فهرس الكتاب

الصفحة 7185 من 11127

(((60 ) )) (سُوْرَةُ الْمُمْتَحِنَةِ) قال السُّهيلي هي بكسر الحاء؛ أي المختبرة، أضيف إليها الفعل مجازًا كما سُمِّيت سورة براءة الفاضحة لما كشَفَت عن عيوب المنافقين. وقال الحافظُ العَسْقلاني ومن كسرها جعلها صفةً للسُّورة، والمشهور في هذه التَّسمية فتح الحاء، فعلى هذا هي صفةُ المرأة الَّتي نزلت السُّورة بسببها.

والمشهور فيها أنَّها أمُّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي امرأةُ عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه، وأمُّ ولده إبراهيم. وقال مقاتل الممتحنة اسمها سبيعة، ويُقال سعيدة بنت الحارث الأسلميَّة، وكانت تحت صيفي بن الرَّاهب. وقال ابن عَساكر كانت

ج 21 ص 204

أمُّ كلثوم تحت عَمرو بن العاص.

قال وروي أنَّ الآية نزلت في أميَّة بنت بشر من بني عَمرو بن عوف، أم عبد الله بن سهل بن حنيف، وكانت تحت حسَّان بن الدَّحداحيَّة، ففرَّت منه، وهو حينئذٍ كافرٌ، فتزوَّجها سهل بن حُنيف.

وقال أبو العبَّاس هي مدنيَّة بلا خلافٍ، وقال السَّخَّاوي نزلت بعد سورة الأحزاب، وقبل سورة النِّساء. وهي ألف وخمسمائة وعشرة أحرف، وثلاثمائة وثمان وأربعون كلمة، وثلاث عشرة آية. وليست فيها بسملةٌ عند الجميع، وفي رواية غير أبي ذرٍّ سقطت لفظة أيضًا.

وقد نقل القسطلانيُّ من رواية أبي ذرٍّ ثبوت البسملة أيضًا والعهدةُ عليه.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ {لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً} لاَ تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِيهِمْ، فَيَقُولُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ عَلَى الْحَقِّ مَا أَصَابَهُمْ هَذَا) أي فسَّر مجاهدٌ قوله تعالى {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِيْنَ كَفَرُوا} [الممتحنة 5] الآية بقوله «لا تُعذِّبنا بأيديهم ... إلى آخره» . وصله الفريابيُّ عن ورقاء عن ابن أبي نجيح، عنه، بلفظه، وزاد (( ولا بعذابٍ من عندك ) )، وزاد في آخره «مثل هذا» .

وكذا أخرجه عبد بن حُميد عن شبابة، عن ورقاء [عن أبي نَجيح عنه] ، والطَّبري من طريقٍ أخرى عن ورقاء عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ كذلك، فاتَّفقوا كلُّهم على أنَّه موقوفٌ على مجاهدٍ. وأخرج الحاكم مثل هذا من طريق آدم بن أبي إياس عن ورقاء، فزاد فيه ابن عبَّاس رضي الله عنهما وقال صحيحٌ على شرط مسلم.

قال الحافظ العسقلاني وما أظنُّ زيادة ابن عبَّاس فيه إلَّا وهمًا؛ لاتِّفاق أصحاب ورقاء على عدم ذكره.

وقد أخرج الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال {لَا تَجْعَلْنَا فِتْنةً لِلَّذِيْنَ كَفَرُوا} [الممتحنة 5] ، لا تُسلِّطهم علينا فيفتنوننا. وهذا يخالف تفسير مجاهد، وفيه تقويةٌ لما قلنا.

وأخرج الطَّبري من طريق سعيد عن قتادة في قوله {لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِيْنَ كَفَرُوا} [الممتحنة 5] قال لا تُظهرهم علينا فيفْتَتنوا، يرون أنَّهم إنَّما ظهروا علينا بحقِّهم، وهذا يشبه تأويل مجاهدٍ، انتهى.

وقد أخذ النَّسفي هذين القولين {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِيْنَ كَفَرُوا} [الممتحنة 5]

ج 21 ص 205

قال أي لا تُسلِّطهم علينا فيفتنونا بعذابٍ لا طاقة لنا به، وقيل لا تظفرهم علينا فيظنُّوا أنَّهم على الحقِّ ونحن على الباطل.

( {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة 10] أُمِرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِرَاقِ نِسَائِهِمْ، كُنَّ كَوَافِرَ بِمَكَّةَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة 10] يعني أنَّ الله تعالى نهى عن التَّمسُّك بعصم الكوافر.

والعصم جمع عصمة وهي ما اعتصمَ به من عقدٍ وسببٍ، يُقال أمسكت بالشَّيء وتمسَّكت به، والكوافر جمع كافرة، فنهى الله تعالى المؤمنين عن المقام على نكاحِ المشركات، وأمرهُم بفراقهنَّ. وقد وصله الفريابي من طريق مجاهدٍ.

وأخرجه الطَّبري من طريقه أيضًا، ولفظه أُمر أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم بطلاقِ نسائهم كوافر بمكَّة قعدنَ مع الكفار. ولسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النَّخعي قال نزلت في المرأة من المسلمين تلحقُ بالمشركين فتكفرُ، فلا يُمسك زوجها بعصمتها قد برئ منها. انتهى.

وقال أبو علي الفارسي قال لي الكرخيُّ الكوافر في الآية تشمل الرِّجال والنِّساء، قال فقلت له النُّحاة لا يجيزون هذا إلَّا في النِّساء جمع كافرة. قال أليس يُقال طائفةٌ كافرةٌ، وتُعقِّب بأنَّه لا يجوز كافرةٌ وصفًا للرِّجال إلَّا مع ذكر الموصوف، فيتعيَّن الأوَّل، والله تعالى أعلم.

وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما في تفسير الآية لا تأخذوا بعقد الكوافر، فمن كانت له امرأةٌ كافرةٌ بمكَّة فلا يعقدنَّ [1] بها فقد انقضت عصمتها منه، وليست له بامرأةٍ، وإن جاءتكم امرأةٌ مسلمةٌ من أهل مكَّة ولها بها زوجٌ كافرٌ فلا يعقدنَّ به [2] فقد انقضتْ عصمتُه منها.

وقال الزهريُّ لما نزلت هذه الآية طلق عمر رضي الله عنه امرأتين كانتا له بمكَّة مشركتين قريبة بنت أبي أميَّة فتزوَّجها بعده معاوية رضي الله عنه وهما على شركهما. والأخرى أمُّ كلثوم الخزاعيَّة أمُّ عبد الله فتزوَّجها أبو جهم وهما على شركهما، وكانت عند طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة، ففرَّق بينهما الإسلام.

[1] في هامش الأصل في نسخة فلا يعتدن.

[2] في العمدة (فلا تعتدن به) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت