1925 - 1926 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد المثناة التحتية، وقد مرَّ في الأذان [خ¦615] (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ) مولاه (أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) القرشي راهب قريش، وقد مرَّ في الصَّلاة [خ¦789] .
(قَالَ كُنْتُ أَنَا وَأَبِي) عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، ابن عمِّ عكرمة بن أبي جهل بن هشام، مات سنة ثلاث وأربعين.
(حِينَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة رضي الله عنهما (ح) للتحويل.
- (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ) هو مروان بن عبد الحكم بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن قصي القرشي الأموي أبو عبد الملك، ولم يصحَّ له سماع من النَّبي صلى الله عليه وسلم. قال مالك ولد يوم أحد. وقيل يوم الخندق، وقيل ولد بمكَّة، وقيل بالطَّائف، ولم ير النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه خرج إلى الطَّائف طفلًا لا يعقل؛ لمَّا نفى النَّبي صلى الله عليه وسلم أباه الحكم، وكان مع أبيه حتَّى استخلف عثمان رضي الله عنه فردَّهما واستكتب عثمان رضي الله عنه مروان وضمَّه إليه، واستعمله معاوية رضي الله عنه على المدينة ومكَّة والطَّائف، ثمَّ عزله عن المدينة سنة ثمان وأربعين.
ولمَّا مات معاوية بن يزيد ولم يعهد إلى أحد بايع النَّاس بالشَّام مروان بالخلافة، ثمَّ مات، وكانت خلافته تسعة أشهر، توفي في رمضان سنة خمس وستين. روى له الجماعة سوى مسلم.
وإخبار عبد الرَّحمن بذلك لمروان كان بعد أن أرسله
ج 9 ص 274
مروان إلى عائشة وأمِّ سلمة رضي الله عنهما بيَّن ذلك في «الموطَّأ» ، وهو عند مسلم أيضًا من طريقه، ولفظه كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم، فقال مروان أقسمت عليك يا عبد الرَّحمن لتذهبنَّ إلى أمَّي المؤمنين عائشة وأمِّ سلمة رضي الله عنها، فلتسألنهما عن ذلك، قال أبو بكر فذهب عبد الرَّحمن وذهبت معه حتَّى دخلنا على عائشة رضي الله عنها، فساق القصَّة.
وبيَّن النَّسائي في رواية له أنَّ عبد الرَّحمن بن الحارث إنَّما سمعه من ذكوان مولى عائشة عنها، ومن نافع مولى أم سلمة عنها، فأخرج من طريق عبد ربه بن سعيد عن أبي عياض، عن عبد الرَّحمن بن الحارث قال أرسلني مروان إلى عائشة رضي الله عنها، فأتيتها فلقيت غلامها ذكوان، فأرسلته إليها، فسألها عن ذلك، فذكر الحديث مرفوعًا.
قال فأتيت مروان فحدَّثته بذلك، فأرسلني إلى أمِّ سلمة رضي الله عنها، فأتيتها فلقيت غلامها نافعًا فأرسلته إليها فسألها عن ذلك، فذكر مثله. وفي إسناده نظر؛ لأنَّ أبا عياض مجهول، فإن كان محفوظًا فيجمع بأنَّ كلًَّا من الغلامين كان واسطة بين عبد الرَّحمن وبينهما في السُّؤال، كما في هذه الرِّواية، وسمع عبد الرَّحمن وابنه أبو بكر كلًَّا منهما من وراء حجاب، كما في رواية المصنِّف وغيره، كما سيذكر من رواية أبي حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحمن عن أبيه، أخرجه النَّسائي.
ففيه أنَّ عبد الرَّحمن جاء إلى عائشة رضي الله عنها فسلَّم على الباب، فقالت عائشة يا عبد الرَّحمن، الحديثَ. ويحتمل أن يكون أرسل المولى أولًا، ثمَّ أتى هو فشافهته، أو أنَّ المولى كانت واسطة في الدُّخول عليها مع عبد الرَّحمن، فافهم.
ثمَّ إنَّ البخاري رحمه الله أورده من رواية مالك مختصرًا، وعقَّبه بطريق الزُّهري عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، فأوهم أن سياقهما واحدٌ، وليس كذلك، فإنَّه يذكر لفظ مالك بعد بابين [خ¦1928] ، وليس فيه ذكر مروان، ولا قصَّة أبي هريرة رضي الله عنه.
نعم؛ قد أخرجه مالك في «الموطَّأ» عن سميٍّ مطوَّلًا، ولمالك فيه شيخ آخر أخرجه في «الموطَّأ» عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن مختصرًا.
وأخرجه مسلم أيضًا من هذا الوجه وقال حدَّثنا يحيى بن يحيى، قال قرأت على مالك، عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة وأمِّ سلمة رضي الله عنهما زوجي النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّهما قالتا إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصبح جنبًا من جماع
ج 9 ص 275
غير احتلامٍ في رمضان، ثمَّ يصوم.
وله طُرق أُخرى كثيرة أطنب النَّسائي في تخريجها، وسأذكر بعضًا منها إن شاء الله تعالى.
(أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ) رضي الله عنهما (أَخْبَرَتَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ) أي والحال أنَّه (جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ) أي من جهة أهله؛ يعني من جماع (ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ) وفي رواية مالك (( كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلامٍ ) ). وفي رواية يونس، عن ابنِ شهاب، عن عروة وأبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن عائشة رضي الله عنها كان يُدركه الفجر في رمضان من غير حلمٍ، وسيأتي بعد بابين [خ¦1930] .
وفي رواية النَّسائي من طريق عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن أبيه عنها كان يصبح جنبًا من غير احتلام، ثمَّ يصوم ذلك اليوم. وله من طريق يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطب قال قال مروان لعبد الرَّحمن بن الحارث اذهب إلى أمِّ سلمة فاسألها، فقالت كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يصبحُ جنبًا منِّي، فيصوم ويأمرني بالصِّيام.
وقال القرطبيُّ في هذا فائدتان
إحداهما أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يُجامع في رمضان، ويؤخِّر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانًا للجواز، وإن كان الأفضل الغسل قبل الفجر.
والثَّانية أنَّ ذلك كان من جماعٍ لا من احتلام؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يحتلم؛ إذ الاحتلام من الشَّيطان، وهو معصومٌ منه. وقال غيره في قول عائشة رضي الله عنها من غير احتلامٍ إشارة إلى جوازِ الاحتلام عليه، وإلَّا لما كان لاستثنائه معنىً، وردَّ بأنَّ الاحتلام من الشَّيطان، وهو معصومٌ عنه، ولكن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقعُ الإنزال من غير رؤية شيءٍ في المنام.
وأرادت رضي الله عنها بالتَّقييد بالجماع من غير احتلامٍ المبالغة في الرَّد على من زعم أنَّ فاعل ذلك عمدًا مفطر، فإذا كان فاعله عمدًا لا يُفطر، فالذي ينسى الاغتسال، أو ينامُ عنه أولى بذلك.
وقال ابنُ دقيق العيد لمَّا كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره؛ فقد يتمسَّك به من رخَّص لغير المتعمِّد الجماع، فبيَّن في هذا الحديث أنَّ ذلك كان من جماعٍ لإزالة هذا الاحتمال.
(وَقَالَ) وفي رواية ابنِ عساكر بالفاء (مَرْوَانُ) أي ابن الحكم (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتَقْرَعَنَّ) بفتح التاء
ج 9 ص 276
والراء بينهما قاف ساكنة، من القرع؛ أي لتقرعنَّ بهذه القصَّة سمعه يقال قرعتُ بكذا سَمْعَ فلان إذا أعلمتَه به إعلامًا صريحًا. كذا في رواية الكُشميهني، وأمَّا في رواية الأكثرين بالفاء والزاي، من الفزع، وهو الخوف، ولفظ الخبر على هذا _ بضم التاء وسكون الفاء وكسر الزاي _ من باب الإفعال؛ أي لتخيفنَّه بهذه القصَّة التي تخالف فتواه.
وقال الكرماني ويروى من التَّعريف. وقال القسطلاني بضم التاء وفتح القاف وتشديد الراء، من التقريع، وهو التَّعنيف.
(بِهَا) أي بالمقالة المذكورة (أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وفي رواية النَّسائي من طريق عكرمة بن خالد، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن فقال مروان لعبد الرَّحمن الق أبا هريرة، فحدِّثه بهذا، فقال إنَّه لجاري، وإنِّي لأكره أن أستقبلَه بما يكره، فقال أعزمُ عليك لَتلْقَيَنَّه.
ومن طريق عمر بن أبي بكر بن عبد الرَّحمن عن أبيه، فقال عبد الرَّحمن لمروان غفر الله لك إنَّه لي صديق، ولا أحبُّ أن أردَّ عليه قوله.
وبيَّن ابن جريج في روايته عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحمن عن أبيه سبب ذلك؛ ففيه عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن قال سمعتُ أبا هريرة رضي الله عنه يقول في قصصه من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم، قال فذكرته لعبد الرَّحمن فانطلق وانطلقت معه حتَّى دخلنا على مروان، فذكر القصَّة. أخرجه عبد الرَّزَّاق عنه. ومن طريقه مسلم، والنَّسائي وغيرهما.
وفي رواية مالك عن سُميٍّ عن أبي بكر أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم. وللنَّسائي من طريق المقبري كان أبو هريرة رضي الله عنه يفتي النَّاس أنَّه من أصبح جنبًا فلا يصوم ذلك اليوم.
وله من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن بن ثوبان أنَّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول من احتلم من اللَّيل، أو واقع أهله، ثمَّ أدركه الفجر ولم يغتسل، فلا يصم. ومن طريق أبي قلابة عن عبد الرَّحمن بن الحارث أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول من أصبح جنبًا فليفطر. فاتَّفقت هذه الرِّوايات على أنه كان يفتي بذلك.
وإليه كان يذهب إبراهيم النَّخعي وعروة بن الزُّبير وطاوس، ولكن أبا هريرة رضي الله عنه لم يثبت على قوله هذا حيث ردَّ العلم بهذه المسألة إلى عائشة رضي الله عنها فقال عائشة أعلم منِّي،
ج 9 ص 277
أو قال أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منِّي.
وقال أبو عمر روى عن أبي هريرة رضي الله عنه محمَّدُ بن عبد الرَّحمن بن ثوبان الرُّجوع عن ذلك. وحكاه الحازمي عن سعيد بن المسيَّب. وقال الخطَّابي وابن المنذر أحسن ما سمعت من خبر أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه منسوخ؛ لأنَّ الجماع كان محرمًا على الصَّائم بعد النَّوم، فلمَّا أباح الله الجماعَ إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصومَ؛ لارتفاع الحظر، فكان أبو هريرة رضي الله عنه يفتي بما سمعه من الفضل على الأمر الأوَّل، ولم يعلم بالنَّسخ، فلمَّا سمع خبر عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما رجع إليه، والله أعلم. وسيأتي مزيد تفصيل لذلك إن شاء الله تعالى.
(وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ) أي أميرٌ ووالٍ عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ) أي فعل ما قاله مروان من قرع أبي هريرة رضي الله عنه، أو تقريعه وإفزاعه فيما كان يفتي به (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) وسبب كراهته ذلك قد بيِّن. ويحتمل أن يكون كره أيضًا أن يخالفَ مروان؛ لكونه كان أميرًا واجبَ الطَّاعة في المعروف.
وبيَّن أبو حازم عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه سبب تشديد مروان في ذلك، فعند النَّسائي من هذا الوجه قال كنت عند مروان مع عبد الرَّحمن، فذكروا قول أبي هريرة رضي الله عنه فقال اذهبْ فاسأل أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال فذهبنا إلى عائشة رضي الله عنها فقالت يا عبد الرَّحمن! أما لكم في رسول الله أسوة حسنة، فذكرت الحديث، ثمَّ أتينا أم سلمة كذلك، ثمَّ أتينا مروان فاشتدَّ عليه اختلافهم تخوفًا أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه يحدِّث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال مروان لعبد الرَّحمن عزمت عليك لما أتيته فحدَّثته.
(ثُمَّ) أي قال أبو بكر بن عبد الرَّحمن ثمَّ بعد ذلك (قُدِّرَ) بلفظ المجهول (لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ) أي الاجتماع بأبي هريرة رضي الله عنه (بِذِي الْحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (وَكَانَتْ لأَبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ) أي في ذي الحليفة (أَرْضٌ) وكان أبو هريرة رضي الله عنه هناك في ذلك الوقت، وفيه رفع توهُّم من يظنُّ أنَّهما اجتمعا هناك في سفر، فإنَّ ظاهره أنَّهما اجتمعا من غير قصد، لكن في رواية مالك فقال مروان لعبد الرَّحمن
ج 9 ص 278
أقسمت عليك لتركبنَّ دابتي فإنَّها بالباب، ولتذهبنَّ إلى أبي هريرة رضي الله عنه، فإنَّه بأرضه بالعقيق فلتخبرنَّه. قال فركب عبد الرَّحمن وركبت معه، فهذا ظاهر في أنَّه قصد أبا هريرة رضي الله عنه لذلك، فيحمل قوله ثمَّ قُدِّر لنا أن نجتمع، على المعنى الأعم من التَّقدير، لا على معنى الاتِّفاق، ولا تخالف بين قوله بذي الحليفة، وبين قوله بأرضه بالعقيق. وهو وادٍ بظاهر المدينة مسيل للماء، وهو الذي ورد ذكره في الحديث أنَّه واد مبارك، وكل مسيل شقه ماء السَّيل فهو عقيق، والجمع أعقَّة، وإنَّما لا تخالف بينهما؛ لاحتمال أن يكونا قصداه إلى العقيق، فإنَّه كان له أرض بالعقيق أيضًا فلم يجداه فيها، ثمَّ وجداه بذي الحليفة.
فإن قيل قد وقع في رواية معمر عن الزُّهري عن أبي بكر فقال مروان عزمت عليكما لما ذهبتما إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال فلقينا أبا هريرة رضي الله عنه عند باب المسجد.
فالجواب الظَّاهر أنَّ المراد بالمسجد هنا مسجد ذي الحليفة، فإنَّهم ذكروا أنَّ بذي الحليفة عدَّة آبار ومسجدًا، لا مسجد النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الحافظ العسقلاني الظَّاهر أنَّ المراد بالمسجد هنا مسجد أبي هريرة رضي الله عنه بالعقيق. وتعقَّبه العيني بأنَّه أبعد من منهج الصَّواب، فإنَّه قال أوَّلًا في التوفيق بين قوله بذي الحليفة، وقوله بالعقيق يحتمل أن يكونا قصدًا إلى العقيق فلم يجداه، ثمَّ وجداه بذي الحليفة، ومقتضى هذا أنَّهما وجداه عند باب مسجد ذي الحليفة على أنَّه لم ينقل عن أحد أنَّ بالعقيق مسجدًا لأبي هريرة رضي الله عنه.
هذا؛ ويجمع أيضًا بأنَّهما التقيا بذي الحليفة، فذكر له عبد الرَّحمن القصَّة مجملة، أو لم يذكرها، بل شرع فيها، ثمَّ لم يتهيَّأ له ذكر تفصيلها، وسماع جواب أبي هريرة رضي الله عنه إلَّا بعد أن رجعا إلى المدينة، وأراد دخول المسجد النَّبوي، والله أعلم.
(فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لأَبِي هُرَيْرَةَ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا) وفي رواية الكُشميهني بصيغة المضارع (وَلَوْلاَ مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ) وفي رواية الكُشميهني ، وفيه حسن الأدب مع الأكابر، وتقديم الاعتذار قبل تبليغ ما يظنُّ المبلِّغ أنَّ المبلَّغ يكرهه (فَذَكَرَ) عبد الرَّحمن له (قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) وفي رواية معمر عن ابن شهاب (( فتلوَّن وجه أبي هريرة رضي الله عنه ) ).
(فَقَالَ
ج 9 ص 279
كَذَلِكَ) أي الذي رأيته من كون من أدركه الفجر جنبًا لا يصوم (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما. وقد أحال أبو هريرة رضي الله عنه مرَّة على الفضل، ومرَّة على أسامة بن زيد، كما في رواية النَّسائي عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( من أدركه الصُّبح وهو جنب فلا يصم ) ). ومرَّة قال أخبرنيه مخبر. ومرَّة قال حدَّثني فلان وفلان فيما رواه ابن حبَّان، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عنه. وفي رواية للنَّسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قال لا وربِّ هذا البيت ما أنا قلت من أدركه الصُّبح جنبًا فلا يصم، محمَّد صلى الله عليه وسلم وربُّ الكعبة قاله، ثمَّ حدَّثنيه الفضل.
فيحمل على أنَّه كان عنده عن كلٍّ من الفضل وأسامة رضي الله عنهما، والظَّاهر أنَّ ذلك من تصرُّف الرُّواة. منهم من أبهم الرَّجلين فقال فلان وفلان، ومنهم من اقتصر على أحدهما تارة مبهمًا، وتارة مفسَّرًا، ومنهم من لم يذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أحدًا؛ فعند النَّسائي من طريق أبي قلابة عن عبد الرَّحمن بن الحارث فقال أبو هريرة رضي الله عنه هكذا كنت أحسب، والله أعلم.
(وَهُوَ أَعْلَمُ) أي الفضل أعلم بما روى، والعهدة في ذلك عليه لا عليَّ، أو الضَّمير راجع إلى الله تعالى، كما قيل، وهو بعيدٌ. وفي رواية النَّسفي عن البخاري أي أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكذا في رواية معمر، وفي رواية ابن جريج (( فقال أبو هريرة رضي الله عنه أهما قالتا؟ قال نعم هما أعلم ) )وهذا يرجِّح رواية النَّسفي. وزاد ابن جريج في روايته فرجع أبو هريرة رضي الله عنه عمَّا كان يقول في ذلك، وترك حديث الفضل وأسامة، ورآه منسوخًا. وكذا وقع في رواية محمَّد بن عبد الرَّحمن بن ثوبان عند النَّسائي أنَّه رجع.
وروى ابنُ أبي شيبة من طريق قتادة عن سعيد بن المسيَّب أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه رجع عن فتياه من أصبح جنبًا فلا صوم له. وحديث عائشة وأمِّ سلمة رضي الله عنهما يرجِّح على غيرهما؛ لأنَّهما ترويان ذلك عن مشاهدة بخلاف غيرهما.
وفي حديث الباب أربعة من التَّابعين أبو بكر وأبوه والزُّهري ومروان. وفيه بيان الحكم الذي بوَّب الباب لأجله. وفيه دخول العلماء على الأمراء والسَّلاطين، ومذاكرتهم إيَّاهم بالعلم.
وفيه بيان فضيلة
ج 9 ص 280
مروان، وما كان عليه بالاشتغال بالعلم، ومسائل الدِّين مع ما كان فيه من الدُّنيا، ومروان عندهم أحد العلماء، وكذلك ابنه عبد الملك.
وفيه الاستثبات في النَّقل، والرُّجوع في المعاني إلى الأعلم، وأنَّ الشَّيء إذا تنوزع فيه ردَّ إلى من يظن أنَّه يوجد عنده علم منه. وذلك أنَّ أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم أعلم النَّاس بهذا المعنى بعده.
