فهرس الكتاب

الصفحة 4429 من 11127

2829 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد المثناة التحتية، هو أبو عبد الله، مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المدني (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيات السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ الْمَطْعُونُ) هو الذي مات في الطَّاعون، وقد يجيء تفسيره في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى (وَالْمَبْطُونُ) أي العليل بالبطن (وَالْغَرِقُ) بفتح الغين المعجمة وكسر الراء، وهو الذي يموت بالغَرَقِ، وقيل هو الذي غلبه الماء ولم يَغْرَق، فإذا غَرِقَ فهو غريق (وَصَاحِبُ الْهَدْمِ) قال ابن الأثير الهَدَم،

ج 13 ص 284

بالتحريك البناء المهدوم، فَعَل بمعنى مفعول، وبالسكون الفعل نفسه (وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال الطِّيبي يلزم منه حمل الشَّيء على نفسه؛ لأنَّ قوله خمسة خبر للمبتدأ، والمعدود بعده بيانٌ له، وأجاب بأنَّه من باب قول الشَّاعر أنا أبو النَّجم وشِعْري شِعْري.

هذا ويحتمل أن يكون المراد بالشَّهيد في سبيل الله المقتول، فكأنَّه قال والمقتول فعبَّر عنه بالشَّهيد، ويؤيِّده قوله في رواية جابر بن عتيك على ما سيأتي إن شاء الله تعالى (( الشُّهداءُ سبعةٌ سِوى القتل في سبيل الله ) ).

قيل لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة؛ فإنَّ التَّرجمة سبع، والحديث خمسة، وقال ابن بطَّال لا تخرج هذه التَّرجمة من الحديث أصلًا، وهذا يدلُّ على أنَّه مات قبل أن يهذِّب كتابه.

وقال ابن المنيِّر إنَّ ظاهر كلام ابن بطَّال أنَّ البخاريَّ أراد أن يدخلَ فيه حديث جابر بن عتيك فأعجلتْهُ المنيَّة عن ذلك، وفيه نظرٌ.

قال ويحتمل أن يكون أراد التَّنبيه على أنَّ الشَّهادة لا تنحصر في القتل بل لها أسباب أخر، وتلك الأسباب اختلفت الأحاديث في عددها ففي بعضها خمسة، وفي بعضها سبعة، والذي وافق شرط البخاري هو الخمسة فذكرها، فنبَّه بالتَّرجمة على أنَّ العدد الوارد ليس على معنى التَّحديد الذي لا يزيد ولا ينقص. انتهى.

وقال الكِرماني يحتمل أن يكون بعضُ الرُّواة نَسِيَ الباقي، وتعقَّبه الحافظ العسقلاني والعيني بأنَّه احتمالٌ بعيد، وقال الحافظ العسقلاني لكن يقرِّبه ما في حديث مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه من زيادة قوله (( والمجنوب شهيدٌ ) )، يعني صاحب ذا الجنب.

والذي يظهر أنَّه صلى الله عليه وسلم أُعْلِمَ بالأقلِّ فذَكَرَه، ثمَّ أُعْلِمَ زيادةً على ذلك فذَكَرَها في وقتٍ آخر، ولم يقصد الحصر في شيءٍ من ذلك، فنبَّه البخاري بالتَّرجمة والحديث على ذلك، والله تعالى أعلم.

ثمَّ اعلم أنَّه جاء في حديث جابر بن عَتِيك، بفتح المهملة وكسر التاء بعدها تحتانية ساكنة ثم كاف، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت وذكر الحديث، وفيه ما تعدُّون الشَّهيد فيكم قالوا من يقتل في سبيل الله

ج 13 ص 285

قال صلى الله عليه وسلم (( الشُّهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيدٌ، والغرِق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيدٌ، والمبطون شهيدٌ، والحريق شهيدٌ، والذي يموت تحت الهدم شهيدٌ، والمرأة تموت بجُمْع شهيدٌ ) )الحديث في «الموطأ» .

وزاد على حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( الحريق، وصاحب ذات الجنب والمرأة تموت بجُمْع ) )، وتوارد مع أبي هريرة رضي الله عنه في المبطون والمطعون والغريق وصاحب الهدم.

فأمَّا صاحب ذات الجنب فهو مرضٌ معروف، ويقال هو الشوصة، وأمَّا المرأة تموت بجُمْع، فهو بضم الجيم وسكون الميم وآخره عين مهملة، وقد تفتح الجيم، وكَسَرَها الكسائي، وهو بمعنى المجموع كالذُّخر بمعنى المذخور، وهي النُّفساء.

وقيل التي يموت ولدها في بطنها ثمَّ تموت بسبب ذلك، وقيل التي تموت عذراء، وقيل التي تموت بمزدلفة، وهو خطأٌ ظاهرٌ، والأول هو الأشهر.

وحديث جابر بن عتيك، أخرجه أيضًا أبو داود والنَّسائي وابن حبان، وقد روى مسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه شاهدًا لحديث جابر بن عتيك، ولفظه (( ما تعدُّون الشُّهداء فيكم ) )، وزاد فيه ونقص فمن زيادته (( ومن مات في سبيل الله فهو شهيدٌ ) ). ولأحمد من حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه نحو حديث جابر بن عتيك ولفظه (( وفي النفساء يقتلها ولدها جمعًا شهادة ) ).

وله من حديث راشد بن حبيش نحوه، وفيه (( والسِّل ) )، وهو بكسر المهملة واللام، وللنَّسائي من طريق عقبة بن عامر (( خمس من قبض فيهنَّ فهو شهيدٌ ) )فذكر فيهم النُّفساء. وروى أصحاب السُّنن وصحَّحه التِّرمذي من حديث سعيد بن زيد مرفوعًا (( من قتل دون مظلمته فهو شهيدٌ ) ).

وروى الحارث بن أبي أسامة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الشُّهداء ثلاثة رجلٌ خرج بنفسه وماله صابرًا محتسبًا لا يريد أن يَقْتل ولا يُقتل، فإن مات أو قتل غفرت له ذنوبه كلها ونجا من عذاب القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر، ويزوَّج من الحور العين،

ج 13 ص 286

ويُخْلَع عليه حلَّة الكرامة، ويُوضَعُ على رأسه تاج الخلد.

والثَّاني رجلٌ خرج بنفسه وماله صابرًا محتسبًا يريد أن يَقْتل ولا يقتل فإن مات أو قُتِل كانت ركبته وركبة إبراهيم الخليل عليه الصَّلاة والسَّلام بين يدي الله عزَّ وجلَّ في مقعد صدق.

والثَّالث رجلٌ خرج بنفسه وماله محتسبًا يريد أن يُقْتل ولا يَقتل فإن مات أو قتل فإنَّه يجيء يوم القيامة شاهرًا سيفه واضعه على عاتقه والنَّاس جاثون على الرُّكب يقول أفسحوا لنا فإنَّا قد بذلنا دماءنا لله عزَّ وجلَّ، والذي نفسي بيده لو قال ذلك لإبراهيم عليه السَّلام أو لنبيٍّ من الأنبياء عليهم السَّلام لتنحَّى لهم عن الطَّريق لما يرى من حقِّهم ولا يسأل الله شيئًا إلَّا أعطاه ولا يشفع لأحدٍ إلَّا شفِّع فيه ويعطى في الجنَّة ما أحب )) هذا وهو ضعيف.

وروى التِّرمذي من حديث فضالة بن عبيد يقول سمعت عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( الشُّهداء أربعة رجلٌ مؤمن جيد الإيمان لقي العدوَّ فصدق الله حتَّى قُتِلَ، فذاك الذي يرفع النَّاسُ أعينَهم إليه يوم القيامة هكذا، ورفع رأسه حتَّى وقعت قلنسوته، فما أدري أقلنسوة عمر أراد أم قلنسوة النَّبي صلى الله عليه وسلم، ورجلٌ مؤمنٌ جيد الإيمان لقي العدوَّ، فكأنَّما ضرب جلده بشوك طلح من الجُبن أتاه سهم غربٌ فقتله، فهو في الدَّرجة الثَّانية، ورجلٌ مؤمنٌ خلط عملًا صالحًا فصدق الله حتَّى قُتِلَ فذاك في الدَّرجة الثَّالثة، ورجلٌ مؤمنٌ أسرف على نفسه لقي العدوَّ فصدق الله حتَّى قُتِلَ فذاك في الدَّرجة الرَّابعة ) ). وقال التِّرمذي هذا حديثٌ حسنٌ غريب، واعلم أنَّ في التَّرجمة كما رأيت الشَّهادة سبع، وهو يوافق حديث جابر بن عتيك كما مرَّ.

وفي حديث الباب خمسة، وفي حديث أنس بن مالك ثلاثة، وفي حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أربعة.

وجاءتْ أحاديثُ أخرى في هذا الباب منها في «الصَّحيح» (( من قُتِلَ دون ماله فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ دون دينه فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ

ج 13 ص 287

دون دَمِه فهو شهيدٌ، ومن وَقَصَهُ فَرَسُه أو بعيرُه أو لدغته هامةٌ أو مات على فِراشه على أيِّ حَتْفٍ شاء الله فهو شهيدٌ، ومن حَبَسَه السُّلطانُ ظالمًا له أو ضربه فمات فهو شهيدٌ، والذي يفترسه السَّبع شهيدٌ )) .

وعند ابن أبي عمر من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه (( ومن تردَّى من الجبال شهيدٌ ) )، وقال ابن العربي وصاحب النَّظرة، وهو المعين، والغريب شهيدان قال وحديثهما حسنٌ، وصحَّح الدَّارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( الغريب شهيدٌ ) )، ولابن حبَّان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( من مات مرابطًا مات شهيدًا ) )، وللطَّبراني من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( المرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيدٌ ) ).

وقال ذلك أيضًا في المبطونِ واللَّديغِ والغريقِ والشَّريقِ والذي يفترسه السِّباع والخارِّ عن دابته وصاحب الهدم وذات الجنب، ولأبي داود في حديث أم حرام (( المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيدٍ ) ).

وقد تقدَّمت أحاديث فيمن طلب الشَّهادة بنية صادقةٍ أنَّه يكتب شهيدًا في باب (( تمنِّي الشَّهادة ) ) [خ¦2797 وما بعدها] ، ويأتي في كتاب (( الطِّب ) )إن شاء الله تعالى فيمن صبر في الطَّاعون أنَّه شهيد [خ¦5734] .

وعند الطَّبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بإسنادٍ صحيحٍ (( أنَّ من يتردَّى من رؤوس الجبال وتأكله السِّباع ويغرق في البحار لشهيد عند الله ) ).

وروى ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( من مات مريضًا مات شهيدًا أو وُقِي فتنة القبر ) )، وسنده جيِّد على رأي الحاكم.

وروى البزَّار بسندٍ صحيحٍ عن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه (( النُّفساء شهادة ) )، وفي «الاستذكار» قال عمر رضي الله عنه (( من احتسب نفسه على الله شهيدٌ ) ). وفيه أيضًا حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( من عشِق وعفَّ وكتم ومات مات شهيدًا ) )وفيه كلام.

وروى النَّسائي من حديث سويد بن مقرن (( من قتل دون مظلمة فهو شهيدٌ ) )، وعند التِّرمذي من حديث

ج 13 ص 288

معقل بن يسار (( من قال حين يصبح ثلاث مراتٍ أعوذ بالله السَّميع العليم من الشَّيطان الرَّجيم، وقرأ ثلاث آياتٍ من آخر سورة الحشر، فإن مات من يومه مات شهيدًا ) )، وقال حديثٌ حسن غريب.

وعند الثَّعلبي من حديث يزيد الرقاشي، عن أنسٍ رضي الله عنه (( من قرأ آخر سورة الحشر فمات من ليلته مات شهيدًا ) ). وعند الآجري (( يا أنس، إن استطعت أن تكون أبدًا على وضوءٍ فافعل، فإن ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له شهادة ) )، وعند أبي نُعيم، عن ابن عمر رضي الله عنهما (( من صلَّى الضُّحى، وصام ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ولم يترك الوتر كُتِبَ له أجرُ شهيدٍ ) ).

وعن جابر رضي الله عنه (( من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة أُجِيرَ من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشُّهداء ) ). وقال أبو نُعيم غريب من حديث جابر رضي الله عنه، وعند أبي موسى من حديث عبد الملك بن هارون بن عنبرة، عن أبيه، عن جدِّه يرفعه فذكر حديثًا فيه (( والسِّل شهيدٌ، والغريب شهيد ) ).

وفي كتاب «الغرائب» للدَّارقطني من حديث أنسٍ رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( المحموم شهيدٌ ) ). وفي كتاب «العلم» لأبي عمر عن أبي ذرٍّ وأبي هريرة رضي الله عنهما (( إذا جاء الموتُ طالبَ العلم وهو على حاله مات شهيدًا ) ). وفي «الجهاد» لابن أبي عاصم من حديث أبي سلام، عن ابن معانق الأشعري عن أبي مالك الأشعري، مرفوعًا (( من خرج به خُراج في سبيل الله كان عليه طابع الشُّهداء ) ). وفي «التمهيد» عن عائشة رضي الله عنها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ فناء أمتي بالطَّعن والطَّاعون، قالت يا رسول الله، أمَّا الطَّعن فقد عرفناه، فما الطَّاعون؟ قال غدة كغدَّة البعير تخرج في المراقي والآباط من مات منها مات شهيدًا ) )، وفي بعض الآثار (( المجنوب شهيدٌ ) )يريد ذات الجنب. وفي الحديث (( إنَّها نخسة من الشَّيطان ) )وذلك كما رأيت يرتقي إلى قريب من أربعين.

ج 13 ص 289

فإن قلت كيف التَّوفيق بين الأحاديث التي فيها الأعداد المختلفة صريحًا.

فالجواب أنَّ ذكر العدد ليس على معنى التَّحديد، بل كلُّ واحدٍ من ذلك بحسب الحال وبحسب السُّؤال وبحسب ما تجدَّد العلم في ذلك من النَّبي صلى الله عليه وسلم، على أنَّ التَّنصيص على العدد المعين لا ينافي الزِّيادة، ومع هذا، الشَّهيد الحقيقي هو قتيل المعركة وبه أثرٌ، أو قتله أهلُ الحَرْب أو أهل البغي أو قُطَّاعُ الطَّريق أو قتله المسلمون ظلمًا ولم يجب بقتله دية، فالحكم فيه أن يكفن ويصلَّى عليه ولا يغسل ويدفن بدمه وثيابه، إلَّا ما ليس من جنس الكفن كالفرو والحشو والسِّلاح المعلَّق عليه.

وهذا كلُّه عند الحنفيَّة وعند الشَّافعي من مات في قتال الكفار فهو شهيدٌ سواء كان به أثر أو لا، ومن قتل ظلمًا في غير قتال الكفار أو جرح في قتالهم، ومات بعد انفصال القتال؛ ففيه قولان في قول لم يكن شهيدًا، وبه قال مالك وأحمد.

وفي «المغني» إذا مات في المعترك فإنَّه لا يغسل، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم ولا نعلم فيه خلافًا، إلَّا عن الحسن وابن المسيَّب فإنَّهما قالا يغسل الشَّهيد، ولا يعمل به، وأمَّا ما عدا من ذكروا الآن فهم شهداء حكمًا لا حقيقة، وهذا فضلٌ من الله تعالى لهذه الأمة بأن جعل ما جرى عليهم من الميتات التي فيها شدَّة تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، بلَّغهم بها درجات الشُّهداء الحقيقية ومراتبهم، فلهذا يغسلون ويعمل بهم بسائر أموات المسلمين.

وقال الحافظ العسقلاني والذي يظهر أنَّ المذكورين ليسوا في الرُّتبة سواء، ويدلُّ عليه ما روى أحمد وابن حبَّان في «صحيحه» من حديث جابر والدَّارمي من حديث ابن عنبسة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم سئل أيُّ الجهاد أفضل؟ قال (( من عُقِرَ جوادُه وأُهْرِيقَ دمُه ) ).

وروى الحسن بن علي الحلواني في كتاب «المعرفة» له بإسنادٍ حسنٍ من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال (( كلُّ موتةٍ يموت بها المسلم فهو شهيدٌ غير أنَّ الشَّهادة تتفاضل ) ).

ويتحصَّل ممَّا ذكر في هذه الأحاديث أنَّ

ج 13 ص 290

الشُّهداء قسمان شهيد الدُّنيا والآخرة وهو من يُقْتَلُ في حرب الكفَّار مقبلًا غير مدبرٍ مخلصًا، وشهيد الآخرة وهو من ذُكِرَ؛ بمعنى أنَّهم يُعْطَون من جنس أجر الشُّهداء ولا يَجْري عليهم أحكامُهم في الدُّنيا.

وفي حديث العرباض بن سارية عند النَّسائي وأحمد مرفوعًا (( يختصم الشُّهداء المتوفَّون على الفرش في الذين يتوفون من الطَّاعون، فيقول انظروا إلى جراحهم، فإن أشبهتْ جراح المقتولين فإنَّهم معهم ومنهم فإذا جراحهم قد أشبهتْ جراحهم ) ).

وإذا تقرَّر ذلك فيكون إطلاق الشُّهداء على غير المقتولين في سبيل الله مجازًا، فيحتجُّ به من يجيز استعمال اللَّفظ في حقيقته ومجازه، والمانع يجيبُ بأنَّه من عمومِ المجاز.

وقد يُطْلَق الشَّهيد على من قُتِلَ في حرب الكفَّار، لكن لا يكون له ذلك في حكم الآخرة لعارض يمنعه كالإدبار والغلِّ في الغنيمة وفساد النِّية، وهو شهيد الدُّنيا دون الآخرة، والله المستعان.

فائدةٌ اختلف في وجه تسميةِ الشَّهيد شهيدًا، فقال النَّضر بن شميل لأنَّه حي فكأنَّ أرواحهم شاهدة؛ أي حاضرة.

وقال الأنباري لأنَّ الله تعالى وملائكته يشهدون له بالجنَّة، وقيل لأنَّه يَشهد عند خروج روحه ما أُعِدَّ له من الكرامة، وقيل لأنَّه يشهد له بالأمان من النَّار، وقيل لأنَّ عليه شاهدًا بكونه شهيدًا، وقيل لأنَّه لا يشهده عند موته إلَّا ملائكة الرَّحمة، وقيل لأنَّه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرُّسل، وبعض هذا يختصُّ بمن قتل في سبيل الله، وبعضه يعمُّ غيره، والله تعالى أعلم.

والحديث أخرجه البخاري في الصَّلاة [خ¦653] وفي المرضى [خ¦5733] ، وأخرجه التِّرمذي في الجنائز، والنَّسائي في الطِّب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت