فهرس الكتاب

الصفحة 6563 من 11127

12 - (باب قَوْلِهِ {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} ) أي يوم أحدٍ، والموصول مجرور على أنَّه صفةٌ للمؤمنين في قوله {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران 171] أو منصوب بأعني، أو مرفوع على أنَّه مبتدأ خبره قوله تعالى ( {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} ) «من» للتَّبيين؛ لأنَّه لو حمل على التَّبعيض لزم أن لا يكون كلُّهم محسنين، قال في «فتوح الغيب» فالكلام فيه تجريدٌ جرد من الَّذين استجابوا لله والرَّسول المحسن المتَّقي.

وسبب نزول هذه الآية الكريمة ما رواه ابنُ أبي حاتم حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد أخبرنا سفيان بن عيينة عن عَمرو بن دينار عن عكرمة قال لمَّا رجعَ المشركون عن أحدٍ قالوا لا محمدًا قتلتُم ولا الكواعبَ أردفتُم بئس ما صنعتُم ارجعوا. وفي رواية فرجعوا فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فندبَ المسلمين فانتدبوا حتَّى بلغَ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميالٍ من المدينة أو بئر أبي عنبة _ الشَّكُّ من سفيان _ فبلغ المشركين، فقالوا نرجع من قابل فرجعَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنزل الله تعالى {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [آل عمران 172] الآية، وأخرجه النَّسائي وابن مَرْدويه أيضًا عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ورجاله رجالُ الصحَّيح إلَّا أنَّ المحفوظ إرساله ليس فيه ابن عبَّاس، كما أخرجه ابن أبي حاتم.

وفي رواية أنَّ المشركين لمَّا أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم، فلمَّا بلغوا الرَّوحاء ندموا لم لا تمَّموا على أهل

ج 19 ص 221

المدينة وجعلوها الفيصلة وهمُّوا بالرُّجوع، فبلغ ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وندبَ أصحابه إلى الخروج في طلبهِم ليرعبهم ويريهم أنَّ فيهم قوَّةً وجلدًا، وقال (( لا يخرجنَّ معنا إلَّا من حضر الواقعة يوم أحدٍ ) )سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، فإنَّه أذن له، فخرج صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع جماعةٍ حتَّى بلغوا حمراء الأسد، وكان بأصحابه القرح، فتحاملوا على أنفسهم حتَّى لا يفوتهم الأجرُ، وألقى الله الرُّعب في قلوبِ المشركين فذهبوا فنزلت.

وقال محمَّد بن إسحاق حدَّثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السَّائب مولى عائشة بنت عثمان أنَّ رجلًا من أصحاب رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بني عبد الأشهل كان شهد أحدًا، قال شهدت أحدًا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا وأخٌ لي فرجعنا جريحين، فلمَّا أذَّن مؤذنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروجِ في طلب العدوِّ قلت لأخي. وقال لي أتفوتنا غزوة مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ والله ما لنا من دابَّةٍ نركبها، وما منَّا إلَّا جريحٌ ثقيلٌ، فخرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكنتُ أيسر جرحًا منه، فكان إذا غلبَ حملته عقبةً ومشى عقبة حتَّى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.

( {الْقَرْحُ} ) بفتح القاف، وقد قُرئ بضمها أيضًا، وهي قراءةُ حمزة والكسائي وشعبة من أهل الكوفة، وهما لغتان كالضَّعف والضُّعف، وقيل هو بالفتح الجراح، وبالضم ألمها، حكاه الفرَّاء، وقال الرَّاغب القرح _ بالفتح _ أثر الجراحة، وبالضم أثرها من داخل، وقال الأخفش القُرح بالضم، وبالفتح المصدر، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة غيرهم، وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ جيِّدٍ عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّه قرأ (( القُرْح ) )بالضم.

وذكر أبو عبيد عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت اقرأها بالفتح لا بالضم، وقرأ أبو السَّمَّال (( قَرَح ) )بفتحتين.

(الْجِرَاحُ) جمع جِراحة، بالكسر فيهما، قال العيني أشار بقوله «القرح» إلى ما في قوله تعالى {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران 140] . أقول الأنسب بالنِّسبة إلى المقام، ولفظ القرح أن يكون إشارةً إلى ما في قوله تعالى {مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عمران 172] .

(اسْتَجَابُوا أَجَابُوا) أشار بهذا إلى أنَّ الاستفعال هنا بمعنى الأفعال فقوله (( استجابوا ) )، بمعنى «أجابوا» ، كما في قول الشاعر [1]

~وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيْبُ إِلَّى النَّدَا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ

وفائدة السِّين أنَّها تدلُّ على أنَّ الفعلَ الذي دخلت عليه واقعٌ لا محالة وسواءٌ كان في فعلٍ محبوب أو مكروه.

( {يَسْتَجِيبُ} يُجِيبُ) أراد أن يستجيب في قوله تعالى {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشورى 26] بمعنى «يُجيب» ، وإنَّما ذكر هذا وهو في سورة الشورى

ج 19 ص 222

استشهادًا للآية المتقدِّمة، وكلا التَّفسيرين محكيٌّ عن أبي عبيدة، ولم يسق البُخاري في هذا الباب حديثًا، وكأنَّه بيَّض له ولم يظفر بحديث يُطابقه على شرطه، واللَّائق به حديث عائشة رضي الله عنها، وهو عند البُخاري في «المغازي» [خ¦4077] {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} إلى آخر الآية قالت لعروة في هذه الآية يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر رضي الله عنهما، فلمَّا أصاب نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أصاب يوم أحدٍ وانصرفَ عنه المشركون، قال من يرجع في إثرهم، فانتدب منهم سبعون رجلًا فيهم أبو بكر والزُّبير رضي الله عنهما.

وأمَّا حديث ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ آباءك من الَّذين استجابوا لله والرَّسول من بعد ما أصابهم القرح أبو بكر والزُّبير رضي الله عنهما ) )فرفعه خطأٌ محضٌّ لمخالفته رواية الثِّقات من وقفه على عائشة رضي الله عنها كما سبق، ولأنَّ الزُّبير ليس هو من آباء عائشة رضي الله عنها، وإنَّما قالت لعروة بن الزُّبير؛ لأنَّه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، والله تعالى أعلم.

[1] في هامش الأصل وهو كعب الغنوي. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت