وقد أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ وغيرهما من حديث أبي أمامة رضي الله عنه سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته في حجَّة الوداع (( إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه فلا وصيَّة لوارثٍ ) ). وقال الترمذيُّ هذا حديثٌ حسنٌ انتهى، وفي إسناده إسماعيل بن عيَّاش. قال الترمذيُّ ورواية إسماعيل بن عيَّاش عن أهل العراق وأهل الحجاز ليس بذاك فيما ينفرد به؛ لأنَّه روى عنهم مناكير، وروايته عن أهل الشَّام أصح، وهكذا قال محمد بن إسماعيل. انتهى.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد قوى حديثه عن الشَّاميين جماعةٌ من الأئمة منهم أحمد والبخاريُّ، وهذا الحديث من روايته عن شرحبيل بن مسلمٍ، وهو شاميٌّ ثقةٌ صرَّح في روايته بالتَّحديث عند الترمذيِّ حيث قال حدَّثنا هناد، وعلي بن حجرٍ، قالا ثنا إسماعيل بن عيَّاش حدَّثنا شرحبيل بن مسلم الخولانيُّ، عن أبي أمامة الباهلي. وساق الحديث هذا.
وقال التِّرمذيُّ وفي الباب عن عمرو بن خارجة، روى حديثه التِّرمذيُّ بإسناده عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خطب على ناقته وأنا تحت جرانها، وهي تقصع بِجرَّتها وأنَّ لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول (( إنَّ الله عزَّ وجلَّ أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه فلا وصيَّة لوارثٍ، والولد للفراش، وللعاهر الحجر ) )قال هذا حديثٌ حسنٌ.
وفي الباب أيضًا عن جابرٍ رضي الله عنه، أخرج حديثه الدَّارقطنيُّ عنه مثله،
ج 13 ص 36
قال والصَّواب أنَّه مرسلٌ، وفيه أيضًا عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخرج حديثه الدَّارقطنيُّ أيضًا من حديث حجَّاج، عن عطاء عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تجوز الوصيَّة لوارثٍ إلَّا أن يشاء الورثة ) ).
ومنهم عبد الله بن عَمرو، أخرج حديثه الدَّارقطنيُّ أيضًا من حديث عَمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه يرفعه (( إنَّ الله قسم لكلِّ إنسانٍ نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارثٍ وصيَّة ) )وذلك بمنى.
وفيه أيضًا عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أخرج حديثه ابن ماجه عنه، أنَّه قال إنِّي لتحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيل عليَّ لعابها، فسمعته يقول (( إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ألا لا وصيَّة لوارثٍ ) ).
وفيه أيضًا عن علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، أخرج حديثه ابن أبي شيبة من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ رضي الله عنه (( ليس للوارث وصيَّةٌ ) ). وروى الدَّارقطنيُّ من حديث أبان بن تغلبٍ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا وصيَّة لوارثٍ ولا إقرار بدينٍ ) ).
قال الحافظ العسقلانيُّ ولا يخلو إسنادٌ منها عن مقالٍ، لكنَّ مجموعها يقتضي أنَّ للحديث أصلًا، بل جنح الشافعيُّ في «الأم» إلى أنَّ هذا المتن متواترٌ، فقال وجدنا أهل الفتيا، ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريشٍ وغيرهم، لا يختلفون في أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح (( لا وصيَّة لوارثٍ ) )، ويأثرونه عمَّن حفظوه عنه ممَّن لقوه من أهل العلم، وكان نقل كافَّة عن كافَّة، فهو أقوى من نقلِ واحدٍ.
وقد نازع الفخر الرَّازي في كون هذا الحديث متواترًا، وعلى تقدير تسليم ذلك، فالمشهورُ من مذهب الشَّافعي أنَّ القرآن لا يُنسخ بالسُّنَّة لكن الحجَّة في هذا إجماع العلماء على مقتضاه كما صرَّح به الشافعيُّ وغيره.
والمراد بعدم صحَّة وصيَّة الوارث عدم اللُّزوم؛ لأنَّ الأكثر على
ج 13 ص 37
أنَّها موقوفةٌ على إجازة الورثة، كما سيأتي بيانه. وقد مرَّ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قريبًا لا تجوز وصيَّةً لوارثٍ إلَّا أن يشاء الورثة. ورجاله ثقاتٌ إلَّا أنَّه معلولٌ فقد قيل إنَّ عطاء هو الخراسانيُّ، وكأنَّ البخاري أشار إلى ذلك فترجم به.
وأخرج من طريق عطاء هو ابنُ أبي رباحٍ، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما حديث الباب، وهو موقوفٌ لفظًا، إلا أنَّه تفسيرٌ وإخبارٌ بما كان من الحكم، قبل نزول القرآن، فيكون في حكم المرفوع بهذا التَّقرير، والله أعلم.