وفيه ترجيح مروي النِّساء فيما لهنَّ عليه الاطلاع دون الرِّجال على الرِّجال كعكسه على ما أحكمه الأصوليُّون في باب التَّرجيح للآثار، وأنَّ المباشر للأمر أعلم من المخبر عنه. وفيه أنَّ من كان عنده علم في شيء، وسمع بخلافه كان عليه أن يبحث عنه حتَّى يتبيَّن له صحَّة خلاف ما عنده. وفيه الائتساء بالنَّبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله ما لم يقم دليل الخصوصيَّة.
وفيه أنَّ الحجَّة عند الاختلاف فيما لا نصَّ فيه من الكتاب سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه إثبات الحجَّة بخبر الواحد العدل، وأنَّ المرأة فيه كالرَّجل، وأنَّ طريق الإخبار في هذا غير طريق الشَّهادة. وفيه طلب الحجَّة، وطلب الدَّليل، والبحث على العلم حتَّى يصحَّ فيه وجه العمل، ألا ترى أنَّ مروان لمَّا أخبره عبد الرَّحمن بن الحارث عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما بما أخبره به في هذا الحديث بعث إلى أبي هريرة رضي الله عنه طالبًا للحجَّة، وباحثًا عن موقعها؛ ليعرف من أين قال أبو هريرة رضي الله عنه ما قاله من ذلك.
وفيه فضيلة لأبي هريرة رضي الله عنه حيث اعترف بالحقِّ ورجع إليه. وكذلك ينبغي للعالم أن يعترف بالحقِّ ويرجع إليه ولا يكابر. وفيه استعمال السَّلف من الصَّحابة والتَّابعين للإرسال عن العدول من غير نكيرٍ بينهم؛ لأنَّ أبا هريرة رضي الله عنه اعترف أنَّه لم يسمع هذا الحديث من النَّبي صلى الله عليه وسلم مع أنَّه كان يرويه عنه بلا واسطة، وإنَّما بيَّنها لما وقع من الاختلاف. وفيه الأدب مع العلماء، والمبادرة لامتثال أمر ذي الأمر إذا كان طاعة، ولو كان فيه مشقَّة على المأمور.
(وَقَالَ هَمَّامٌ) بتشديد الميم الأولى، هو ابن منبِّه الصَّنعاني، وقد مرَّ في باب حسن إسلام المرء [خ¦42] (وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بالرفع عطف على همَّام، وكان لعبد الله بنون ستَّة. قال الكرماني والظَّاهر أنَّ المراد بابن عبد الله هنا هو سالم؛ لأنَّه يروي عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وتعقَّبه العيني بأنَّ فيه اختلافًا فقيل هو عبدُ الله بن عبد الله بن عمر، وقيل هو عبيدُ الله بن عبد الله، كما سيأتي،
ج 9 ص 281
ولأجل هذا الاختلاف لم يسمِّه البخاري.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ) وفي رواية ابن عساكرَ والتَّعليق عن همَّام وصله أحمد وابن حبَّان من طريق معمر عنه بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا نودي للصَّلاة صلاة الصُّبح، وأحدكُم جنبٌ، فلا يصم يومئذٍ ) ).
وأمَّا تعليق ابن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ فوصله عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن ابن شهاب، عن ابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة رضي الله عنه به. وقد اختلف على الزُّهري في اسمه
فقال شعيب عنه أخبرني عبد الله بن عبد الله بن عمر قال قال لي أبو هريرة رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالفطر إذا أصبح الرَّجل جنبًا. أخرجه النَّسائي، والطَّبراني في «مسند الشَّاميين» .
وقال عقيل عنه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، به، فاختلف على الزُّهري هل هو عبد الله بالتَّكبير، أو عبيد الله بالتَّصغير؟
(وَالأَوَّلُ) أي حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما (أَسْنَدُ) قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي يريد _والله أعلم_ أنَّ حديث أبي هريرة رضي الله عنه مختلف في إسناده، فليس في أحد من «الصَّحيحين» إسناده إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما قال كذلك حدَّثني الفضل بن عبَّاس، وقد مرَّ أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه أحال فيه عليه، وعلى غيره تارةً بتصريح، وتارةً بإبهام.
وقال الدَّارقطني معناه أظهر إسنادًا، وأبين في الاتصال. وقال ابن التِّين إسناد الخبر رفعه، فكأنَّه قال إنَّ الطَّريق الأوَّل أوضح رفعًا، قال لكن الشَّيخ أبو الحسن قال معناه أنَّ الأوَّل أظهر اتصالًا. وقال الكرماني معناه أصحُّ إسنادًا.
وتعقَّبه العيني بأنَّ الإسناد إلى أبي هريرة هو الإسناد إلى أمَّي المؤمنين في أكثر الطُّرق. ويقرب ممَّا قاله الكرماني ما قاله الحافظ العسقلاني من أنَّ معناه أقوى إسنادًا، وهي كذلك؛ لأنَّ حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما جاء عنهما من طرق كثيرة جدًا بمعنىً واحد، حتَّى قال ابن عبد البر إنَّه صح وتواتر.
وأمَّا أبو هريرة رضي الله عنه فأكثر الرِّوايات عنه أنَّه كان يفتي به، وجاء عنه من طريق هذين أنَّه كان يرفعه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك وقع في رواية معمر عن الزُّهري عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره. أخرجه عبد الرَّزَّاق.
وللنَّسائي
ج 9 ص 282
من طريق عكرمة بن خالد، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن قال بلغ مروان أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه يحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره.
وله من طريق المقبري قال بعثت عائشة إلى أبي هريرة رضي الله عنهما لا تحدثنَّ بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وله ولأحمد من طريق عبد الله بن عمرو القاري سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول وربِّ هذا البيت ما أنا قلت من أدركه الصُّبح وهو جنب فليصم، محمَّد وربُّ الكعبة قاله.
لكن بيَّن أبو هريرة رضي الله عنه كما مرَّ أنَّه لم يسمع ذلك من النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما سمعه عنه بواسطة الفضل وأسامة، فكأنَّه كان لشدَّة وثوقه بخبرهما يحلف على ذلك.
وأمَّا ما أخرجه ابن عبد البرِّ من رواية عطاء بن مينا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قال كنت حدَّثتكم من أصبح جنبًا فقد أفطر، وأنَّ ذلك من كيس أبي هريرة، فلا يصحُّ ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ لأنَّه من رواية عَمرو بن قيس، وهو متروكٌ.
نعم؛ قد رجع أبو هريرة رضي الله عنه عن الفتوى بذلك إمَّا لرجحان رواية أمَّي المؤمنين في جواز ذلك صريحًا على رواية غيرهما مع ما في رواية غيرهما من الاحتمال؛ إذ يمكن أن يحمل الأمر بذلك على الاستحباب في غير الفرض، وكذا النَّهي عن صوم ذلك اليوم، وإمَّا لاعتقاده أن يكون خبر أمَّي المؤمنين ناسخًا لخبر غيرهما.
وقد بقي على مقالة أبي هريرة رضي الله عنه هذه بعض التَّابعين كما نقله التِّرمذي، ثمَّ ارتفع ذلك الخلاف، واستقرَّ الإجماع على خلافه، كما جزم به النَّووي.
وأمَّا ابن دقيق العيد فقال صار ذلك إجماعًا، أو كالإجماع، لكن من الآخذين بحديث أبي هريرة رضي الله عنه من فرَّق بين من تعمَّد الجنابة، وبين من احتلم، كما أخرجه عبد الرَّزَّاق عن ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه. وكذا حكاه ابن المنذر عن طاوس أيضًا.
قال ابن بطَّال وهو أحد قولي أبي هريرة رضي الله عنه. وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأنَّه لم يصح ذلك عنه، فقد أخرج ذلك عنه ابن المنذر من طريق أبي المهزم، وهو ضعيفٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ومنهم من قال يتمُّ صومه ذلك اليوم ويقضيه، حكاه ابنُ المنذر عن الحسن البصري في قول، وسالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم.
وقد أخرج عبد الرَّزَّاق عن ابن جريج
ج 9 ص 283
أنَّه سأل عطاء عن ذلك فقال اختلف أبو هريرة وعائشة رضي الله عنهما، فأفتى أن يتمَّ صومه ويقضي. انتهى.
فكأنَّه لم يثبت عنده رجوع أبي هريرة رضي الله عنه عن ذلك، وليس ما ذكره صريحًا في إيجاب القضاء. ونقل بعض المتأخِّرين عن الحسن بن صالح بن حيٍّ إيجاب القضاء أيضًا، والذي نقله الطَّحاوي عنه استحبابه.
ونقل ابن عبد البر عنه، وعن النَّخعي إيجاب القضاء في الفرض، والإجزاء في التطوُّع. ووقع لابن بطَّال وابن التِّين والنَّووي والفاكهي وغير واحد في نقل هذه المذاهب مغايرات في نسبتها لقائلها، والمعتمد كما قاله الحافظ العسقلاني هو ما ذكر، والله أعلم.
ونقل الماوردي أنَّ هذا الاختلاف كله إنَّما هو في حقِّ الجنب، وأمَّا المحتلم فأجمعوا على أنَّه يجزئه، وهذا النَّقل معتَرَضٌ بما رواه النَّسائي بإسنادٍ صحيحٍ عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّه احتلم ليلًا في رمضان، فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر، ثمَّ نام قبل أن يغتسل، فلم يستيقظ حتَّى أصبح، قال فاستفتيت أبا هريرة رضي الله عنه، فقال أفطر.
وله من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن بن ثوبان أنَّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول من احتلم من اللَّيل، أو واقع أهله، ثمَّ أدركه الفجر ولم يغتسل، فلا يصم. وهذا صريح في عدم التَّفرقة.
وحمل القائلون بفساد صوم الجنب حديث عائشة رضي الله عنها على أنَّه من الخصائص النبويَّة، أشار إلى ذلك الطَّحاوي بقوله وقال آخرون يكون حكم النَّبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكرت عائشة رضي الله عنها، وحكم النَّاس على ما حكى أبو هريرة رضي الله عنه.
وأجاب الجمهور بأنَّ الخصائص لا تثبت إلَّا بدليل، وبأنَّه قد ورد صريحًا ما يدلُّ على عدمها، وترجم بذلك ابن حبَّان في «صحيحه» حيث قال ذِكْرُ البيان بأنَّ هذا الفعل لم يكن المصطفى صلى الله عليه وسلم مخصوصًا به.
ثمَّ أورد ما أخرجه هو ومسلم والنَّسائي وابن خزيمة وغيرهم من طريق أبي يونس مولى عائشة عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رجلًا جاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب فقال يا رسول الله! تدركني الصَّلاة _ أي صلاة الصُّبح _ وأنا جنب، أفأصوم؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( وأنا تدركني الصَّلاة
ج 9 ص 284
وأنا جنب فأصوم )) فقال لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، فقال (( والله إنِّي لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتَّقي ) ).
وذكر ابن خزيمة أنَّ بعض العلماء توهَّم أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه غلط في هذا الحديث، ثمَّ ردَّ عليه بأنَّه لم يغلط، بل أحال على رواية صادق، إلَّا أنَّ الخبر منسوخ؛ لأنَّ الله تعالى عند ابتداء فرض الصِّيام كان منع في ليلِ الصَّومِ من الأكل والشُّرب والجماع بعد النَّوم.
قال فيحتمل أن يكون خبر الفضل كان حينئذٍ، ثمَّ أباح الله تعالى ذلك كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمرَّ إلى طلوعه، فيلزم أن يقعَ اغتساله بعد طلوع الفجر، فدلَّ على أنَّ حديث عائشة رضي الله عنها ناسخ لحديث الفضل، ولم يبلغ الفضل، ولا أبا هريرة النَّاسخ، فاستمرَّ أبو هريرة رضي الله عنه على الفتيا به، ثمَّ رجع عنه بعد ذلك لما بلغه.
ويؤيِّد ذلك أنَّ في حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه مسلم _وقد ذكر آنفًا_ ما يشعر بأنَّ ذلك كان بعد الحديبية لقوله فيها (( قد غفر الله لك ما تقدَّم وما تأخَّر ) )، وأشار إلى آية الفتح، وهي إنَّما نزلت عام الحديبية سنة ستٍّ، وابتداء فرض الصِّيام كان في السنة الثَّانية، والله أعلم.
وإلى دعوى النَّسخ فيه ذهب ابن المنذر والخطَّابي وغير واحد. وقرَّره ابن دقيق العيد بأنَّ قوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة 187] يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصَّوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر، فيلزم إباحة الجماع فيه، ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبًا، ولا يفسد صومه، فإنَّ إباحة التسبُّب للشَّيء إباحة لذلك الشَّيء.
قال الحافظ العسقلاني وهذا أولى من سلوك التَّرجيح بين الخبرين كما تقدَّم من قول البخاري، والأوَّل أسند. وكما قال بعضهم إنَّ حديث عائشة رضي الله عنها أرجح؛ لموافقة أمِّ سلمة رضي الله عنها لها على ذلك، ورواية اثنين تُقدَّم على رواية واحد، ولا سيَّما وهما زوجتان، وهما أعلم بذلك من الرِّجال، ولأنَّ روايتهما توافق المنقول، وهو ما تقدَّم من مدلول الآية، والمعقول وهو أنَّ الغسل شيء وجب بالإنزال، وليس في فعله شيء محرَّم على صائم، فقد يحتلم بالنَّهار، فيجب عليه الغسل، ولا يحرم عليه، بل يتمَّ صومه، فكذلك إذا احتلم ليلًا، بل هو من باب الأولى، وإنَّما يمنع الصَّائم
ج 9 ص 285
من تعمُّد الجماع نهارًا، وهو شبيهٌ بمن يمنع من التَّطيب وهو محرم، لكن لو تطيَّب وهو حلال، ثمَّ أحرم فبقي عليه لونه أو ريحه لم يحرم ذلك عليه.
ومنهم من جمع بين الحديثين بأنَّ الأمر في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أمر إرشاد إلى الأفضل، فإنَّ الأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز. ويحمل حديث عائشة رضي الله عنها على بيان الجواز، ونقل النَّووي هذا عن أصحاب الشَّافعي، وفيه نظر؛ فإنَّ الذي نقله البيهقي وغيره عن نصِّ الشَّافعي سلوك التَّرجيح، وعن ابن المنذر وغيره سلوك النَّسخ، ويعكِّر على حمله على الإرشاد التَّصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة رضي الله عنه بالأمر بالفطر، وبالنَّهي عن الصِّيام، فكيف يصحُّ الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان؟.
