2747 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هو الفِرْيابيُّ، بيَّنه أبو نعيم الحافظ (عَنْ وَرْقَاءَ) مؤنَّث الأَوْرَق، هو ابن عمر بن كليب، أبو بشرٍ اليشكري، ويقال الشَّيباني، أصله من خوارزم، ويقال من الكوفة، سكنَ المدائن.
(عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة، وقد مرَّ في العلم [خ¦72] وغيره [خ¦312] [خ¦1352] (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ) كان مال الشَّخص إذا مات للولد (وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ) أي كانت الوصيَّة في أوَّل الإسلام لوالدي الميِّت على ما يراه من المساواة والتَّفضيل.
(فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ) أي ما أراد؛ يعني كانت الوصيَّة للوالدين والأقربين، ثمَّ نسخ منها ما كان وارثًا بآية الفرائض، وبقوله لا وصيَّة لوارثٍ، وبقي حقُّ من لا يرث من الأقربين في الوصيَّة على حاله، قاله طاوس وغيره.
(فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ) يعني عند وجود الولد (وَالرُّبُعَ) يعني عند عدم الولد (وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ) أي النِّصف عند عدم الولد (وَالرُّبُعَ) عند وجوده.
قال أكثر العلماء كانت هذه الوصيَّة في أوَّل الإسلام واجبةً لوالدي الميِّت وأقربائه على ما يراه من المساواة والتَّفضيل، ثمَّ نسخ ذلك بآية الفرائض. وقيل كانت للوالدين والأقربين
ج 13 ص 38
دون الأولاد، فإنَّهم كانوا يرثون ما يَبقى بعد الوصيَّة. وأغرب ابن شُريح فقال كانوا مكلَّفين بالوصيَّة للوالدين والأقربين بمقدار الفريضة الَّتي في علم الله تعالى قبل أن ينزِّلها، واشتدَّ إنكار إمام الحرمين عليه في ذلك. وقيل إنَّ الآية مخصوصةٌ؛ لأنَّ الأقربين أعم من أن يكونوا ورَّاثًا، وكانت الوصيَّة واجبةً لجميعهم فخصَّ منها من ليس بوارثٍ بآية الفرائض، وبقوله صلى الله عليه وسلم (( لا وصيَّة لوارثٍ ) )وبقي حقُّ من لا يرث من الأقربين من الوصيَّة على حاله، على ما قاله طاوس وغيره، وقد تقدَّم.
واختلف في تعيين ناسخ آية {الوصيَّةُ للوالدين والأقربين} فقيل آية الفرائض، وقيل الحديثُ المذكور، وقيل دلَّ الإجماع على ذلك، وإن لم يتعيَّن دليله. واستدلَّ بحديث (( لا وصيَّة لوارثٍ ) )على أنَّه لا تصحُّ الوصيَّة لوارثٍ أصلًا، وعلى تقدير نفاذها من الثُّلث لا تصحُّ الوصيَّة له ولا لغيره بما زاد على الثُّلث ولو أجازه الورثة، وبه قال المزنيُّ وداود وابن كيسان.
وقواه السبكيُّ واحتجَّ له بحديث عمران بن حصينٍ في الذي أعتق ستَّة أعبدٍ، فإن فيه عند مسلم فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم قولًا شديدًا، وفسَّر القول الشَّديد في رواية أخرى بأنَّه قال (( لو علمت ذلك ما صلَّيت عليه ) )، ولم ينقل أنه راجع الورثة فدلَّ على منعه مطلقًا، وبقوله في حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ (( وكان بعد ذلك الثُّلث جائزًا ) )، فإن مفهومه أن الزَّائد على الثُّلث ليس بجائزٍ.
وأنَّه صلى الله عليه وسلم منع سعدًا من الوصيَّة بالشَّطر، ولم يستثن صورة الإجازة، والحاصل أنَّ المنع من حقِّ الشَّرع فلو جوَّزنا كنَّا قد استعملنا الحكم المنسوخ، وذلك غير جائزٍ، وهذا قول أهل الظَّاهر. واحتجَّ من أجازها بالزِّيادة المتقدِّمة، وهي قوله (( إلَّا أن يشاء الورثة ) )، فإن صحَّت هذه الزِّيادة فهي حجَّةٌ واضحةٌ، واحتجُّوا من جهة المعنى بأن المنع إنَّما كان في الأصل لحقِّ الورثة، فإذا أجازوها لم تمتنع، ثمَّ
ج 13 ص 39
إنَّهم اختلفوا في وقت الإجازة، فقالت طائفةٌ إن أجازوا في حياة الموصي ثمَّ بدا لهم بعد وفاته كان لهم الرُّجوع، وهذا قول ابن مسعودٍ وشريح والحكم وطاوس وهو قول الثوريِّ وأبي حنيفة والشافعيِّ وأحمد وأبي ثورٍ. وقال مالك إذا أذنوا له في صحَّته فلهم أن يرجعوا، وإن أذنوا له في مرضهِ وحين يحجب عن مالهِ، فليس لهم ذلك، وهو قول إسحاق فألحقوا مرضَ الموت بما بعده. وعن مالك أيضًا لا رجوعَ لهم إلَّا أن يكونوا في كفالتهِ ويخشوا من امتناعِهم انقطاعُ معروفه عنهم فلهم الرُّجوع حينئذٍ. وقال الزهريُّ وربيعة ليس لهم الرُّجوع مطلقًا، وإن أجازُوا بعد وفاته نفذت وليس لهم الرُّجوع.
قال ابن المنذر واتَّفق مالك والثوريُّ والكوفيُّون والشافعيُّ وأبو ثورٍ أنَّه إذا أجاز ذلك بعد وفاته لزمهم.
وهل هو ابتداء عطيَّة منهم أم لا؟ فيه خلافٌ. واتَّفقوا على اعتبار كون المُوْصَى له وارثًا يوم الموت حتَّى لو أوصى لأخيه الوارث، حيثُ لا يكون له ابنٌ يحجبهُ فولد له ابنٌ قبل موتهِ يحجب الأخَ، فالوصيَّة للأخ المذكور صحيحةٌ، ولو أوصى لأخيه وله ابنٌ فمات الابن قبل الموصِي فهي وصيَّةٌ لوارثٍ.
وقد أغرب من استدلَّ به على منع وصيَّة من لا وارث له سوى بيت المال؛ لأنَّه ينتقل إرثًا للمسلمين، والوصيَّة للوارث باطلةٌ، وهو وجه ضعيفٌ جدًا، حكاه القاضي حسين، ويلزم قائله أن لا يجيز الوصيَّة للذمِّي أو يقيِّد ما أطلق، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ الوصيَّة للوالدين لما نُسخت وأثبت الميراث لهما بدلًا من الوصيَّة علم أنَّه لا يجمع لهما بين الوصيَّة والميراث، وإذا كان لهما كذلك فمَنْ دونهما أولى بأن لا يجمع له بينهما فيؤل حاصل المعنى إلى قوله (( لا وصيَّة لوارثٍ ) ).
والحديث قد أخرجه المؤلِّف في التَّفسير أيضًا [خ¦4578] .