يصلِّي الظُّهر ركعتين، وإن كسفت من بعد صلاة الظُّهر إلى أخذها الغروب صلَّى أربع ركعات كصلاة الظُّهر والعصر. وفي كسوف القمر خاصة إن كسف بعد صلاة المغرب إلى أن يصلِّي العشاء الأخيرة صلَّى ثلاث ركعات كصلاة المغرب، وإن كسفت بعد صلاة العتمة إلى الصُّبح صلَّى أربع ركعات كصلاة العتمة.
واحتجُّوا في ذلك بحديث النُّعمان بن بشير
ج 5 ص 326
رضي الله عنه (( إذا خسفت الشَّمس والقمر، فصلُّوا كأَحْدَث صلاة صلَّيتموها ) ).