وقيل هو محمول على من أدرك الفجر مجامعًا فاستدام بعد طلوعه عالمًا بذلك. ويعكِّر عليه ما رواه النَّسائي من طريق أبي حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن أبيه أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول من احتلم وعلم باحتلامه، ولم يغتسلْ حتَّى أصبح فلا يصوم.
وحكى ابن التِّين عن بعضهم أنَّه سقط كلمة (( لا ) )من حديث الفضل، وكان في الأصل من أصبح جنبًا في رمضان فلا يفطر، فلمَّا سقطت لا، صار فليفطر.
وهذا كلام واهٍ، بل باطل؛ لأنَّه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث يطرقها مثل هذا الاحتمال، وكأنَّ قائله ما وقف على شيء من طرق هذا الحديث إلَّا على اللَّفظ المذكور، والله أعلم.
تنبيه والحاصل أنَّه قد اختلف العلماء فيمن أصبح جنبًا، وهو يريد الصَّوم هل يصح صومه أو لا؟ على سبعة أقوال
الأوَّل أنَّ الصَّوم صحيح مطلقًا فرضًا كان أو نفلًا، أخَّر الغسل عن طلوع الفجر عمدًا، أو لنوم، أو نسيان؛ لعموم الحديث. وبه قال علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو الدَّرداء وأبو ذرٍّ وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهم.
وقال أبو عمر إنَّه الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار بالعراق والحجاز، وأئمَّة الفتوى بالأمصار مالك وأبو حنيفة والشَّافعي والثَّوري والأوزاعي واللَّيث وأصحابهم وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن عليَّة وأبو عبيدة وداود وابن جرير الطَّبري، وجماعة أهل الحديث.
الثَّاني أنَّه لا يصحُّ صوم من أصبح جنبًا مطلقًا. وبه قال الفضل بن عبَّاس وأسامة بن زيد وأبو هريرة رضي الله عنهم، ثمَّ رجع عنه أبو هريرة رضي الله عنه
ج 9 ص 286
كما ذكر.
الثَّالث التَّفرقة بين أن يؤخِّر الغسل عالمًا بجنابته أم لا، فإن علم وأخَّره عمدًا لم يصحَّ، وإلَّا صحَّ، روي ذلك عن طاوس وعروة بن الزُّبير وإبراهيم النَّخعي. وقال صاحب «الإكمال» روي مثله عن أبي هريرة رضي الله عنه.
الرَّابع التَّفرقة بين الفرض والنَّفل، فلا يجزئه في الفرض، ويجزئه في النَّفل. وروي ذلك عن إبراهيم النَّخعي أيضًا، وحكاه صاحب «الإكمال» عن الحسن البصري. وحكى أبو عمر عن الحسن بن حيٍّ أنَّه كان يستحبُّ لمن أصبح جنبًا في رمضان أن يقضيه، وكان يقول يصوم الرَّجل تطوُّعًا، وإن أصبح جنبًا، فلا قضاء عليه.
الخامس أنَّه يتم صومه ذلك اليوم ويقضيه، روي ذلك عن سالم بن عبد الله والحسن البصري أيضًا وعطاء بن أبي رباح.
السَّادس أنَّه يستحبُّ القضاء في الفرض دون النَّفل، حكاه في «الاستذكار» عن الحسن بن صالح بن حيٍّ.
السَّابع أنَّه لا يبطل صومه إلَّا أن تطلع عليه الشَّمس قبل أن يغتسلَ ويصلِّي فيبطل صومُه، قاله ابن حزم بناء على مذهبهِ في أنَّ المعصية عمدًا تبطل الصَّوم، والله أعلم.
تكميل في معنى الجنب الحائض والنُّفساء إذا انقطع دمها ليلًا، ثمَّ طلع الفجر قبل اغتسالها.
قال النَّووي في «شرح مسلم» مذهب العلماء كافَّة صحَّة صومها، إلَّا ما حكي عن بعض السَّلف ممَّا لا يعلم صحَّ عنه أو لا، وكأنَّه أشار بذلك إلى ما حكاه في «شرح المهذَّب» عن الأوزاعي. لكن حكاه ابنُ عبد البرِّ عن الحسن بن صالح أيضًا.
وحكى ابنُ دقيق العيد أنَّ في المسألة في مذهب مالك قولين، وحكاه القرطبي عن محمَّد بن مسلمة من أصحابهم، ووصف قوله بالشُّذوذ.
وحكى ابن عبد البر عن عبد الملك بن الماجشون أنَّها إذا أخَّرت غسلها حتَّى طلع الفجر، فيومها يوم فطر؛ لأنَّها في بعضه غير طاهرة. قال وليس كالذي يصبح جنبًا؛ لأنَّ الاحتلام لا ينقض الصَّوم، والحيض ينقضه.