فهرس الكتاب

الصفحة 6548 من 11127

5 - (باب {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} ) أي لن تدركوا ولم تبلغوا حقيقة البرِّ وكماله، ولن تكونوا أبرارًا، والبرُّ كلُّ فعل مرضيٍّ، أو المراد هنا ثواب الله أو الجنة [1] ( {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ) أي حتَّى يكون إنفاقكم من أموالكم الَّتي تحبُّونها، أو المراد ما يعمُّها، وغيرها كبذلِ الجاه في معاونة النَّاس، والبدن في طاعةِ الله، والمهجة في سبيل الله، وكلمة «من» في {مِمَّا تُحِبُّونَ} تبعيضيَّة يدلُّ عليه قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، ويحتمل أن يكون تفسير معنى لا قراءة.

(إِلَى {بِهِ عَلِيمٌ} ) أي اقرأ إلى به عليم {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ} أي من أيِّ شيءٍ محبوب أو غيره، و «من» لبيان ما

ج 19 ص 202

{فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فيجازيكُم بحسبه، هكذا وقع في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذرٍّ وقع بدل قوله إلى {بِهِ عَلِيمٌ} ، وسقط في رواية غيره لفظ .

[1] جاء في الأصل هنا بمقدار لوحة بخط مختلف وشرح مختلف ألحقتها بالهامش للفائدة [103/ب] {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ} أي لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمالُ الخير، أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضا والجنة على أن تكون اللام عوضًا عن تعريف الإضافة فيه، فيراد نوع من الجنس، ومعنى نيله إصابته ووجدانه فالبر على الأول ما يصير به المكلف من الأبرار، وذلك ما يحصل منه من الأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى، وعلى الثَّاني يراد به بر الله تعالى أولياءه وإكرامه إياهم وتفضله عليهم، فهو من قول الناس برني فلان بكذا، وبرني فلان بكذا لاينقطع عني {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} أي من المال، أو ما يعمه وغيره كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله، والمهجة في سبيله إشارة إلى أنَّ المفسرين اختلفوا في قوله تعالى {مِمَّا تُحِبُّونَ} منهم من قال إنه نفس المال فإن الإنسان مجبولٌ على حبه، قال تعالى {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات 8] وقال آخرون كل ما يحتاج إليه مما هو عند المنفق، فهو محبوبٌ كأنه قيل لا وصول إلى المطلوب إلَّا بإنفاق المحبوب، روي أنها لما نزلت جاء أبو طلحةَ فقال يا رسول الله، إن أحب أموالي إلي بئر بيرحاء فضعها حيث أرادَ الله فقال (( بخ بخ ) )كلمة مدح ورضا مبنية على السكون (( ذاك مال رابح ) )أي ذو ربح ونفع ورائج؛ أي يروج نفعه لقربه من البلد ورائح؛ أي يروح ويذهب ويعود إليك نفعه وثوابه، أو قريب المسافة فيروح خيره إلى صاحبه، ويجيء إليه سريعًا، وإني أرى أن تجعلَها في الأقربين، وجاء زيد بن حارثة بفرس كان يحبه، فقال هذا في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة فقال زيد إنما أردت أن أتصدَّق به، فقال صلى الله عليه وسلم إن الله قد قبلها منك، لما وهب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الفرس أسامة شقَّ ذلك على زيد على ظن أن صدقته لم تقبل فقال أردت أن أتصدَّق به، فقال صلى الله عليه وسلم إن الله عزَّ وجلَّ قد قبلها منك، وروي أنَّ عمر رضي الله عنه اشترى جاريةً فلمَّا رآها أعجبته، فأعتقها فقيل له لم أعتقتها ولم تصب منها، فقال {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وبالجملة كان السَّلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئًا جعلوه لله تعالى ذخيرة ليوم يحتاجون إليه، والإنسان لا ينفقُ محبوبه في الدنيا إلَّا إذا أيقنَ أنَّه يتوصَّل بذلك إلى وجدان محبوب آخر أحب وأمثل منه وأشرف، فالإنسان لا ينفقُ محبوبه في الدنيا إلَّا إذا أيقنَ بوجود الصَّانع العالم القادر، وتيقَّن بالبعثِ والحساب والجزاء وأن {مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ} [الزلزلة 7 - 8] ولزم منه أن الإنسان لا يمكنه إنفاق محبوبه في الدنيا إلَّا إذا كان مستجمعًا لجميع الخصال الحميدة في الدين، وقد اختلف المفسرون في أنَّ المراد من الإنفاق (( ممَّا تحبُّون ) )هل هو إخراج الزكاة أو الإنفاق المستحب، فذهب الضَّحَّاك إلى الأول، وقال المعنى حتى تخرجوا زكاة أموالكم، وقال الحسن كلُّ شيء أنفقَه المسلم من مالهِ يبتغي به وجه الله تعالى [102/ب] فإنَّه من الذي عنى الله سبحانه وتعالى بقوله {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} حتى التَّمرة، وما نقلَ من الآثار يؤيِّد القول الثَّاني، ولذا قال القاضي وذلك يدلُّ على أن إنفاقَ أحب الأموال على أقربِ الأقارب أفضلُ، وأنَّ الآية تعم الإنفاق الواجب والمستحب، وقال الإمام لو خصَّصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى؛ لأنَّ الآية مخصوصة بإنفاق الأحبِّ، والواجب ليس فيها إيتاء الأحب، فإنَّه لا يجبُ على المزكي أن يخرجَ أشرف أمواله وأكرمه بل الصَّحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء المال على السَّبيل النَّدب، ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي أن هذه منسوخة بآية الزكاة، وهذا في غاية البعد لأنَّ إيجاب الزكاة كيف يُنافي الترغيب في بذلِ المحبوب لوجه الله تعالى، وقُرئ ، وهو يدلُّ على أنَّ من للتَّبعيض، ولم يشترط إنفاق الكلِّ تيسيرًا على العباد {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} وقال القشيري من أرادَ البر فلينفقْ بعض ما يحبُّه، ومن أرادَ الباري تعالى فلينفق جميع ما يحبه، وقيل إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاقِ محبوبك فمتى تصلُ إلى الباري تعالى وأنت تؤثرُ عليه حظوظك.

روي أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان مريضًا فاشتهى عنبًا، وذلك في الشتاء فخرجَ بنوه فاشتروا له عنقودًا بدرهم، فلما أتى به أخذَ منه حبَّة، فإذا بسائلٍ يسأل فأعاد الحبة موضعها، ثم قال يا سالم ناوله العنقود، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( خير الصدقة ما كان على شهوتها ) )فناوله العنقود، ثم اشتراه منه بدرهم، وجاء به إليه، وقال كل شهوتك فإذا سائل فأعادها إلى موضعها، وفعل كالأولى فكان كذلك ثلاث مرَّات، ومات عبد الله بشهوتهِ رضي الله تعالى عنه، ويحتمل التَّبيين والمعنى لن تنالوا البر إلى أن تنفقوا الشَّيء الذي تحبونه، ودلت الآية على أنَّه لا بأس بمحبَّة شيء من الدنيا إذا لم يقدم على محبَّة الدين، ولم يؤثر العاجل على الآجل {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ} من أي شيءٍ محبوبٍ أو غيره إشارة إلى أنَّ ما شرطيَّة، وقوله {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} جواب الشرط؛ أي فيجازيكُم بحسبه جعل علمه تعالى بذلك جوابا للشَّرط مع أنَّ علمه تعالى غير مشروطٍ بشيءٍ بناء على أنَّ علمه تعالى بذلك الإنفاق جعل كناية عن إعطاء الثَّواب، ويجوز تعليقُ الإثابة بالعمل، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت